تونسيات في مهن "رجالية"

تونس
بسمة بركات
10 مارس 2019
+ الخط -

بين الإسمنت واللحوم والوقود والأصوات الغليظة، ثمّة قصّة لكلّ واحدة من النساء اللواتي لجأنَ إلى مهنة لطالما كانت "ممنوعة" على بنات جنسهنّ

تمكّنت النساء في تونس من الخوض في مهن كثيرة كانت حكراً على الرجال، وصرنَ ينافسنَ الرجال فيها لا بل تفوّقنَ في بعضها. ونجد تونسيات يعملنَ في مجال البناء والميكانيك والجزارة والنجارة والغوص والزراعة وغيرها، وبالتالي لم تعد تلك المهن ممنوعة على "الجنس اللطيف". وهؤلاء النساء إمّا يدفعهنّ طموحهنّ إلى العمل في مهن شاقة تتطلب بنية جسدية قوية، وإمّا يحتجنَ إلى أيّ فرصة عمل بعدما أجبرهنّ فقدان أزواجهنّ على ممارسة مهن لم يتخيلنَ يوماً أنّهنّ سوف يمارسنها.

في محل للجزارة بمنطقة بنزرت، شماليّ تونس، كانت مريم ملياني تقطّع لحم الأغنام وترصفها في ثلاجة العرض. وقد علقت كتف خروف لجذب الزبائن بينما وضعت نصفه فوق طاولة التقطيع. لم تمنعها أناملها الرقيقة وصوتها الدافئ من ممارسة مهنة تتطلب بنية جسدية قوية وصبراً كبيراً، وتؤكد المرأة الثلاثينية لـ"العربي الجديد" أنّه "على الرغم من صعوبة الجزارة التي تُعَدّ مهنة رجالية، فإنّها تمكنت من كسب ثقة الزبائن". وقد ساعدها شغفها في تطوير عملها، في حين أنّها تستعين ببعض الآلات لتقطيع اللحوم، ما يسهّل عليها العمل كثيراً. وتشير مريم إلى أنّها تعدّ "منتجات وأطباقا تخلّت عنها نساء كثيرات بحكم انشغالهنّ بالعمل خارج المنزل وضيق الوقت، مثل القديد (لحم مجفف) والعصبان والمرقاز. الأخير هو كناية عن أمعاء خروف محشوّة باللحم والتوابل، أمّا العصبان فهو بطن الخروف الذي يُحشى بالخضروات والتوابل".




وتقول مريم ورثت "حبّ الجزارة من والدي. ففي ضيعتي يربّي الناس الأغنام والأبقار، وفي طفولتي كنت أساعد والدي إمّا في تربيتها وإمّا في محلّ الجزارة. وعندما توفي والدي، استلمت مع شقيقتي المحلّ حفاظاً على ذكراه". تضيف أنّ "عائلتي وزوجي شجّعاني، على الرغم من الصعوبات". قبل نحو خمسة أعوام، انطلقت في مهنتها هذه، ولا تخفي مريم أنّ "الرجال في البداية لم يتقبّلوا وجود امرأة في هذا المجال، لكنّهم تعوّدوا تدريجياً على الأمر". وتتابع أنّ "المرأة التونسية معروفة بحبّ العمل، بالتالي يمكنها العمل في أيّ مجال ومنافسة الرجل إذا تطلب الأمر ذلك".



في مزرعة واقعة على مقربة من منطقة العالية التي تبعد نحو 60 كيلومتراً عن تونس العاصمة، امتهنت خيرة الزراعة، فتعمد إلى تقليم الأشجار وريّ النباتات والأزهار ووضع الأسمدة وإزالة الأعشاب الطفيلية، وتستقبل كذلك الزبائن الذين يقصدونها لشراء الأشجار والأزهار. تخبر المرأة الخمسينية "العربي الجديد" أنّها تعمل في هذا المجال منذ عام 1985، مؤكدة أنّها تحبّ عملها كثيراً على الرغم من الإرهاق. وتوضح خيرة أنّ "العمل في البستنة كان على حساب بيتي لأنّه يتطلب وقتاً طويلاً وصبراً، لذلك كنت أؤجّل الأعمال المنزلية حتى ساعة متأخرة من الليل"، مضيفة "لم أتخيّل نفسي في يوم أعمل في هذا المجال، أي أزرع وأعتني بالأشجار والنباتات. لكنّ المشروع تطوّر بالعزيمة وصارت لديّ بدل الضيعة ضيعتان".

خيرة: "البستنة ملأت حياتي وعوّضتني ما حُرمت منه" (العربي الجديد)












تقول خيرة إنّ "عملي في هذا المجال بدأ عندما راح زوجي وهو مهندس زراعي يشرح لي طبيعة الأشجار والنباتات وخاصيات كلّ واحدة منها. رحت أزرع النباتات في علب اللبن الزبادي، وتدريجياً صارت الفكرة تتطوّر". وخيرة التي حُرمت من الإنجاب، تقضي يومها في الزراعة موضحة أنّ "البستنة ملأت حياتي وشغلت وقتي وعوّضتني ما حُرمت منه". وتؤكد أنّ "ثمّة قصة تجمعني بكلّ زهرة وكلّ شجرة، فأنا أراقب نموّها وأعتني بها كأنّها جزء منّي أو ابنة لي".

في بن عروس بالضاحية الجنوبية لتونس العاصمة، تنهمك منى بيدَيها الملطختَين بزيت السيارات وبدلتها الزرقاء في تصليح سيارة بورشتها الخاصة، بينما تنبعث رائحة البنزين في الأرجاء. الفوضى والضوضاء المحيطتان بالمرأة الأربعينية لا تزعجانها، فهي تعوّدت على ذلك. تقول منى لـ"العربي الجديد": "كان زوجي المرحوم يعمل في هذه الورشة، وعندما توفي ترك في كفالتي طفلَين، فاضطررت إلى مواصلة عمله لأعيل أسرتي". تجدر الإشارة إلى أنّ منى تابعت دراستها الجامعية وكانت تحلم بمهنة تتناسب ومجال تخصصها، ولم تكن لتصدّق أنّها سوف تعمل في يوم بورشة لتصليح سيارات، "لكنّني تعوّدت على المهنة". وتقرّ أنّ "العمل في هذا المجال دقيق ويتطلب التركيز. وفي البداية، لم يكن الزبائن يقبلون بأن تتولى امرأة تصليح سياراتهم، وقد شكّك بعض منهم بقدرتي على النجاح. كذلك لم أسلم في البداية من نظرة أصحاب الورش المحيطة، لكنّني تمكّنت من كسب ثقة زبائني وفرضت نفسي بفضل إتقاني عملي وعلاقتي الجيدة مع المحيطين بي".




غير بعيد عن ورشة منى، ووسط سوق مخصص لبيع الخضروات والدواجن مكتظ بالرجال، تعمل رفيقة في محلها يعاونها عدد من العمّال. وتحرص على التأكد من كلّ التفاصيل ومنها تنظيف الدجاج وتقطيعه وتقديمه إلى الزبائن. تقول رفيقة لـ"العربي الجديد" إنّها تحوّلت من "عاملة في مصنع للخياطة إلى صاحبة محل لذبح الدجاج وبيعه. كانت البداية من خلال مساعدة زوجي في هذا العمل، لكنّني صرت تدريجياً المسؤولة عن المحلّ. فأنا أشرف على العمّال وأشتري البضاعة وأسهر على العناية بأدقّ التفاصيل". تضيف أنّها تعمل في هذا المجال منذ 18 عاماً وفي هذا السوق تحديداً، لافتة إلى أنّ "ثمّة من كان يستغرب قدرة امرأة على العمل في هذا المجال، لا سيّما زملائي في المهنة وفي السوق. لكنّهم تعوّدوا على وجودي في السوق وتمكّنت أنا من كسب ثقة الزبائن".

رفيقة: "تمكّنت أخيراً من كسب ثقة الزبائن" (العربي الجديد)

ذات صلة

الصورة
سياخة

اقتصاد

بين الرمال، والمياه، وأساليب الطب البديل، باتت المنطقة، وتحديداً الدول العربية وحتى تركيا، من أكثر الدول، وأشهرها التي تتميز بالسياحة الاستشفائية والعلاجية.
الصورة
تويتر

رياضة

أشاد المدير الفني لفريق النجم الساحلي التونسي، لسعد الدريدي، بالثلاثي الجزائري للفريق، حسين بن عيادة وزين الدين بوتمان وطيب المزياني، بعد تألقهم اللافت منذ تعاقدهم مع النادي في الميركاتو الشتوي.

الصورة
ذكرى يوم الأرض في تونس (العربي الجديد)

سياسة

شارك سياسيون تونسيون ومنظمات وفلسطينيون، اليوم الثلاثاء، في إحياء الذكرى 45 ليوم الأرض، الموافق 30 مارس/ آذار، تحت شعار "لا للتطبيع"، في العاصمة التونسية، بمبادرة من "الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع".
الصورة
في "الخرجة".. تونسيون وتونسيات يحتفون بالزي التقليدي- الأناضول

منوعات وميديا

شارك عشرات التّونسيين من رجال ونساء، الأحد، في استعراض للاحتفاء بالزي الوطني التقليدي. وجاب المحتفلون أرجاء مدينة تونس العتيقة، وصولاً إلى شارع الحبيب بورقيبة (وسط العاصمة)، بملابس تقليدية.

المساهمون