تلوّث بحر غزة يصيب مرتاديه بالأمراض

25 يوليو 2019
الصورة
لا أحد يعير العلم الأسود اهتماماً (محمد الحجار)
+ الخط -

لطالما كان بحر قطاع غزة ملوّثاً، لا سيّما مع اشتداد الحصار الإسرائيلي عليه، غير أنّ الأهالي لا يجدون غير الشاطئ فسحة للاستجمام في فصل الصيف.

لا يُعير الغزيون أهمية للعلم الأسود المرفوع على شاطئ بحر الشيخ عجلين، غربي مدينة غزة، والذي تحذّر بلدية غزة بواسطته من السباحة في البحر الملوّث بنسبة تتخطّى 75 في المائة، بحسب ما أعلنت أخيراً، لا سيّما وأنّ الشاطئ لا يبتعد كثيراً عن مكبّ للنفايات. ونرى الأهالي، صغاراً وكباراً، يمرحون هناك، مثلما يفعلون عند شواطئ أخرى في مناطق مختلفة من قطاع غزة، فهؤلاء يعدّون البحر متنفساً وحيداً لهم وسط الحصار المطبق عليهم منذ 13 عاماً.

في بحر غزة، تصبّ مياه الصرف الصحي غير المعالجة على مدار الساعة، يصل حجمها إلى 120 ألف متر مكعّب يومياً، بحسب ما توضح مصلحة بلديات الساحل في قطاع غزة. وهذا ما يجعل المستشفيات تستقبل حالات مرضية كثيرة في هذا السياق، مع تزايد توافد الناس إلى شاطئ البحر. فيما نشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لأطفال تظهر عليهم أعراض مرض جلدي بعد قضائهم وقتاً عند شاطئ بحر غزة، وأثارت الإذاعات المحلية قضيّة تلوّث البحر.



يقول مدير مستشفى محمد الدرة الحكومي للأطفال في غزة، ماجد حماد، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المستشفى يستقبل يومياً أكثر من 250 طفلاً مصابين بحالات مختلفة، من قبيل النزلات المعوية والطفح الجلدي، في حين أنّنا نفتقر إلى إمكانيات كثيرة للتعامل مع الحالات المرضية". يضيف حماد أنّ "البحر هذا العام شديد التلوّث، وأطفال غزة لا يحصلون على غذاء سليم يمنحهم مناعة قوية، إلى جانب عوامل نفسية مختلفة. بالتالي، فإنّ كلّ ذلك يجعل أجسامهم ضعيفة أمام التلوّث الكبير". ويشير حماد إلى أنّ "ثمّة إصابات جلدية وصلتنا استلزمت علاجات مكثفة قبل أن تُشفى".



ياسمين حمد، البالغة من العمر أربعة أعوام، من هؤلاء الأطفال الذين وقعوا ضحية تلوّث بحر غزة. تخبر والدتها آمنة، "العربي الجديد"، أنّها "نُقلت عند الساعة التاسعة مساءً من يوم الجمعة، في الخامس من يوليو/تموز الجاري، إلى مستشفى النصر الحكومي للأطفال في مدينة غزة، بعدما أصيبت بارتفاع كبير في درجات الحرارة، إلى جانب طفح جلدي مفاجئ. وقد بقيت في المستشفى أربعة أيام". تضيف آمنة أنّ "التحاليل أشارت إلى بكتيريا أصابتها، بعد قضائنا يوماً عائلياً على شاطئ بحر غزة، في منطقة السودانية شمالي القطاع". وتتابع: "كنت أظنّ أنّ مياه البحر تتبدّل، بالتالي فإنّه لا يبقى ملوّثاً. هذا ما سمعته، ولم أبالِ بتحذيرات بلدية غزة، لكنّني اليوم أشعر بالندم إزاء ما حدث لابنتي". وتشير آمنة إلى أنّها وجدت عند وصولها إلى المستشفى "أطفالاً كثيرين مصابين بحالات مختلفة نتيجة تلوّث البحر، ومن جهتي اشتريت لابنتي المضاد الحيوي المطلوب من خارج المستشفى لعدم توفره فيه". وتسأل: "إلى أين نأخذ أطفالنا حتى يلهون؟ غزة مثل علبة كبريت... إلى أين نذهب لنهرب من حرّ الصيف؟".



في السياق، يقول الطبيب المتخصص في الأمراض الجلدية في غزة، أدهم أبو ظريف، لـ"العربي الجديد"، إنّ "نحو 70 في المائة من الأمراض الجلدية في غزة تتسبّب فيها المياه الملوّثة"، مضيفاً: "أتعجّب من الناس الذين يقصدون البحر ويسمحون لأطفالهم باللهو في مياهه. هذا أمر صادم جداً، خصوصاً أنّ كثيرين منهم يعرفون أنّ البحر ملوّث". ويشرح أنّ "البكتيريا الموجودة في مياه البحر معدية وهي تؤدّي إلى أمراض جلدية، بعضها يحتاج إلى علاجات مكثفة تستمر ما بين شهر وشهرَين".




على أرض الواقع، البحر بالنسبة إلى أسر غزية كثيرة وجهة ممتازة في فصل الصيف، فهو لا يكلّفها مالاً كثيراً بالمقارنة مع المنتجعات السياحية وبعض المسابح ومجمعات الشاليهات الخاصة. وهو "مناسب جداً" لأهل غزة عموماً، لأنّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها تمنعهم من ارتياد المسابح الخاصة والمنتجعات، في حين أنّ الحرّ الشديد يضطرهم إلى الهرب إلى البحر بحثاً عن قليل من الانتعاش. ويقول بهاء صافي، لـ"العربي الجديد": "بصراحة، نحن لا نملك المال، وبيوتنا ضيّقة وملتصقة بعضها ببعض في مخيّم الشاطئ، لذا فإنّ الحرّ الشديد يخنقنا، بالإضافة إلى عدم توفّر أماكن ليلهو فيها أولادنا. المكان الوحيد المتاح أمامنا هو البحر، وفيه أجد روحي". يضيف صافي: "على الرغم من علمي بأنّه ملوّث، فأنا لا أستطيع الابتعاد عنه، لكنّني أحرص على منع أطفالي من الاقتراب من المياه وأبقيهم على الشاطئ". أمّا أحمد صيام، فيقول لـ"العربي الجديد": "لا أجد مانعاً في التوجّه إلى البحر، فمياهه تتبدّل. لكنّني أبحث غالباً عن نقطة بعيدة عن الازدحام تكون نظيفة لأستمتع مع أبنائي الثلاثة". ويؤكد: "أنا لا أجد في قطاع غزة أيّ مكان أروّح فيه عن نفسي وتستمتع به أسرتي في الصيف إلا البحر".

دلالات

المساهمون