تقرير التعذيب الأميركي

تقرير التعذيب الأميركي

12 ديسمبر 2014
الصورة

أعضاء جمهوريون في الكونغرس يعلّقون على تقرير التعذيب (ديسمبر/2014/Getty)

+ الخط -

أصدرت، الأسبوع الجاري، لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي تقريراً تاريخياً حول التعذيب الذي مارسته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وحتى بداية عهد الرئيس الأميركي، باراك أوباما، عام 2008. أثار التقرير، ولا يزال، ردود فعل قوية، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، وإنما أيضاً خارجها.

منبع الجدل الراهن ليس فقط عمليات وطرق وأدوات التعذيب البشعة التي كانت تستخدمها وكالة الاستخبارات الأميركية تجاه المعتقلين والمشتبه بهم، والتي شملت (الإغراق بالمياه، والحرمان من النوم أياماً، وربما أسابيع، والتقييد العمودي للمعتقلين، والتهديد بالقتل، والتحرش الجنسي، إلخ) في سجون سرية، أو "مواقع سوداء"، كما يسميها التقرير خارج الولايات المتحدة، وإنما بثلاثة أمور أخرى رئيسية: أولها أن التقرير خلص إلى أن "سي. آي. إيه" قد كذبت على الشعب الأميركي وعلى الكونجرس وعلى إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج دبليو بوش، في ما يخص طرق استجواب المعتقلين، ولم تقدم لهم المعلومات الكافية حولها. ومن الجدير بالذكر أن الرئيس بوش كان قد أعطى صلاحيات واسعة للوكالة عام 2002 من أجل تعقب واعتقال كل من له صلة بهجمات سبتمبر، لكن الوكالة توسعت و"توحشت" في استخدام هذه الصلاحيات، حسبما جاء في التقرير.

الأمر الثاني هو مدى كفاءة طرق الاستجواب في تحقيق نتائج مهمة لحماية الأمن القومي الأميركي. فحسب التقرير، لم تكن عمليات الاستجواب والأساليب المرعبة التي تم استخدامها فعالة في الحصول على النتائج المرجوة من المعتقلين أو المشتبه بهم. ما يعني أنها كانت بلا جدوى، وأضرت أكثر مما نفعت، وهو ما رفضته الوكالة، في بيان لها أصدرته، تعقيباً على تقرير الكونجرس، من أجل توضيح موقفها، وحماية سمعتها التي تدهورت أخيراً. وهو، أيضاً، ما رفضه نائب الرئيس الأميركي السابق، ديك تشيني، مهندس "الحرب على الإرهاب" الذي هاجم التقرير، ودافع عن عمل الوكالة. وتحاول الوكالة الدفع بأن المعلومات التي حصلت عليها في عمليات التعذيب ساهمت في نجاح عملية "اصطياد" أسامة بن لادن عام 2011. وهو ما يرفضه التقرير، تماماً، ويؤكد أن ذلك لم يكن له علاقة، على الإطلاق، بعمليات الاستجواب. ويستعرض التقرير أسماء مجموعة من المعتقلين الذين تعاونوا مع الوكالة، وقدموا معلومات مهمة، قبل أن يتعرضوا لعمليات تعذيب بشعة على أيدي الوكالة.

أما الأمر الثالث فهو إمكانية معاقبة المتورطين في عمليات التعذيب، سواء من السياسيين مثل الرئيس بوش ونائبه تشيني اللذين كانا يدعمان الوكالة، أو العملاء السابقين لـ"سي آي إيه"، واتهامهم بارتكاب جرائم حرب. وهو أمر مثير للجدل حالياً، ففي الوقت الذي يدفع فيه بعضهم بأنه لا يمكن مقاضاة هؤلاء أو محاسبتهم، باعتبار أن الولايات المتحدة لم توقع على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما)، وبالتالي، لا يمكن رفع دعاوى ضدها، فإن بعضاً آخر يرى أن الدول التي كانت لديها "سجون سرية"، مثل أفغانستان وتايلاند وليتوانيا ورومانيا، وهي جميعا أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، يمكنها أن ترفع دعاوى تطالب بمحاكمة هؤلاء. وهو أمر يبدو مستبعداً بسبب العلاقات الاستراتيجية بين هذه البلدان وواشنطن.

التقرير الذي تجاوزت عدد صفحاته ستة آلاف صفحة، ولم يُنشر منه سوى 600 صفحة، يمثل نقطة سوداء فى التاريخ الأميركي، ليس فقط كونه يناقض منظومة القيم الأميركية التي تقوم على العدالة والحرية والكرامة، وذلك حسبما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما، ولكن أيضاً كونه قد تستخدمه الأنظمة السلطوية، خصوصاً في المنطقة العربية، من أجل تبرير جرائمها تجاه شعوبها وشبابها الذين ينتفضون من أجل استعادة حقوقهم، تحت غطاء "الحرب على الإرهاب".