تعديل قانوني يجرم العنف ضد المرأة السودانية... لكنه ليس كافياً

25 نوفمبر 2018
الصورة
انتهاكات حقوق المرأة تمارس في السودان (باتريك باز/فرانس برس)
+ الخط -


"يا مُزة"... عبارة وغيرها من العبارات تخدش آذان النساء في الشوارع العربية، والسودان ليس استثناء بينها. تلك الكلمة أوقعت الأسبوع الماضي، شاباً سودانياً من منطقة الأزهري (جنوب الخرطوم) تحت طائلة القانون الجنائي، بعد أن قالها لإحدى السيدات.

وحكمت عليه محكمة جنايات الأزهري بالجلد 20 جلدة، مع تغريمه 500 ألف جنيه سوداني، ما يعادل 10 دولارات، بعد إدانته بتهمة التحرش اللفظي. ولم تُجدِ المبررات التي ساقها الشاب للقاضي نفعاً، حين ذكر أنه كان يتحدث بالهاتف مع فتاة أخرى يعرفها وأسمعها الكلمة، لكن الشاكية أثبتت أن الشاب كان يعنيها بعد أن لاحقها حتى بعد أن استقلت مركبة عامة، فاضطرت مع زوجها لتحريك إجراءات قانونية ضد الشاب.

يقول المحامي والناشط القانوني في مجال الدفاع عن المرأة، الفاتح حسين، لـ"العربي الجديد" إن "الحكم ما كان ليصدر لولا التعديل الأخير في القانون الجنائي، وتحديداً في المادة 152 التي تجرم التحرش الجنسي ضد النساء"، معتبراً أن التعديل تطور قانوني إيجابي في مجال حماية النساء. ولفت إلى أن القاضي طبق صحيح القانون في تعامله مع ظاهرة التحرش الذي يمثل أحد أشكال العنف ضد المرأة.

القصة بما تحمله من إيجابية لجهة معاقبة الجاني، حدثت قبل أيام من إحياء اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة، وتعد واحدة من قصص مماثلة شهدها العام الجاري. ومن القصص التي ألقت الأضواء على أوضاع المرأة في السودان قضية السيدة المقام موسى التي رماها طليقها بماء النارعلى جسدها، فتسلخ جلدها، وفشلت كل محالات إبقائها على قيد الحياة، وماتت في إبريل/نسيان الماضي. قصة موسى تعكس العنف الأسري وهو أحد وجوه العنف ضد المرأة في السودان.

وفي هذا العام أيضاً، نجت نورا حسين، من حبل المشنقة بعد أن ألغت محكمة الاستئناف حكم محكمة إبتدائية حكمت لها بالإعدام، لإدانتها بقتل رجل أجبرت على الزواج منه بعد أن مارس الجنس معها دون رضاها بمساعدة من أقربائه، حسب ما ذكرت في أقوالها، وهو أمر يصنف عند بعضهم بأنه اغتصاب.

ويشير المحامي الفاتح حسين، إلى أن تطوراً إيجابياً آخر طرأ على القانون الجنائي السوداني يتعلق بالمادة الخاصة باغتصاب النساء، لافتاً إلى أن التعديل الجديد ركز على تعريف الجريمة، وجعلها مقاربة للمعايير الدولية.

كما يرى أن البلاد بحاجة لمزيد من التطور القانوني، مقترحاً سن قانون منفصل للعنف ضد النساء، بما يخلق آليات مستقلة للتنفيذ، من شرطة خاصة ونيابة وكذلك محكمة خاصة، تماماً كما حدث لحماية الأطفال في السودان، مشيراً إلى أن الأمر يحتاج لإرادة سياسية حقيقية للتقليل من كل صور العنف.

من جهتها، توضح مديرة مركز "سيما" للمرأة والطفل، ناهد جبر الله، أن اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة يأتي ووضع المرأة السودانية يمضي للأسوأ، في ظل واقع تسوده انتهاكات لحقوق الإنسان، وغياب للديمقراطية، مشيرة إلى أن بعض القوانين السائدة في البلاد تحط من كرامة المرأة وعلى رأسها قانون النظام العام الذي اعتبرته سيفاً مسلطاً بصورة يومية على رقاب النساء، إذ يتدخل القانون في خصوصياتهن، وفي حريتهن.

وتنبه جبر الله إلى أن قانون الأحوال الشخصية الذي لا يزال مطبقاً، يجيز زواج  القاصرات ولا يُجرم ختان الإناث، فضلاً عن العنف الذي تواجهه النساء في مناطق النزاعات والحروب، حيث تواجه كافة اشكال الانتهاكات الجسيمة. وتعتبر أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد تجعل النساء يدفعن الثمن "لأنهن أولى ضحايا العمل الهامشي الذي يواجه بالقمع والإرهاب".

وتؤكد أن الحركة النسائية تحتفل هذا العام بتلك المناسبة وهي أكثر تصميماً على الحصول على واقع منصف للمرأة، وإزالة "التابوهات" الاجتماعية التي تنمط المرأة، وتضعها دوماً كشخص أدنى وأقل مكانة.

لكن أمينة الشؤون الاجتماعية في "اتحاد المرأة السودانية"، زينب أحمد الحسن، ترى أن كثيرا من العنف الذي تواجهه المرأة في السودان لا تتحمل مسؤوليته القوانين السارية في البلاد، ولا الدولة، وإنما هو نتاج لتراكم عادات وتقاليد وثقافات اجتماعية، يضاف إليه جهل المرأة نفسها بحقوقها وواجباتها التي يحددها الدستور والقوانين بصورة واضحة. وتعتبر أن القوانين السودانية كافية تماماُ وتحرم حتى ختان الإناث وتعاقب عليه، استناداً لقاعدة تجريم بتر أي عضو من جسم الإنسان الواردة في القانون السوداني.

وتضيف لـ"العربي الجديد" أن "الإسلام أعطى المرأة كل الحقوق لكننا أضعناها بالتنازل عنها إما بسبب العادة أو الجهل". وتشير الحسن إلى دعمها لوجود قانون للنظام العام يضبط الشارع "فليس هناك حرية مطلقة ومن لا يتلقى التربية في المنزل أو المدرسة يجب أن يلقى التربية بالقانون"، لافتة إلى أن المشكلة ليست في قانون النظام العام الحالي في مقصده ونصوصه، إنما المشكلة الوحيدة في التطبيق، وهذا يحتاج إلى عناصر مدربة تستوعب الواقع.

وتبيّن الحسن، أن "اتحاد المرأة السودانية" يركز جهده على استخدام كافة الوسائل لتوعية النساء بحقوقهن، على أن يكون هناك تدرج في تطبيق القانون، "لأن أي قانون لن يكون ذا جدوى إذا لم يستند إلى قيم اجتماعية قوية ومتماسكة".

ويخالفها المحامي الفاتح حسين، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لوضع القوانين التي  تجرم العنف ضد المرأة، ومن ثم القيام بحملات التوعية.

ليس هناك إحصاءات رسمية أو غير رسمية في القضايا المرتبطة بالعنف ضد المرأة، وهو أمر تراه ناهد جبر الله، واحداً من المشكلات في حد ذاته، مطالبة بفك الحظرعن المعلومات الخاصة بالنساء، ومبينة أن كل المؤشرات الراهنة تؤكد ازدياد العنف بكل أشكاله، مستشهدة بتقديرات تشير إلى أن نسبة ختان الإناث وصلت إلى 65 في المائة، وأن نسبة زواج القاصرات بلغت 37 في المائة.

وتختلف رؤية زينب الحسن، إذ ترى أن هناك مؤشرات إيجابية وتطورا مستمرا للقضاء على العنف ضد المرأة. وتجزم أن المتبقي من صور الانتهاكات يحتاج للتوعية لا سيما ما يتعلق بزواج القاصرات وختان الإناث.

المساهمون