تعتيم حكومي على حجم الأزمة الاقتصادية اللبنانية وحلولها

23 فبراير 2020
الصورة
خلال تحرك ضد السياسات الحكومية في بيروت (حسين بيضون)
تدرس الحكومة اللبنانية بدقةٍ الخيارات المطروحة أمامها للخروج من الأزمة المالية الحادّة، وإيجاد مخرج لاستحقاق سندات اليوروبوند مطلع الشهر المقبل، التي تصل قيمتها إلى 1.2 مليار دولار.

ويقول أكثرُ من مصدرٍ سياسيٍّ ومصرفيٍّ، لـ"العربي الجديد"، إنّ الاجتماعات المالية التي تجريها حكومة الرئيس حسان دياب، ولقاءات فريق صندوق النقد الدولي مع المسؤولين اللبنانيين السياسيين والماليين والقانونيين تحصل بسريّةٍ تامّة وتعتيمٍ شاملٍ يبقي تفاصيل المشاورات بعيدةً عن الأضواء.

كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس، الدكتور نسيب غبريل، يرى، في حديثه مع "العربي الجديد"، أنّ التكتّم أمرٌ جيدٌ، نظراً لدقة المرحلة وضرورة إيجاد حل جذري ومتكامل، لكن الحكومة في الوقت نفسه لم تتخذ أي إجراءٍ أو تدبيرٍ يتخطى حدود الخطابات ويصل إلى التنفيذ.

ويلفت غبريل إلى أننا في وضعٍ ضبابيّ منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول، وسط غيابٍ تامّ لخارطة طريق إنقاذية حتى مع تشكيل حكومة جديدة في 21 يناير/كانون الثاني، "حيث إننا لا نعرف بعد أولوية الحكومة ومضمون برنامجها الإنقاذي الإصلاحي، وهناك كلام عن إعادة جدولة الدين العام وإعادة هيكلته، وهذا الموضوع يجب مقاربته بحذرٍ شديدٍ وبطريقة علمية ودقيقة، لأن أي تعثر في الدفع بشكل غير منظمٍ من شأنه أن يعرّضَ الاقتصاد اللبناني لخسائرٍ فادحةٍ، تطاول القطاع المصرفي والمودعين والدولة.

بدوره، يوضح الخبير الاقتصادي والمالي لويس حبيقة، لـ"العربي الجديد"، الفرق بين الجدولة والهيكلة، ويشرح أنّ إعادة جدولة الدين العام هي بمثابة تغيير تواريخ تسديد السندات، بمعنى إطالة آجال التسديد أو تأديتها على دفعاتٍ، أما إعادة الهيكلة فتعني تغيير قيمة الدين مع إمكان حصول حسوماتٍ، وتخفيض الفوائد.

حبيقة يلخّص المشهد بأن لبنان أمام خيار "السيئ والأسوأ"، ما يدل على العجز المالي الكبير الذي يعيشه البلد، حيث إنّ إعادة الجدولة أقلّ خطورة، فيما الهيكلة أرحم، لأنها قادرة على تخفيض قيمة الدين. أما النقاط الخلافية، برأي حبيقة، فتتمحور حول النظر إلى الحلّ الأقلّ كلفة، "حيث إنّني وإذ أؤيد دعم الحكومة، أختلف معها في طريقة مقاربة الأزمة، إذ يجب أن تكون الجدولة "آخر الدواء"، وبعد إجراء ورشة عمل إنقاذية. لكن للأسف هناك عجزٌ في مواجهة الأزمة".

ويرى الخبير الاقتصادي والأستاذ المشارك في الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، جاد شعبان، في حديثه مع "العربي الجديد"، أنّ التعاطي الجدّي مع الأزمة غائبٌ، والاختلاف بين القوى السياسية يتمحور حول ضرورة الدفع من عدمه، ولا خطة طوارئ مقنعة قادرة على المعالجة، وهذا يعود إلى أداء السلطة التي ترفض الدخول في عمق المواضيع.

ويجد شعبان، أنّ إعادة هيكلة أو جدولة الدين العام من الخيارات السيئة، ولكننا اليوم أمام حلقة مفرَغة، ويوجد انحياز لمصالح المصارف التي تطالب بدفع سندات اليوروبوند، في وقت يعيش فيه اللبناني أصعب الأزمات، مع ارتفاع معدل البطالة وإقفال المؤسسات وارتفاع أسعار السلع.

في هذا المنحى، يشدد نسيب غبريل، على أن السلطات يجب أن ترد على سؤال محوري "أي هوية نريد للاقتصاد اللبناني؟"، لأن لبنان تأسَّسَ على مبدأ الاقتصاد الحر، حيث القطاع الخاص والمبادرة الفردية هما العمود الفقري والمحرك الأساسي للاقتصاد ومصدر فرص العمل واستقطاب الاستثمارات والمشاريع الجديدة.

لكننا في الخمسِ سنوات الأخيرة نلاحظ حصول انفلاش وتضخم لحجم القطاع العام بطريقة غير مسبوقةٍ وارتفاع كلفته على الاقتصاد الذي لم يعد قادراً على تحمّله، خاصةً بسبب التوظيفات العشوائية، مع دخول 31 ألف شخص إلى القطاع العام من عام 2014 إلى سنة 2018 وزيادة سلسلة الرتب والرواتب التي أدت إلى رفع معاشات القطاع العام.

ويشير غبريل إلى أنّه بحسب لجنة الاقتصاد والتجارة في مجلس النواب ووزارة المالية، هناك على الأقل 93 مؤسسة عامة انتفى سبب وجودها، ومع ذلك لم تحصل أي خطوة منذ 3 أعوام لإقفالها أو دمجها.

ويلفت إلى أنّه "يجب إغلاق مزاريب الهدر، مثل التهرب الضريبي الذي يبلغ 40% إلى 50%، وإغلاق المعابر غير الشرعية مثل مكافحة التهرب الجمركي وتفعيل الجباية". ويؤكد، أنّ الحلّ يجب أن يبدأ من القطاع العام، لأنّه سبب الأزمة، والقطاع الخاص مستعدٌ لتحمّل جزء من الكلفة في حال بدأت السلطات بمعالجة أزمة كلفة القطاع العام وحجمه.

ويختم: "إذا عدنا إلى هوية الاقتصاد اللبناني الأصلية المبنية على القطاع الخاص والمبادرة الفردية، عندها يجب أن تطاول الإصلاحات المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال، حتى يصبح القطاع العام داعماً ومكمّلاً للقطاع الخاص والاقتصاد، لا عبئاً عليهما".