تعالوا نكسر الصمت

23 مايو 2016
الصورة
شعرت السلطة بخطره فاستهدفت ناسه (فرانس برس)
+ الخط -

ما زال الفتى يرقد في المستشفى. للفتى اسم وعائلة وأهل وأصدقاء يحبونه وينتظرون عودته. للفتى مستقبل وابتسامات كثيرة سرقت منه على غفلة. للفتى حظ سيئ يشبه حظوظ الكثير من الذين يسيرون على حبل رفيع، يفصل بين الحياة والموت. حبلٌ يختلّ بهم إذا ما أصابتهم رصاصة.

كلما خرج زعيم بخطاب مستفز أو حماسي أو فاز حزب بانتخابات أو أقيمت مناسبة اجتماعية ظنّ صاحبها أن الاحتفال بها يستحق إطلاق النار من مسدس أو رشاش حربي، وقع هذا الرصاص على رؤوس المواطنين، غير الآمنين لا في بيوتهم ولا في أي مكان آخر. وكلما حصل هذا الأمر خسرنا طفلاً أو شاباً أو رب عائلة، أو كدنا نفعل ذلك. وفي كل مرة ستقيّد الحادثة ضد مجهول. مجهول لن نعرف له شكلاً واضحاً ولن تصل إليه الأجهزة الأمنية أبداً كي يُحاسب على ما اقترفته يداه من أذى أفضى إلى إراقة دم أو إزهاق روح وآلام أخرى موازية.

وقد تعوّدنا على المجهولين في هذه البلاد. نرفع الصوت تضامناً مع الضحية ورفضاً للحال الذي وصلنا إليه. نستشيط غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، نكتب مقالاً ثائراً، أو نصوّر تقريراً نبكي فيه المصاب. لكن، وفي اليوم التالي، نضطر إلى إكمال حياتنا العادية كأن شيئاً لم يكن بانتظار مناسبة جديدة وضحية جديدة تُرجعنا إلى هذه اللازمة.

ربما نكون قد صمتنا طويلاً أو أن صوتنا لم يكن مسموعاً، ليس في موضوع الرصاص الذي قتلنا في الحرب ويقتلنا في "السلم"، فحسب، بل في مواضيع كثيرة كانت تستدعي منا رفع الصوت أكثر، لأن الرسائل فيها لم تكن تصل إلى المرتكبين فيرتدعون.

وهو الصمت نفسه الذي تراكم دهراً حتى أغرقنا في جبال نفاياتنا، التي دبّت النخوة فينا من جديد، يوم دفعتنا إلى تنفّس قذاراتنا فقرّرنا أن نعترض على الحال وسرنا في الحراك المدني الذي أنزل الناس إلى الشارع وصار يكبر إلى أن شعرت السلطة بخطره فاستهدفت ناسه، مثلما وقع هو نفسه بأخطاء كان يمكن تلافيها، ما أدّى إلى انحساره وتراجعه. ثم كانت الانتخابات البلدية، التي انطلقت وما زالت مستمرة، فرصةً ثانية لمفاجأة السلطة بالزخم المدني والمطلبي الذي اكتسبته، فكانت محطةً ثانية لإيصال الرسائل إلى من يعنيهم الأمر عبر صناديق الاقتراع هذه المرّة. صحيح أن هذا الصوت بقي محدوداً، من دون قدرة على التغيير المباشر، لكن صدى مغلفات الأصوات الرافضة للحال بدأ يحتسب بعناية من السلطة وأزلامها.

نستحق أن ننزل إلى الشارع مجدداً لنعترض على كل هذا الرصاص الذي لم يعد طائشاً. نستحق أن يسمعوا صوتنا جيداً. حان الوقت لذلك.


المساهمون