ترامب ومعارك السماوات المفتوحة

04 ديسمبر 2019
الصورة
خلافات أميركية أوروبية حول دعم إيرباص (فرانس برس)
+ الخط -

لا يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاقتصاد العالمي أن يهدأ، وبالتالي يعاود نموه أو على الأقل يتفادى أزمة مالية وشيكة، ولا يريد للتجارة العالمية أن تنساب بسهولة ويسر، سواء عبر البحار أو الأجواء المفتوحة إلا إذا كان الانسياب إلى طرف واحد ولصالح الاقتصاد والمواطن الأميركي.

ترامب يريد مصلحة "أميركا أولا"، كما جاء في برنامجه الانتخابي الذي اطلقه في العام 2016، بغضّ النظر عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بالشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

أمس، فتح ترامب جبهة جديدة في حروبه التجارية المتعددة، هذه المرة ضد الاتحاد الأوروبي، حيث هدد بفرض رسوم جمركية جديدة على واردات السلع القادمة لبلاده من الاتحاد.

كما هدّدت الولايات المتحدة أمس بزيادة الرسوم الجمركية بنسبة 100% مرة واحدة على سلع فرنسية بقيمة 24 مليار دولار ردا على فرض باريس ضرائب على عمالقة الإنترنت "غوغل" و"أمازون" و"فيسبوك" و"آبل" تعتبرها واشنطن تمييزية.

هناك أسباب يتحجج بها الرئيس الأميركي في معركته ضد الاتحاد الأوروبي، منها عدم حسم الخلاف المستمر منذ فترة طويلة بين واشنطن وبروكسل حول دعم الشركات المصنعة للطائرات، واتهام ترامب بعض حكومات دول التكتل الموحّد بتقديم دعماً لشركة إيرباص، عملاق الطيران الأوروبي، على حساب منافستها الأميركية، شركة بوينغ، التي تكبدت خسائر فادحة في الآونة الأخيرة، نتيجة عطل في سلسلة من طائراتها أدت إلى حوادث طائرات قاتلة أودت بحياة المئات.

ومن الأسباب كذلك التي دعت ترامب لفتح حرب جديدة مع القارة العجوز، قرار دول أوروبية، منها فرنسا، فرض رسوم ضريبية على شركات التقنية الأميركية الكبرى، مثل ألفابت وآبل وغوغل وأمازون، واعتبار الجانب الأميركي أن الضريبة تتعارض مع المبادئ السائدة للسياسة الضريبية الدولية، بل وتهدد صادرات هذه الشركات لأوروبا والتي تقدر بمليارات الدولارات.

وبسرعة، جاء الرد الأوروبي على تهديدات ترامب الجديدة، عبر تصريحات لوزراء فرنسيين أكدوا استعداد بلادهم والاتحاد الأوروبي للرد على التهديدات بفرض رسوم جمركية على المنتجات الفرنسية.

بل إن وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، قال بحزم أمس إن بلاده سترد بقوة في حال فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية، مع زيادة حدة النزاع التجاري والضريبي، خاصة المتعلقة بضرائب الإنترنت.

وكرر وزير الاقتصاد الفرنسي أغنيس بانييه رانشر الكلام نفسه، حيث أعلن أن بلاده تستطيع اتخاذ تدابير انتقامية ضد الولايات المتحدة في حال فرض رسومها الانتقامية، وأنها لن تتراجع عن خططها الضريبية على الشركات الرقمية.

ترامب ينطلق في تحركاته الجديدة ضد الاتحاد الأوروبي من معركة السماوات المفتوحة، حيث يريد انتزاع مزايا ومكاسب مالية تعيد التوازن لقطاع الطيران الأميركي.

ولذا يصر على أن الدعم غير المشروع لشركة إيرباص ألحق ضررا بالغا بصناعة الطيران الأميركية وعمّالها، وأن مصلحة واشنطن تكمن في القضاء على ذلك الدعم المشوه للسوق الآن وفي المستقبل، وحتى تتمكن الصناعة الأميركية من المنافسة بشكل عادل.

يستند ترامب في معركته ضد الاتحاد الأوروبي إلى قرار منظمة التجارة العالمية، التي كشفت، قبل أيام، عن أن الاتحاد لم يتخذ خطوات مناسبة لإزالة الآثار السلبية لدعمه المتواصل لعملاق الطيران إيرباص، وتأكيد المنظمة، في وقت سابق، أن الدعم الأوروبي لإيرباص غير قانوني، وأن الاتحاد يواصل إلحاق ضرر بصناعة الطائرات الأميركية.

بل وسمحت المنظمة للولايات المتحدة بالرد بفرض رسوم على واردات أوروبية، لتكون قادرة على تعويض خسائر تقدر بـ 7.5 مليارات دولار.

وبعدها، تحركت الولايات المتحدة بالفعل، حيث أعلنت فرض رسوم بنسبة 10% على الطائرات القادمة من أوروبا، بالإضافة إلى رسوم نسبتها 25% على النبيذ والويسكي والجبن والزيتون من عدة دول.

لكن الأوروبيين يعارضون خطوات ترامب ورسومه، مستندين في ذلك إلى حكم منظمة التجارة العالمية الصادر لصالح التكتل الموحد في قضية موازية ضد شركة بوينغ، كما رفضت المنظمة رفع الدعم الأوروبي لإيرباص، ما دفع الإدارة الأميركية إلى التهديد بفرض رسوم جمركية على بضائع أوروبية إضافية.

ومع حالة الشد والجذب تلك بين الطرفين الأميركي والأوروبي، لا أحد يعرف مسارات الفترة المقبلة، ومن الفائز بها، فترامب ربما يريد الدخول في مفاوضات مكثفة وسريعة مع الاتحاد الأوروبي، لإيجاد حل للقضايا العالقة يصب في مصلحة العمال والصناعة والاقتصاد الأميركي.

والأهم من ذلك يريد ترامب أن يحقق أي نصر تجاري على حلفائه وشركائه التجاريين في أوروبا يساعده في تقوية جبهته الداخلية، خاصة أنه يواجه معارك شرسة من قبل خصومه تسعى لخلعه وعزله من منصبه، أو على الأقل تسعى إلى تقليل فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقرر إجراؤها في أقل من عام.

فهل يمنحه الاتحاد الأوروبي قبلة النصر تلك، خاصة مع تعثر المفاوضات بين واشنطن وبكين لحسم أشرس حرب تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وعدم احراز ترامب أي تقدم ملحوظ في هذا الملف الشائك؟

المساهمون