تراجع "داعش" في سورية: معارك برية وإنزالات لتطويقه

تراجع "داعش" في سورية: معارك برية وإنزالات لتطويقه

24 ابريل 2017
الدمار بمدينة الباب بعد تحريرها من "داعش"(كريم كوكالار/الأناضول)
+ الخط -
يتلقى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) ضربات متتابعة في مناطق عدة يسيطر عليها في سورية، ما يفتح الباب واسعاً أمام تراجع يُوصف بـ"الدراماتيكي" للتنظيم، بعد أكثر من ثلاث سنوات من تمدده في الأرض السورية التي كان يفرض سيطرة مطلقة على نحو نصفها. وبات وجود التنظيم في سورية برمتها مهدداً بالتلاشي، ما ينذر ببدء مرحلة جديدة شرقي البلاد، في ظل سعي الوحدات الكردية فرض سيطرة بديلة على تلك المنطقة.

وتراجع "داعش" منذ منتصف العام الماضي أمام ثلاث قوى تحاربه، هي المعارضة السورية المسلحة التي انتزعت منه معاقله في شمال شرق حلب، و"قوات سورية الديمقراطية" التي انتزعت ولا تزال مناطقه في أرياف الرقة، إضافة إلى منبج في ريف حلب الشرقي، وريف الحسكة الجنوبي، فضلاً عن قوات نظام بشار الأسد، التي تقاتل التنظيم في شرق حلب وفي البادية السورية شرق مدينة حمص.

ويوشك تنظيم "داعش" على خسارة مدينة الطبقة أبرز معاقله في ريف الرقة الغربي، والتي تشكّل خط دفاع متقدم عن مدينة الرقة، إذ لا تبعد عنها سوى 50 كيلومتراً. وتكتسب الطبقة أهمية كبرى كونها تحتضن أكبر السدود في سورية، فضلاً عن كونها صلة وصل بين محافظات سورية عدة. وأعلنت "قوات سورية الديمقراطية" منذ أيام عن دخولها حي الإسكندرية في خاصرة مدينة الطبقة الجنوبية الشرقية، كما أعلنت سيطرتها على قرية عايد صغير على تخوم المدينة الغربية، وبذلك أطبقت الحصار عليها في خطوة تسبق محاولة الاقتحام الأخير.

ويعد وجود سد الفرات أكبر السدود في سورية على طرف الطبقة الشمالي سبباً في تأخير اقتحام المدينة، إذ توجد مخاوف من لجوء "داعش" إلى الخيار الأخير الذي يتمثل بتهديد سلامة السد، مع ما يشكّل ذلك من كارثة تطاول شرقي سورية وغربي العراق.

وبدأ "داعش" رحلة تراجع دراماتيكية بعد صعوده في بداية عام 2014، حين فرض سيطرة مطلقة على مساحة كبيرة تكاد تصل إلى نصف مساحة سورية البالغة نحو 185 ألف كيلومتر مربع. ونجحت عملية "درع الفرات"، التي بدأتها المعارضة السورية المسلحة أواخر أغسطس/آب من العام الماضي بدعم مباشر من الجيش التركي، بطرد التنظيم من معاقله في شمال، وشمال شرق حلب، في الوقت التي كانت فيه عملية "غضب الفرات" التي تقوم بها "قوات سورية الديمقراطية" التي تشكّل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، تنتزع بدعم مباشر من "التحالف الدولي"، مناطق يسيطر عليها التنظيم في أرياف الرقة الغربي والشرقي والشمالي. كما استطاعت قوات النظام السوري ومليشيات موالية انتزاع السيطرة على مساحات كبيرة من "داعش" في ريف حلب الشرقي، وفي شرقي مدينة حمص وسط البلاد. 


وكانت عملية "درع الفرات" قد بدأت في 24 أغسطس/آب الماضي، بعد دعم وحدات من القوات الخاصة في الجيش التركي قوات تابعة للمعارضة السورية لطرد تنظيم "الدولة الإسلامية" من معاقله في شمال شرقي حلب. وقد حققت العملية في أيامها الأولى نتائج سريعة، حين طردت التنظيم من مدينة جرابلس، على الحدود السورية التركية، في اليوم الأول للعملية، في تطور عسكري فتح الباب واسعاً أمام قوات المعارضة للتقدم أكثر، والسيطرة على مدن وبلدات مهمة تحت سيطرة التنظيم، أبرزها: الراعي ودابق وأخترين، وعشرات القرى التي تقع بين مدينتي اعزاز وجرابلس.

وهدفت تركيا من دعم العملية إلى إبعاد تنظيم "داعش" عن حدودها الجنوبية، وقطع الطريق أمام تشكّل إقليم ذي صبغة كردية. ولكن "درع الفرات" واجهت معضلة كبرى في مدينة الباب التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب بنحو 40 كيلومتراً، وكانت تعد أبرز معاقل التنظيم في شمال سورية، إذ استعصت المدينة لأشهر عدة بسبب دفاع مستميت من التنظيم، مستفيداً من جغرافية المدينة لتأجيل الحسم، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من المدنيين.

وفي 23 فبراير/شباط الماضي، استكمل "الجيش السوري الحر" والقوات التركية السيطرة على المدينة وقرى في محيطها، إثر اضطرار مقاتلي التنظيم للانسحاب تحت ضربات جوية ومدفعية، ليبدأ التنظيم تراجعاً آخر في شرقي حلب أمام قوات النظام، ومليشيات محلية وطائفية موالية لها. وكانت هذه القوات تقدمت من مطار كويرس شرقي حلب، وسيطرت على العديد من القرى والبلدات في سعيها للوصول إلى بحيرة سد الفرات حيث تتمركز محطات ضخ مياه بالقرب من بلدة الخفسة تزود مدينة حلب بمياه الشرب. كما انتزعت قوات النظام السيطرة على بلدتي دير حافر، وقرية المهدوم شرقي حلب، لكنها توقفت ولم تكمل التقدم باتجاه مدينة مسكنة كبرى مدن ريف حلب الشرقي، والتي لا تزال تحت سيطرة تنظيم "داعش". وفي منتصف العام الماضي، خسر "داعش" أحد أهم معاقله في سورية، أي مدينة منبج في شمال شرقي حلب، بعد شهرين من معارك وُصفت بـ"الضارية" بين مسلحيه وعناصر "سورية الديمقراطية" التي عبرت إلى غرب الفرات من مواقع لها في سد "تشرين". وكانت الوحدات الكردية طردت التنظيم أواخر عام 2015 من مناطق كان يسيطر عليها في مدينة الحسكة (أقصى شمال شرقي سورية)، وريفها المترامي الأطراف. وكان التنظيم على وشك انتزاع السيطرة على الحسكة لولا تدخل طيران "التحالف الدولي"، فتراجع مقاتلو التنظيم إلى مدينة الشدادي التي كانت معقلاً مهماً لهم في ريف الحسكة الجنوبي. لكن مقاتلي "وحدات حماية الشعب" الكردية استطاعوا في فبراير/شباط من العام الماضي السيطرة على هذه المدينة المهمة والغنية بالبترول.

وأطلقت "قوات سورية الديمقراطية" عملية "غضب الفرات" في بداية نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، في مسعى لـ"عزل" الرقة جغرافياً، وفي خطوة تسبق عملية اقتحام هذه المدينة التي يُنظر إليها على أنها "عاصمة" تنظيم "داعش" في سورية منذ سيطرته المفاجئة عليها في بداية عام 2014، إثر معارك غير متكافئة مع المعارضة السورية المسلحة.

واستطاعت "غضب الفرات" عبر ثلاث مراحل تحقيق تقدم كبير في شرقي، وغربي، وشمالي الرقة، حيث تؤكد مصادر في "سورية الديمقراطية" أن الأخيرة استطاعت انتزاع السيطرة على مساحة جغرافية كبيرة، مشيرةً إلى أن المرحلة الأولى والتي كان ريف الرقة الشمالي مسرحها، شهدت مقتل 167 من مقاتلي التنظيم، وتفجير 12 سيارة مفخخة قبل بلوغ هدفها، وتدمير 14 سيارة عسكرية ومدافع وشاحنات ودراجات نارية، فضلاً عن السيطرة على عشرات القرى. وفي العاشر من ديسمبر/كانون الأول 2016، بدأت المرحلة الثانية من "غضب الفرات"، فانتزعت "قوات سورية الديمقراطية" قرى وبلدات، في ريف الرقة الغربي، والشمالي الغربي، وقتلت العشرات من مقاتلي التنظيم. وفي بداية فبراير/شباط الماضي، بدأت المرحلة الثالثة من عملية "غضب الفرات"، وحققت القوات المهاجمة لـ"داعش" في هذه المرحلة تقدماً في ريف الرقة الشرقي، فسيطرت على الطريق الواصل بين الرقة ودير الزور في شمال نهر الفرات. كما سيطرت على قرى وبلدات هامة منها بلدة الكرامة شرق الرقة بنحو 30 كيلومتراً، وكانت من المعاقل البارزة للتنظيم بين الرقة ودير الزور. ولم تقتصر المعارك في المرحلة الثالثة على ريف الرقة الشرقي، بل عاودت "سورية الديمقراطية" الضغط على تنظيم "الدولة الإسلامية" في مدينة الطبقة، حتى باتت على مشارفها من الجهات الأربع، فأصبحت المدينة مهددة بالسقوط بيد "سورية الديمقراطية" خلال أيام في ظل عدم قدرة التنظيم على إرسال تعزيزات عسكرية إلى المدينة المطوقة من كل الاتجاهات.

وفي السياق، لا تزال قوات النظام تقاتل تنظيم "داعش" في محيط مدينة تدمر في قلب البادية السورية، بعد سيطرتها للمرة الثانية على المدينة في بداية مارس/آذار الماضي. وتحاول قوات النظام توسيع دائرة سيطرتها في البادية، في مسعى لفتح طريق بري يصل إلى مدينة دير الزور التي لا يزال مطارها وعدة أحياء منها تحت سيطرتها. كما تخوض المعارضة السورية المسلحة في ريف درعا جنوبي سورية، منذ أشهر معارك ضد ما يُسمّى بـ"جيش خالد بن الوليد" المرتبط بتنظيم "داعش". وبات هذا الجيش الذي أعلن عنه في منتصف العام الماضي ويضم عدة فصائل متشددة، هدفاً لعملية عسكرية مرتقبة، وواسعة النطاق، أكدت مصادر إعلامية مطلعة أن الأردن سينخرط فيها ويدعمها بهدف القضاء على أي وجود لتنظيم "داعش" على حدوده الشمالية.

بموازاة ذلك، استطاعت قوات المعارضة السورية طرد تنظيم "داعش" من العديد من المناطق في القلمون الشرقي، وفي ريف دمشق الشرقي، ومنطقة الحماد السوري في إطار معركة "أسرجنا الجياد" التي بدأت مرحلة ثالثة منها في أواخر مارس/آذار الماضي. وفي السياق، تجري استعدادات في قاعدة التنف شرقي حمص على الحدود السورية العراقية للبدء بعملية عسكرية غايتها انتزاع مدينة البوكمال شرقي مدينة دير الزور بنحو 130 كيلومتراً، في خطوة تسبق عملية أوسع لانتزاع محافظة دير الزور من التنظيم. وقام "التحالف الدولي" في الآونة الأخيرة بعدة عمليات إنزال جوي في شرقي دير الزور تمهيداً للعملية المتوقعة التي تهدف أيضاً إلى فصل سورية عن العراق جغرافياً وقطع خطوط الإمداد لتنظيم "داعش".
وأكدت مصادر إعلامية أن "التحالف الدولي" نفذ يوم السبت، عملية إنزال في حقل "الحمّار" النفطي ببادية البوكمال، انطلاقاً من قاعدة "الأسد" في غربي العراق، أسفرت عن اعتقال ما يُسمّى بـ"والي الفرات". ويقسّم التنظيم مناطق سيطرته إلى ولايات، وتضم "ولاية الفرات" مدينة البوكمال السورية، ومدناً أخرى في غربي العراق.