تحوّلات المقهى

18 سبتمبر 2018
الصورة
كاظم حيدر/ العراق
+ الخط -

من أين جاءت المقاهي؟ من أوقات الفراغ، أم من الكسل؟ ربما من طرقات السفر، فكان الخان مكاناً للاستراحة. قلدته المدن، فأصبح المقهى مكاناً لتبادل الأحاديث واحتساء القهوة والشاي، عامراً بالدخان. ما يدور فيه لا يقل عما يدور في الحياة، بل الحياة نفسها متناثرة على الطاولات.

استقطبت المقاهي الغليان السياسي، ونبضت بحيوية الواقع وفوضاه. ففي دمشق، ارتاد مقهى "الهافانا" القادة الأوائل لحزب البعث ومثقفوه الوطنيون، وشوهد فيه المفكر زكي الأرسوزي والشاعر شوقي بغدادي والروائي هاني الراهب، بينما احتل عبد السلام العجيلي والصافي النجفي ووزراء سابقون مقهى "البرازيل".

في ما بعد أصبح مقهى "الروضة" مأوى الأدباء والصحافيين. بينما مقهى "النوفرة" في دمشق القديمة يحمل عبق التراث بمقاعده وزبائنه الشعبيين، ونجح المثقفون بجعله مكانهم الأثير، وكان المكان المفضل للكثيرين منهم. بينما التزم مقهى متواضع في طلعة جوزة الحدباء، بالديريين حصراً، يجمعهم بدلاً من تشرذمهم، كأنه "الشرداق" بلا شاطئ، انتقل إلى قلب دمشق، يتبادلون سوالفهم باللهجة الديرية الصميمية. للأسف لم يعد له وجود.

جسد المقهى حركة الأفكار، دبّجت فيه الأحزاب بياناتها الثورية، وناقش طلاب التغيير إشكالات التحوّل نحو الاشتراكية، وشُكّلت حكومات، وانعقدت صفقات، وقيل انقلابات، وربما مؤامرات. أحياناً لم تزد النقاشات السياسية عن تناول الأقاويل والشائعات. وشكل ركناً لتجمعات ثقافية، وفّر نوعية من الحياة الثقافية، لا يخلو من الخفة المستحبة، أشبه بالترفيه عن الأدب، ضنّ بها عليهم "اتحاد الكتّاب" المتجهم، فالمناصب هناك تملي على العاملين فيه تصوّر أن الاتحاد هو صانع الأدب، فيمنعون ويسمحون، بينما الأدب يبتكر خارجه.

يمنح المقهى الأدباء حرية الثرثرة، ورواية الطرائف وارتجال الشعر، وتبادل أخبار مهازل الدكتاتورية. فالمقاهي أصلاً للتواصل الإنساني، والكاتب المتهم بالعزلة، يستطيع الكتابة وممارسة عزلته في الضجيج، مستأنساً بمن حوله.

جاء الوقت الذي أجهز فيه الانضباط السياسي على روحية المقهى وعبثه الجميل. فشملها النظام الشمولي، بسلطانه الموبوء بأزلامه من مخبرين ووشاة، وظهرت شلل أدبية سرعان ما تنعقد، وسرعان ما تنفصم، إن لم تتحلل، في مسيرة قد تطول أو تقصر، تنتابها العداوات والانشقاقات.

لا تتورّع عن النمائم ونصب المكائد. تحوّلت إلى اتحاد أدبي مصغر سيطر عليه مجددون زائفون امتهنوا تلفيق الحداثة، وأصبح منبراً وفّر لأدعياء الشعر ومحتكري الرواية السخرية من الأدباء الناشئين، فالمقهى لم يعد فسحة طيبة للاسترخاء والتدخين وشرب القهوة، بات مكاناً يتعيّش على اجترار التوافه والحسد والمؤامرات الصغيرة، والتنصت على الأنفاس.

هذا النظام البوليسي ومعه الشلل، ليسوا أكثر من شامات سوداء في تاريخ مقاهي دمشق العابر للثقافات والأحزاب، والسياسات بأنواعها الرجعية والتقدمية، اليسارية واليمينية. لم تفقده طابعه الإنساني، مازال المتقاعدون والكبار في السن يبثون الروح فيه. أمست ذكرياتهم من جماليات المقاهي العامرة بالنوادر وألعاب الورق ورمي النرد... ومهما كانت الرمية طائشة، فدائماً هناك ما يقال وما يستعاد.

دلالات

المساهمون