تحديات "الحرية والتغيير" تتزايد: من حكومة حمدوك إلى دارفور

تحديات "الحرية والتغيير" تتزايد: من حكومة حمدوك إلى دارفور

03 سبتمبر 2019
الصورة
تتهم المعارضة جهات بمحاولة تحجيم الثورة (أحمد مصطفى/فرانس برس)
+ الخط -

في موازاة استمرار المشاورات لتشكيل أول حكومة سودانية بعد الثورة التي أطاحت بنظام عمر البشير، ووسط مخاضٍ عسير مع رفض رئيسها عبد الله حمدوك بعض الأسماء التي رشحتها "قوى الحرية والتغيير" لقيادة الوزارات، كانت هذه القوى تواجه موقفاً محرجاً هو الأول من نوعه لتحالفها، وذلك حين منع مواطنون غاضبون في مدينة الفاشر، مركز إقليم ولاية شمال دارفور، قيادات فيها من الحديث خلال احتفال جماهيري أقيم يوم السبت الماضي، وتعريضهم للرشق بالحجارة.

ويعاني إقليم دارفور غرب السودان منذ عام 2003 من اضطرابات أمنية، حينما تشكّل عدد من الحركات المسلحة للضغط على النظام السابق لإنهاء التهميش السياسي الذي يعاني منه الإقليم، سواء على مستوى التنمية الاقتصادية، أو ضعف مشاركة أبنائه في السلطة المركزية. وبعد سقوط البشير في إبريل/نيسان الماضي، رفضت "الجبهة الثورية"، وهي تحالف يضم هذه الحركات المسلحة، الاتفاق الموقّع بين المجلس العسكري الانتقالي و"قوى الحرية والتغيير"، والذي بموجبه بدأ تشكيل هياكل السلطة الانتقالية بشقيها السيادي ومجلس الوزراء، مهددة بالمواجهة عبر الحشد الشعبي.

ووقعت حادثة الفاشر حينما كان القيادي البارز في "الحرية والتغيير"، محمد ناجي الأصم، ومعه خالد عمر يوسف، سارة نقد الله، وطه عثمان، يستعدون للحديث خلال ندوة جماهيرية، حول مجريات الأحداث في البلاد وبرامج التحالف الذي قاد الثورة، من أجل تحقيق السلام في إقليم دارفور وغيره من مناطق النزاع في السودان.


إلا أن عشرات الحاضرين في الندوة، منعوا القياديين من الصعود إلى المنصة، وحاولوا الاعتداء عليهم، مرددين هتافات "أين السلام، أين الثورة؟". ولم يكتف المحتجون بمنع قياديي "الحرية والتغيير" من الكلام، بل لاحقوهم عبر رشقهم بالحجارة حتى بعد صعودهم إلى سياراتهم، ما أدى إلى تهشيم زجاج عدد منها، وأثار جدلاً واسعاً في الساحة السياسية السودانية حول دلالاته وأبعاده.

وفي بيانٍ لها، أعربت لجنة العمل الميداني في مدينة الفاشر، الموالية لتحالف "الحرية والتغيير"، عن أسفها لوقوع هذه الأحداث، التي أكدت أنها لا تعبّر عن سكان المدينة، إنما تنمّ عن سلوكٍ فردي. كما قال القيادي في "الحرية والتغيير" في المدينة، أحمد حسين، في تصريح صحافي، إن أفراداً موالين لـ"الجبهة الثورية" قاموا بترديد الهتافات، مشيراً إلى وقوع عدد من الإصابات نتيجة التدافع الذي حدث أثناء الندوة، داعياً قيادات "الجبهة" إلى توجيه أعضائها للتعبير السلمي عن مطالبهم بعيداً عن العنف والتخريب.

وتعقيباً على هذه الأحداث، رأى الناشط في قضايا دارفور، أحمد حمدان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنه أمر متوقع في ظل الخلاف بين "الحرية والتغيير" و"الجبهة الثورية"، خصوصاً أن الأولى لم تستجب لمطالب أهالي دارفور التي تختلف تماماً عن تلك التي توافقت هي عليها مع "العسكري الانتقالي". واعتبر حمدان أن أحداث الفاشر تثبت التأثير القوي لـ"الجبهة الثورية" باعتبارها الممثل بحكم الواقع لأهالي دارفور، لافتاً إلى أن مكوّنات "الجبهة" التي حملت السلاح لم تحمله فقط ضد نظام البشير، إنما ضد كل الأفكار المركزية والبرامج التي تحملها الكثير من أحزاب تحالف "الحرية والتغيير"، التي ورثت حالياً النظام السابق، بحسب رأيه. ولفت إلى أنه "كان لزاماً على الجبهة، بما أن قوى الحرية والتغيير رفضت خلال الفترة السابقة الاستماع إلى الحركات المسلحة التي تمثل الإقليم، أن تُسمعها صوتها من خلال جرس إنذار قوي، حتى تعود إلى رشدها".

من جهته، وفي موقف معاكس لرأي حمدان، اعتبر القيادي في "رابطة صحافيي دارفور"، علاء بابكر، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ما حدث في الفاشر "ما هو إلا محاولة من الدولة العميقة وقوى الثورة المضادة، وبمساندة من دعاة الهامش، لإخراج رجالهم بهدف إثارة السخرية من الثورة ومنجزاتها، عبر استخدام آليات النظام البائد في إدارة الصراع السياسي في البلاد".

واعتبر بابكر أن "الثورة السودانية الشعبية انتصرت بسبب سلميتها، وهي استخدمت وسائل مدنية وحضارية وحمت السودان من الانزلاق في أي مستنقع عنف، بما في ذلك الحروب الأهلية أو القبلية"، مؤكداً أنها ستنتصر أيضاً على ما وصفه بـ"همجية دعاة التسوية باسم الهامش"، مشدداً على أن ما جرى لا يعبّر عن أهالي دارفور، وهو أمر مدبّر "تم فيه اختطاف اسم هؤلاء" لتعزيز الموقف التفاوضي لـ"الجبهة الثورية" التي تملك مواقف مسبقة من "الحرية والتغيير". وأشار القيادي في "رابطة صحافيي دارفور"، إلى أن الذين اعتدوا على قيادات "الحرية والتغيير" لم يعتدوا "على السفاح عمر البشير الذي اعترف بقتل 10 آلاف من أهل دارفور أثناء زيارته للمنطقة، ولم يهتفوا في وجهه حينما كانت تُنظَّم له اللقاءات الجماهيرية، كما هتفوا أمام قيادات الحرية والتغيير".

من جهته، قال القيادي في "الحرية والتغيير"، كمال بولاد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "استمرار الثورة حتى إنجاز تحوّل ديمقراطي وتحقيق السلام، سيواجه حتماً جملة تحديات، من بينها تحديات الدولة الموازية التي أنشأها حزب البشير وسيطرت على الحكم لـ30 عاماً"، مرجحاً تورط تلك الدولة في أحداث الفاشر، ولافتاً في الوقت ذاته إلى أن ذلك لن يثني "الحرية والتغيير" عن المضي قدماً في تحقيق أهدافها. واعتبر أن "المناخ الديمقراطي الذي وفّرته ثورة ديسمبر، يتسع لكل الآراء والمواقف المتباينة والمختلفة، لكنه يرفض بقوة التعدي على حرية الآخرين واستخدام السلاح في مواجهة الثوار وأهداف الثورة وبرامجها"، مضيفاً أنه "بالمزيد من الحريات، نستطيع أن نعبر إلى المرحلة المقبلة التي تؤسس لتداول سلمي للسلطة".



في موازاة ذلك، لا تزال المساعي لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عبد الله حمدوك، تمر بمخاض عسير، خصوصاً بعد رفض الأخير عدداً من الأسماء التي رشحتها "قوى الحرية والتغيير". وبحسب مصادر "العربي الجديد"، فإن حمدوك دفع من جهته بقائمة فيها خمسة مرشحين اختارهم هو، وطلب من تحالف "الحرية والتغيير" المصادقة عليهم. وشملت قائمة حمدوك أسماء سيدات لضمان التمثيل العادل للنساء، كما شملت أسماء مرشحين من منطقة النيل الأزرق التي يعتقد أنها لم تمثل في ترشيحات "الحرية والتغيير". وبحسب مصادر "العربي الجديد"، فإن حمدوك وافق على 13 اسماً حتى الآن اختارهم تحالف "الحرية والتغيير" لشغل حقائب وزارية، لكنه تحفّظ على أسماء مرشحة لبقية الحقائب، من بينها ثلاثة أسماء مرشحة لمنصب وزير الخارجية. وكشفت المصادر أن حمدوك رشح السفيرة السابقة في وزارة الخارجية، أسماء محمد عبد الله، لشغل هذا المنصب. وفي حال تعيين عبد الله، ستكون المرة الأولى التي تتولى فيها امرأة سودانية منصب وزيرة لخارجية بلادها. وتعد عبد الله من أوائل السودانيات اللواتي عملن في السلك الدبلوماسي.

 

المساهمون