تحالف 30 يونيو في مصر..صراع الأجهزة الأمنية يدمّر السياسة

15 مارس 2016
الصورة
أحمد الزند لحظة اختياره وزيرا للعدل(Getty)
+ الخط -

من أجل إعادة نفوذها وسيطرتها على الأوضاع في مصر، استغلت الأجهزة الأمنية، الغضب الشعبي من أداء الرئيس المعزول محمد مرسي، وخروج الملايين للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، من أجل تأسيس ما عُرف بتحالف 30 يونيو، للترويج بأن ما يحدث في مصر، ثورة خالصة وأن تدخل الجيش، عمل وطني يُشبه ما حدث في 25 يناير/كانون الثاني.

ضم تحالف 30 يونيو، أغلب التيارات السياسية والدينية والمجتمعية، في مصر، بدءا من شيخ الأزهر وبابا الكنيسة وحزب النور كوجه سلفي إسلامي في المشهد، وأحزاب الدستور والديمقراطي الاجتماعي وغالبية الأحزاب الناصرية والليبرالية واليسارية، والذين حضر بعضهم اجتماع 3 يوليو/تموز الذي سبق الإعلان عن عزل الدكتور محمد مرسي وتعيين رئيس المحكمة الدستورية، ومن بين هؤلاء الحضور كان محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية فيما بعد.

اقرأ أيضا: السيفان المتماثلان.. خلاف الإخوان وليس اختلافهم

دور البرادعي

كان وجود الدكتور محمد البرادعي في مشهد ما بعد 30 يونيو/حزيران ضرورياً، لأهميته وحيثيته كرئيس سابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأحد الحاصلين على جائزة نوبل، وهو ما جعل علاقاته الدولية مترامية الأطراف إحدى ضروريات تنفيذ الخطة، فتم تعيينه في منصب نائب رئيس الجمهورية، وبالفعل استغل البرادعي كل علاقاته ونفوذه الدولي أفضل استغلال في تسويق ما حدث دولياً، عن طريق مقابلات واتصالات أجراها مع المبعوثين الدوليين، مثل وزير الخارجية الألماني وممثلة الاتحاد الأوروبي ونائب وزير الخارجية الأمريكي، وممثل الاتحاد الأوروبي، وكذلك كان دوره شديد الأهمية داخل مصر، لثقة قطاع كبير من الشباب والقوى الديمقراطية في رؤيته وسعيه لتحقيق الديمقراطية في مصر.

ووفقا لشهادة أحد المقربين من الدكتور البرادعي عن تلك الفترة "فإن أزمته الحقيقية فيما بعد 30 يونيو/حزيران كانت في الكذب والخداع الذي مارسه طرفا الصراع عليه، فكلاهما وعد بتجنب الانزلاق في دوامة العنف، وكلاهما كذب"، على حد قوله.

التخلص من البرادعي

خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ممثلة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون، قال البرادعي إنه "لا يقبل استخدام العنف بعيداً عن القانون"، في إشارة إلى فض اعتصامي رابعة والنهضة، وهو ما أكد عليه في حواره مع الإعلامي شريف عامر، والذي نقل خلاله وعد السيسي بعدم استخدام القوة المفرطة ولا الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو ما تم مخالفته أيضا، بجانب تعمد البعض إفشال خطة كان قد أبرمها البرادعي مع الدكتور محمد علي بشر، لفض الاعتصام سلميا، وهو ما أدى إلى خروج البرادعي نهائياً من الصورة، بل وترك مصر بالكامل.

اقرأ أيضا: بطولات السيسي الوهمية.. صناعة المجد الزائف

باقي التحالف: إما مع السيسي أو في السجن

بعد رحيل البرادعي، دخلت مصر في دوامة العنف والعنف المضاد، لتتضح صورة أن ما تم لم يكن سوى انقلاب عسكري بغطاء شعبي وترويج من بعض الرموز الديمقراطية التي ليس لها أية قوة بجانب القوة العسكرية والاستخباراتية، لتنقسم كل القوى التي اشتركت في 30 يونيو/حزيران إلى قسمين اثنين، أولهما تكون من المرحبين والمهللين للنظام العسكري الشمولي بقيادة السيسي، وجاء في مقدمتهم شيخ الأزهر وبابا الكنيسة، وأحزاب ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني وغالبية ما تم تكوينه بعدها من أحزاب إلا قلة.

أما القسم الثاني والذي تكون ممن عبّروا عن رفض الانقلاب، فتم التنكيل بهم أو على الأقل نفيهم خارج الصورة نهائياً، إذ تم القبض على أغلب رموز ثورة يناير من قادة الحركات أمثال أحمد ماهر مؤسس حركة 6 أبريل، وغيره من النشطاء أمثال أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح، ليتم حظر العمل السياسي وغلق المجال العام بالكامل إلا لمن حمل المباخر وقام بالتفويض المفتوح لكل أشكال القمع والاستبداد، حتى لم يبق على الساحة السياسية سوى الأجهزة الأمنية ومن تحركهم أو تتحالف معهم.

اقرأ أيضا: مصر: قضاة يكرهون الانتخابات ويحكمون لجنتها العليا

صراع الأجهزة

بعد أن أصبح المجال العام مباحاً للأجهزة الأمنية، ونجحت في إيصال أحد رجالها إلى سدة الحكم، تفرغت لطحن بعضها بعضا، لتقسيم الغنائم وتخليص الحسابات القديمة والجديدة، فعقب أحداث 30 يونيو/حزيران، استغلت المخابرات الحربية الفرصة للانقضاض على المخابرات العامة، وتفريغها من أغلب القيادات، وهو ما رصده الباحث إسماعيل الاسكندراني في مقاله "لماذا يقلق السيسي من المخابرات العامة؟"، والذي خلص إلى أن المخابرات الحربية استغلت وصول رجلها السيسي، إلى سدة القوات المسلحة، واستفراده بالشأن الأمني عقب عزل مرسي، لتفرض وجهة نظرها في الملفات العالقة بينها وبين المخابرات العامة فيما يخص الوضع في سيناء والتعامل مع غزة، وفلسفة التعامل مع القوى الإقليمية والدولية، فضلاً عن الانقضاض على نفوذها السياسي والاقتصادي الداخلي.

ونجحت الضربات المتتالية للمخابرات الحربية عبر إخراج أغلب قياداتها ووكلائها من الخدمة في إضعاف نفوذها وقدراتها، وهو ما وضح جلياً مؤخراً في رفع الغطاء عن الذراع الإعلامي القوي سابقاً، توفيق عكاشة، أحد المقربين من اللواء عمر سليمان، والذي كان له من النفوذ، ما جعل اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية وعضو المجلس العسكري، يتصل به ليعتذر له عن منعه من دخول لجنة الانتخابات الرئاسية برفقة اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق ونائب رئيس الجمهورية، أثناء تقديمه أوراق الترشح للانتخابات الرئاسية، فضلاً عن كم من المعلومات والأسرار التي أذاعها على مدار أعوام ما بعد الثورة والتي قال صراحة في لقائه مع المذيع يوسف الحسيني أنها كانت تأتيه من الأجهزة الأمنية، فتم التنكيل به وإسقاط عضويته من البرلمان وإغلاق قناته التلفزيونية التي لطالما استغلتها الأجهزة في حرب الثورة والتحريض على رموزها.

بعد أن سيطرت المخابرات الحربية على المخابرات العامة، تفرغت للشريك الثالث، وهو جهاز الأمن الوطني، الذي ظل لعقود طويلة، الأكثر نفوذاً بين الأجهزة الأمنية في الحياة العامة والمجال العام، ولا سيما الحياة السياسية، فانقضت على نفوذه، وفق ما خلص إليه تحقيق أجراه الصحافي حسام بهجت بعنوان "هكذا انتخب السيسي برلمانه"، فقامت بتكوين حزب "مستقبل وطن" ليكون ذراعها السياسي والذي استطاع أن يحصد أكثر من 50 مقعداً في البرلمان، ، فضلاً عن قائمة "في حب مصر" الانتخابية التي أشرفت على تكوينها بمعرفة أحد ضباطها، والتي حصدت جميع مقاعد الجمهورية على مستوى القوائم، وتكتل "ائتلاف دعم مصر" البرلماني والذي استطاع أن يحصد العديد من اللجان داخل البرلمان بجانب مقعد الرئيس، كل هذا على حساب نفوذ الأمن الوطني الذي خفت صوته وضعفت قدراته أمام النفوذ العسكري، لتتحول الساحة السياسية والإعلامية المصرية إلى ملعب بين أجهزة الأمن ورجالها، فتجد أحد رجال جهاز أمني ما، يُرفع من شأنه فجأة، ثم تجده بعد ذلك وقد تم الخسف به، كما حدث مع توفيق عكاشة ومن بعده أحمد الزند الذي علا شأنه حتى وصل إلى منصب وزارة العدل، وسط تصريحات صادمة مثل قوله "احنا الأسياد وما دوننا عبيد"، وفجأة تمت الإطاحة به لتصريح آخر، اعتبره مصريون إساءة لمقام النبوة، كما ظهرت مؤخرا بعض المؤشرات للتخلص من مرتضى منصور، ابن النظام وأحد أركان أحداث 30 يونيو، التي أثمرت ما حدث في 3 يوليو.

-------
اقرأ أيضا:
مصر: 20 مليون جنيه نفقات "العدالة الانتقالية" والمحصلة صفر