الصورة
الزعيمان الهندي ناريندرا مودي والياباني شينزو آبي يوقعان مذكرة تفاهم وتعاون اقتصادي
13 اغسطس 2020

ربما سيشكل فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في حال حدوثه، نقطة البداية لبناء تحالف فعلي لـ"احتواء التنين الصيني" الذي يهدد مستقبل النظم "الليبرالية الرأسمالية" في العالم بحسب أطراف غربية، إذ إن سياسات الحظر التجاري المضطربة تجاه حلفاء أميركا التي ينفذها الرئيس دونالد ترامب تربك التحالفات الرأسمالية الضرورية لنشوء "النظام العالمي" الجديد المخطط له لعزل الصين. 

ويرى خبراء في الاستراتيجيات العالمية أن "احتواء الصين" أو عزلها في عالم ما بعد كورونا لن يتم بدون بناء تحالف اقتصادي تجاري وأمني قوي بين الديمقراطيات الكبرى في آسيا، التي يشكلها أكبر اقتصادين بعد الصين، وهما الاقتصادان الياباني والهندي. وربما سيشكل النزاع العسكري الحدودي بين الهند والصين الذي تجدد في يونيو/ حزيران الماضي نقطة البداية للانطلاق الفعلي في بناء هذا التحالف الذي ستضاف إليه اقتصاديات دول النمو الصغيرة التي تخضع للحماية الأميركية المباشرة، كما ستنضم له كذلك أستراليا؛ الدولة التي توجد على أراضيها أكبر القواعد العسكرية الأميركية في منطقة المحيط الباسيفيكي. 
في هذا الشأن يقول الخبير الياباني ورئيس المعهد الياباني للعولمة في طوكيو، تاكاد هارادا، "لقد حان الوقت لتأسيس تحالف مقدس بين اليابان والهند كقوى خيرة في العالم.

ويرى هارادا، في تحليل على موقع المعهد أن التحالف بين طوكيو ونيودلهي أصبح ضرورة، مع تحول المركز الاقتصادي العالمي إلى آسيا. ويقدر البنك الدولي حجم الاقتصاد الياباني بنحو 5.081 تريليونات دولار، بينما يقدر حجم الاقتصاد الهندي بنحو 3.202 تريليونات دولار. 

ويفوق مجموع الحجم الاقتصادي للدولتين 8 تريليونات، ليقترب من حجم الاقتصاد الصيني المقدر بنحو 11.5 تريليون دولار. ولكن ما يدفع البلدين نحو التحالف حاجة كل منهما إلى الآخر، إذ إن الاقتصاد الياباني يعتمد في نموه على قوة الصادرات، وبالتالي يحتاج إلى سوق كبير تتنامى فيه القوة الشرائية كبديل للسوق الصيني، ولن تجد الشركات اليابانية ذلك البديل إلا في الهند المكتظة بالسكان. 
ويقدر عدد سكان الهند في العام الجاري بنحو 1.381 مليار نسمة، وهو ما يعني أن الهند، عبر التعليم وزيادة التوظيف وارتفاع متوسط الدخل، يمكن أن تتحول إلى سوق استهلاكية كبرى تنافس السوق الصيني، وتبعاً لذلك تجذب الشركات اليابانية والأميركية والأوروبية الباحثة عن مخرج من قبضة الصين. 
ويشير مسح أجراه بنك اليابان للتعاون الدولي إلى أن الشركات اليابانية التي لديها مصانع في الخارج تفضل الهند كوجهة بديلة للصين على المدى الطويل، "10 سنوات". ويلاحظ أن جائحة كورونا أربكت الصناعة اليابانية التي تعتمد في مكوناتها على السوق الصيني الذي يوفر كلفاً رخيصة للإنتاج وسوقاً ضخمة للاستهلاك. وقد رصدت الحكومة اليابانية لخطة تخارج شركاتها من الصين خلال الشهور الماضية تمويلاً يقدر بـ 2.2 مليار دولار مع حوافز أخرى. 

ومنذ سنوات يجرى تفعيل العلاقات التجارية والاستثمارية بين اليابان والهند. وعلى الرغم من أن حجم التجارة بين الهند والصين ليس كبيراً ولا تدخل الهند بين كبار المستوردين للبضائع اليابانية، إلا أن اليابان بدأت خلال الأعوام الأخيرة في الاستثمار بقوة في السوق الهندي، إذ إنها دخلت في مشروع شراكة مع الشركات الهندية لتنفيذ مشاريع الممر الصناعي بين دلهي وممباي التي تراوح كلفتها بين 90 ومائة مليار دولار، كما مولت في السابق مجموعة من المشروعات الهندية عبر قرض قدمته للحكومة الهندية بالين بقيمة 75 مليار دولار. وتعكف الشركات اليابانية على تحديث خطوط السكك الحديدية بين المدن الكبرى في الهند. 
وفكرة التحالف بين الهند واليابان ليست جديدة، فقد بدأت منذ عام 2008، في أعقاب أزمة المال التي خرجت منها الصين سليمة، بينما ضربت الأزمة الاقتصادات الرأسمالية في أوروبا وأميركا وآسيا، إذ طرحت اليابان استراتيجية "قوس الحرية والرفاه" لتعزيز النفوذ "الليبرالي الرأسمالي" في آسيا ومحاصرة الحكم الأوتوقراطي الذي يقوده الحزب الشيوعي الصيني. 
لكن هذه الفكرة وأدت وقتها بسبب رشوة الحكومة الصينية للاقتصادات الآسيوية التي خرجت مرهقة من أزمة المال، إذ إن بكين منحت هذه الحكومات القروض وشرعت شركاتها في بناء مشاريع البنية التحتية عبر ما أطلقت عليه مبادرة "الحزام والطريق". ولاحظ خبراء أن كلاً من الهند واليابان لديهما مشاكل حدودية مع الصين، إذ بينما تتنازع بكين مع اليابان على جزر سينكاكو تتنازع مع الهند حول أراضٍ حدودية في جبال التبت. 
في هذا الشأن يقول محلل المخاطر السياسية بمجموعة "يورو آشيا"، أخيل بيري، "من المحتمل أن يساهم النزاع الحدودي بين الهند والصين في تعزيز التحالف الرباعي بين الهند واليابان وأميركا وأستراليا"، وهو تحالف أمني دفاعي اقتصادي وتجاري يجرى التفاهم عليه منذ سنوات ويطلق عليه اسم "كواد".

من جانبه قال الزميل بمعهد العلاقات الخارجية، راجيف بهاتيا، "أعتقد أن الهند ستبدأ صفحة جديدة في علاقاتها الدولية تركز فيها على النمو الاقتصادي وتعزيز قوتها العسكرية".

وربما سيشكل بناء "تحالف مقدس" بين الهند واليابان بداية النهاية لمنظومة بريكس التي بنتها كل من بكين وموسكو للقضاء على الهيمنة الأميركية وتشكيل "نظام عالمي"، إذ إن الهند من أهم الدول المكونة لهذا التحالف وخروجها منه سيعني نهايته.