تجديد رخصة "الاتصالات الفلسطينية"... عام على العقد السري

18 أكتوبر 2017
الصورة
تساؤلات قانونية بلا إجابة بعد تجديد رخصة الاتصالات الفلسطينية(Getty)
يبدي وزير الاتصالات الفلسطيني السابق مشهور أبو دقة استغرابه من الامتناع عن نشر بنود عقد رخصتي شركتي الاتصالات الفلسطينية وجوّال بعد نحو عام على تجديدهما، إذ تصرّ وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على عدم نشر الرخصتين، والتي اطلع أبو دقة على مسوداتهما بالفعل "الأمر الذي يثير القلاقل أكثر من نشرهما"، غير أن المدير العام للإدارة العامة للاتصالات في الوزارة فلوريد الزربا يبرّر ذلك الامتناع عن النشر بأن الاتفاقية: "مثل أي رخصة أخرى لا يوجد فيها شيء سري لكنها أمور تنظيمية ليس هناك ضرورة لنشرها".

لم يقنع تبرير الزربا المهندس ماهر العلمي المدير التنفيذي لشركة "كوول نت"، والتي تعمل في مجال تقديم خدمات الإنترنت، إذ إن عدم نشر بنود العقد الجديد، أو على الأقل إطلاع العاملين في قطاع الاتصالات عليها، ومن بينهم شركات الإنترنت التي تستخدم البنية التحتية لشركة الاتصالات، يعد انتقاصاً من حقوقهم وتهميشاً لهم، حسب رأي العلمي، كون بنود العقد قد تمس عملهم بشكل مباشر، ما قد يمنع أي مستثمر جديد محلي أو أجنبي من دخول هذا القطاع "المحتكر والمغلق" حسب وصفه.


تساؤلات قانونية

جددت الحكومة الفلسطينية نهاية العام الماضي رخصتي شركتي جوال والاتصالات الكبريين في مجال قطاع الاتصالات في الأراضي الفلسطينية والمنضويتين تحت مجموعة الاتصالات الفلسطينية المساهمة العامة، لمدة عشرين عاماً إضافية، مقابل 290 مليون دولار، تدفع منها شركة جوّال 260 مليون دولار قيمة تجديد رخصة تشغيل الهاتف المحمول، في حين تدفع  شركة الاتصالات 30 مليون دولار قيمة تجديد رخصة تشغيل الهاتف الثابت.

عقب تجديد وزارة الاتصالات الرخصتين في ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، أكدت الوزارة أن اتفاقيتي تجديد الرخص جرتا من خلالها، بوجود لجان من وزارة المالية ومكتب الرئيس وشركة استشارية عالمية، ثم تم رفع الاتفاقيتين لنقاشهما في مجلس الوزراء الذي أقرهما ورفعهما بدوره إلى الرئيس للمصادقة عليهما، لكن قانونيين يؤكدون مخالفة الإجراءات السابقة للقانون الأساسي الفلسطيني، وبالتحديد المادة رقم 94 التي نصت على ضرورة أن "يحدد القانون القواعد والإجراءات الخاصة بمنح الامتيازات أو الالتزامات المتعلقة باستغلال موارد الثروة الطبيعية والمرافق العامة.."؛ ومن بينهم الخبير القانوني عصام عابدين، والذي يرى أن عقداً بهذا الحجم، يمس خدمة استراتيجية، يجب أن يُنظم بقانون يصدر عن جهة تشريعية توضح الشروط التي مُنح الامتياز على أساسها ومدته والمبلغ والمترتب عليه.

وفي غياب المجلس التشريعي ووجود ضرورة ماسة كان يفترض أن يصدر الأمر كقرار بقانون من قبل الرئيس لتنظيم مسألة منح الامتياز ويتم نشره في الجريدة الرسمية، حسب عابدين. 
يطابق رأي عابدين ما أكدته إفادة قانونية قدمتها الدائرة القانونية للجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي عام 2003، إذ اعتبرت الدائرة أن الاتفاقية (الأولى) الموقعة ما بين شركة الاتصالات ووزارة الاتصالات تحتاج إلى إصدار قانون يشرعنها، على اعتبار أن هذه الاتفاقية هي شكل من أشكال الامتياز الذي أكدت المادة 94 من القانون الأساسي على أن تنظم بقانون.

لذا يرى عابدين أن التغاضي عن الجانب القانوني وعدم تنظيم الاتفاق بقانون وإحاطته بهالة من السرية يتعارض مع القانون الأساسي ومع مبادئ النزاهة والشفافية في هذا النوع من العقود.

لكن المستشار القانوني للرئيس الفلسطيني حسن العوري، يدافع عن تجديد الرخصة، قائلاً لـ"العربي الجديد"، إنه جرى بإطار قانوني، وفق بنود قانون رقم (3) لسنة 1996 بشأن الاتصالات السلكية واللاسلكية، والذي يعطي مجلس الوزراء صلاحيات تجديد رخص الاتصالات، وهو قانون نافذ، معتبراً أنه لا حاجة لإصدار قانون خاص بالاتفاق.

ويوافقه الرأي المستشار القانوني لوزارة الاتصالات رياض حمارشة الذي أكد أن التجديد استند إلى هذا القانون، بالإضافة إلى القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء.


لماذا يحظى التجديد باهتمام واسع؟

تتفق الجهات الرسمية والخبراء، بناء على المقابلات التي أجرتها معدة التحقيق، على أن الرخصة الأولى لشركة الاتصالات عام 1996 كانت مجحفة بحق الحكومة تنظيمياً ومالياً، إذ مُنحت الشركة الامتياز لتشغيل قطاع الاتصالات بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي أراد للقطاع أن يعمل برأس مال وطني. وتم توقيع رخصة انطوت على كثير من العيوب، وبقيت هذه الرخصة غصة في حلق المهتمين والعاملين بقطاع الاتصالات لعشرين عاماً.

ويمكن تحديد المشاكل التي انطوى عليها العقد الأول في أن "عملية إبرامه لم تصدر عن مجلس الوزراء ولم تُعرض الشروط على المجلس التشريعي، ولم يفتح الباب لاستدراج عطاءات محلية ودولية، وكان رأس مال الشركة أقل من قيمة الأصول التي أحيلت إليها، كما أن الشركة لم تدفع رسوماً مقابل حصولها على الامتياز، إذ اقتصر الأمر على دفع الشركة ما قيمته 7% من إيراداتها للحكومة، وتم تحويل الأصول التي كانت قائمة وتعمل ضمن وزارة الاتصالات إلى الشركة مقابل تعويض قدره 30 مليون دولار فقط، كما أن الاتفاقية لم توضح آلية رقابة الوزارة على الأسعار"، بحسب ما وثقه الدكتور نضال صبري أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت في كتابه "القطاع العام ضمن الاقتصاد الفلسطيني" الصادر في عام 2003.




هل تلافى التجديد أخطاء العقد الأول؟

لدى تجديد الرخصة، شكلت لجان فنية ومالية وقانونية بناء على قرار من الرئيس للتفاوض مع شركة الاتصالات الفلسطينية للوصول إلى أفضل اتفاقية لتجنب أخطاء الاتفاقية الأولى، كما يقول مستشار الرئيس القانوني العوري، قبل أن يكمل مستطرداً "لم نلمس رغبة من أي أطراف جديدة لدخول السوق، نظراً للأوضاع السياسية المتقلبة وتحكم إسرائيل بطيف الترددات في الاتصال الخلوي، وفضّلنا تركيز الجهود للخروج بأفضل شروط ومبلغ رخصة من الشركة الحالية".

لكن مراقبين يرون أن عدم فتح الباب لاستدراج عطاءات محلية ودولية بشكل رسمي وضمن المعايير المهنية يشكل تكراراً لأخطاء الأمس. إذ يرى مشهور أبو دقة أن أفضل نموذج مستخدم في دول العالم هو فتح الباب للعطاءات مع إعطاء الأولوية للشركة الحالية "Right of first refusal".

ويتفق رجل الأعمال العلمي مع الوزير السابق أبو دقة، على أن قطاع الاتصالات الفلسطيني أثبت خلال العشرين سنة الماضية أنه قطاع نشط ويحقق أرباحاً عالية قد تتجاوز أرباح الشركات في الدول المحيطة، كون المواطن الفلسطيني مستهلكاً جيداً للتكنولوجيا، وبالتالي قد يجذب رؤوس أموال جديدة.


ملكية البنية التحتية

تعدّ قضية ملكية البنية التحتية لقطاع الاتصالات من الأمور الإشكالية التي لم تتضح للجمهور في عقديّ الرخصة لشركة الاتصالات القديم والجديد. إذ ينص قانون الاتصالات السلكية وغير السلكية لعام 1996 على أن "تكون ملكية قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية للسلطة الوطنية".

وخلال سعي معدّة التحقيق للإجابة عن هذه النقطة اصطدمت بإجابات متناقضة من الأطراف ذات العلاقة. فمن جهة أكد الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات الفلسطينية عمار العكر أن الشركة اشترت أصول الهواتف الأرضية بما فيها المقاسم والمباني والتمديدات ضمن بنود الرخصة الأولى، وأن أي بنية تحتية أضيفت خلال العشرين عاماً الماضية هي أيضاً مملوكة للشركة. الأمر الذي أكده أيضاً فلوريد الزربا المدير العام في الوزارة.

لكن من جهة أخرى، نفى العوري ملكية الشركة للبنية التحتية من حيث العقارات والأصول باستثناء الأجهزة والمعدات. مؤكداً أن البنية التحتية لا يمكن أن تكون إلا ملكاً للدولة والعقد عبارة عن رخصة لاستخدامها فقط.

وكانت شركة الاتصالات قد سُلمت عند تأسيسها نحو 80 ألف اشتراك بخط هاتف أرضي (وصلت اليوم إلى 432 ألف خط)، ومباني حكومية ومباني تابعة للبلديات، إضافة إلى شبكة الخطوط والمقاسم في الضفة الغربية وقطاع غزة، مقابل 30 مليون دولار.

ونظراً إلى تعمّد الجهات المسؤولة عدم نشر ملاحق العقود حتى بعد 20 عاماً على إبرامها، يبقى سؤال بسيط بلا إجابة شافية: لمن تعود ملكية البنية التحتية؟.

*تم إعداد التحقيق بالتعاون مع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)