بين المغرب والسعودية

30 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
اختار وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، قناة الجزيرة، ليعلن أن بلاده لم تعد مشاركة في ما سمي "التحالف العربي" الذي يقود حربا مدمرة ضد اليمن وشعبه منذ نحو أربع سنوات. وفي اختياره القناة القطرية "المزعجة" لأنظمة الخليج تكون رسالة المغرب التي أراد أن يبلغها للتحالف السعودي الإماراتي الذي يقود فعليا الحرب في اليمن قوية، وذات أبعاد سياسية ستكون لها تداعياتها فيما هو آتٍ من الأيام. 
قال الوزير المغربي إن انسحاب بلاده من التحالف، المتهم حسب تقارير منظمات حقوقية دولية بارتكاب جرائم حرب في اليمن، جاء بناء على ثلاثة أسباب، حدّدها في التطورات على أرض الواقع، وفي طريقة تدبير التحالف، وأخيرا، في تقييم المغرب للتطورات في اليمن. وفي هذه الأسباب إشاراتٌ إلى الانتقادات التي توجه اليوم إلى التحالف السعودي الإماراتي من منظماتٍ حقوقية عديدة، ومن دول أوروبية ديمقراطية، ومن منظمة الأمم المتحدة نفسها، وكلها تجمع على أن الحرب في اليمن التي شنّت بهدف "إعادة الأمل" تحولت حربا مدمرة قتلت الآلاف، وشرّدت وجوعت الملايين. وبدلا من إعادة الشرعية التي باسمها يخوض التحالف حربه ضد اليمن، زادت الحرب من تقسيم اليمن واليمنيين. كما أن الحرب التي خُطط لها أن تكون سريعةً خاطفةً وحازمةً أصبحت حرب استنزافٍ طويلة ارتكبت خلالها جرائم حرب، وزجّت اليمن وشعبه في أسوأ أزمة إنسانية في العالم في الوقت الحاضر. أما التحالف المفترى عليه، فلم يوجد في أيٍّ منذ لحظات هذه الحرب التي أعلنتها وقادتها السعودية والإمارات بدون استشارة باقي دول التحالف، وقد لاحظنا الخلاف الذي نشب بين هاتين الدولتين في أكثر من معركةٍ 
طوال هذه الحرب، عندما اختلفت أهدافهما فيها، وتضاربت أجنداتهما من ورائها.
يستحق قرار المغرب الإعلان، ولو متأخرا، عن انسحابه من حربٍ قذرة، التوقف عنده لإعادة التفكير في العلاقة المغربية الخليجية، وخصوصا مع السعودية والإمارات، انطلاقا من تأكيد المسؤول المغربي على أن سياسة بلاده الخارجية تقوم على مبدأ "الاستقلالية"، وأنه يرفض "سياسة الاصطفاف" التي تريد أن تفرضها هاتان الدولتان على باقي الدول العربية: "إما معانا أو ضدنا".
سبق أن كتبت في "العربي الجديد" في أغسطس/ آب الماضي أنه ليس من مصلحة المغرب الاستمرار في تحالفٍ يخوض حربا تحوّلت مسرحا لارتكاب جرائم حرب. وحذّرت من أن "جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، حسب التكييفات القانونية، لا تسقط حسب الزمن، وسيأتي اليوم الذي سيستعيد فيه الشعب اليمني سيادته، ويتابع أصحابها أمام المحاكم الدولية"، وهذا المطلب عبّرت عنه قوى حقوقية وسياسية مغربية، في مقدمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وحزب النهج الديمقراطي، فيما صمتت عنه أغلب الأحزاب المغربية.
ليست المناسبة لحظة عتاب، بقدر ما تتطلب وقفة مساءلةٍ صريحةٍ لإعادة النظر في العلاقات المغربية الخليجية، وخصوصا العلاقة مع السعودية التي تمر منذ فترة غير قصيرة بأزمة صامتة، ظهرت في عدة مناسبات جلية. كانت أولها عندما رفضت السعودية، بل ودعا أحد كبار مسؤوليها الرياضيين إلى عدم التصويت لصالح ملف المغرب، لما ترشّح لتنظيم كأس العالم 2026، وجاء الرد المغربي بمقاطعة اجتماع لوزراء الإعلام في دول التحالف العربي في جدة العام الماضي، ومقاطعته مناورات الموج الأحمر التي دعت إليها السعودية نهاية ديسمبر/ كانون الثاني الماضي. وبرزت ملامح هذه الأزمة جلية مرة أخرى عندما رفض المغرب استقبال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الملطخة يداه بدم الصحافي السعودي جمال خاشقجي.
ولكن بوادر هذه الأزمة بدأت عندما اختار المغرب عدم الاصطفاف في غضون الأزمة الخليجية، وتعمقت عندما اختار الملك محمد السادس الذي كان في زيارة الإمارات العام 
الماضي ركوب طائرته والتحليق نحو الدوحة، خارقا الحصار الجوي الذي تفرضه السعودية والإمارات على جارتهما قطر.
وبعيدا عن اللغة الدبلوماسية لوزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، آن الأوان لوضع النقاط على الحروف، فيما يخص علاقات المغرب مع الدول الخليجية التي يغلب على أكثرها النفاق والمجاملات. وفيما يخص العلاقة مع السعودية، فإنها تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى وقفة تفكير وتأمل عميقيْن، إذا أراد البلدان بناء علاقاتٍ حقيقيةٍ تقوم على احترام السيادة واستقلالية القرار. ولا ينبغي أن تحوّل المصالح، مهما كان حجمها، عن طرح الأسئلة الحقيقية التي يمكن أن تعيد بناء هذه العلاقة على أسسٍ صحيحةٍ قائمة على الاحترام المتبادل.
وحتى بلغة المصالح، وهي ليست كبيرةً بالحجم الذي يصوّره بعضهم، على المغرب أن يبحث عنها بطرقٍ تحفظ استقلال قراره، وتصون كرامة مواطنيه، وتراعي عمقه التاريخي وبعده الحضاري، فالسعودية تبقى دولةً مهمة ومؤثرةً في المنطقة وفي العالم، وطيلة 60 سنة ونيف، ظلت العلاقات المغربية السعودية متينة وقوية، لأنها كانت تقوم على الاحترام المتبادل، ولأن السعودية كانت تضع نفسها فوق كل الخلافات العربية البينية، وقبل أن تتحول، في ظل حكامها الجدد، إلى لعب أدوار سلبية، أثرت على ثقلها السياسي في المنطقة والعالم، وانتقصت من رمزيتها الدينية، وخدشت صورتها بلدا للوئام وأرضا للمصالحات.