بين الديمقراطية العربية وإسرائيل

بين الديمقراطية العربية وإسرائيل

20 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
باتت الدنيا مغلقة بالكامل في وجه الفلسطينيين، وقضيتهم شعبا وأرضا وقضية تحرر من احتلال استعماري عنصري. ما عاد السلاح الفصائلي والعمليات الفدائية المتفرّقة أداة فعل، بل غالباً مجرّد ردّ محدود على جرائم سرقة واحتلال وقتل واعتقال وتغيير ديمغرافي وتزوير للسردية التاريخية. صارت ظروف الكفاح المسلح شبه مستحيلة موضوعياً، والوعاء العربي لم يعد يتسع إلا لتحالف حكومات عربية مع إسرائيل، والجو العالمي العام ليس معنا، بغض النظر عن توزيع المسؤوليات حيال خسارة معركة الرأي العام الدولي وفقدان دعم حكومات ديمقراطية في آسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، كانت يوماً ما تقف إلى جانبنا. العالم ينزلق يميناً بسرعة جنونية، بالتالي ينحاز للأقوى، للاحتلال في السياق الفلسطيني. نقف أمام محور إسرائيلي ــ عربي، رموزه السعودية ومصر والإمارات، في مقابل محور آخر إيراني، كلما رفع راية فلسطين والطرقات التي يفترض أن توصِل إليها، كلما أمعن في الإساءة لفلسطين وللفلسطينيين بترسيخ تقسيم البشر إلى طوائفَ، وبالسعي لإحلال غلبة مذهبية تتحقق بقتل مزيد من الشعوب العربية وبتغيير هويتها. إنجاز منظمة التحرير يُدفن يومياً، وتمسُّك السلطة، وهي بلا دولة، بوظيفتها الحالية لا يوازيه مأساويةً إلا الانقسام الفلسطيني. أما فلسطينيو الشتات، فأُنجز تهميشهم بعدما كانت منظمة التحرير إطاراً معقولاً لتمثيلهم. بين عناوين المأساة، بقي من فلسطين بضعة دونمات ترتفع فوقها مخيمات كثيرة ربما تندثر بدورها بعنوان ضم الضفة. 
أمام واقع كهذا، بماذا يمكن أن تستفيد فلسطين من المواطنين العرب؟ إنه الاقتناع بالارتباط العضوي الذي يجمع بين احتمال إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حقوق الفلسطينيين وأرضهم وتاريخهم، وبين إقامة الديمقراطية والحداثة في البلدان العربية. وحدها دول ديمقراطية حقاً يتساوى مواطنوها فعلاً، في الإقليم المحيط بفلسطين، يمكنها تهديد الأسس والدعامة "النظرية" التي تستثمر فيها الصهيونية منذ 72 عاماً: منارة ديمقراطية حديثة تنويرية وسط غابة تخلف عربي وتسلط. دعاية مليئة بالتزوير ربما لم تنل ما تستحق من تفنيد وتكذيب من خلال إعادة التأريخ الدقيق للمنطقة، وهو يفيد بأن الفرصة الحقيقية للحداثة العربية والتنوير وإقامة أنظمة معقولة في ديمقراطيتها، أُحبطت تماماً بعد قيام دولة الاحتلال، وباسم محاربتها تحديداً. لكن لا يزال من الممكن محاصرة إسرائيل بطوق بلدان ديمقراطية تعرّي عنصرية هذه الدولة وجرائمها اليومية، وتفضح أكذوبة التعددية القومية التي تحتضنها (إلا إن كان تقسيم المواطنين إلى فئات أولى وثانية وعاشرة، فعل مساواة).
إنّ ديمقراطية تعددية خصوصاً في مصر وسورية والأردن والعراق ولبنان، هي أكثر ما يُرعب حكام تل أبيب. حينها، ستكون مشروعية الدولة العبرية عبارة عن احتقار شبيه بما كان يُعامَل به حكم الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ولم يكن صدفة تزامن سقوط نظام الأبارتايد الجنوب أفريقي مع مرحلة الأمل بانتشار أوسع للديمقراطية الليبرالية عالمياً (1990 - 1993). هناك، ارتأى الأفارقة التمسّك بنضالهم. هنا، في فلسطين، قرر ممثلونا تلقي هدية بغلاف سميك وبرّاق، لكن من دون أن يكون داخل العلبة شيء إلا عنوان: سلطة وطنية، لكن بلا دولة، أي لا شيء إلا مصنع امتيازات ورواتب وزبائنية وبيروقراطية. بطاقات "في أي بي" وسيارات فارهة بدل سيادة وأرض وتحرر. أما المناداة بالدولة الواحدة الديمقراطية لكل مواطنيها، عرباً ويهوداً، فما كانت تواجه إلا بالتخوين، هوايتنا الوطنية المفضلة.
الديمقراطية العربية الحقيقية هي بداية الطريق لوقف خسائرنا الفلسطينية. هذه إحدى الفرص المفوّتة من موجة انتفاضات الربيع العربي. عِبرة فهمها البعض في هذا الربيع، معكوسةً، بوهم أن التقارب مع إسرائيل يؤمن دعماً لمعركة إحلال الديمقراطية في البلدان العربية. عُطب فكري يرقى إلى مرتبة هَبَل من لم يفهم بعد 72 عاماً، أن الديمقراطية العربية هي مقتل الصهيونية.