بولندا: فوز دودا يقسم البلاد شرقاً وغرباً... "حرب أهلية باردة"

14 يوليو 2020
الصورة
يتولّى دودا سدة الرئاسة منذ عام 2015 (Getty)

بإعلان النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية البولندية، بفوز القومي المحافظ والرئيس الحالي أندريه دودا، بفارق ضئيل (فاز بـ51.03 في المائة من الأصوات) على منافسه، مرشح قائمة "المواطنين" الليبرالية، رافال ترزاسكوفسكي (48.97 في المائة)، وبمشاركة 79 في المائة من الشعب، يبدو الانقسام في البلد واضحاً.

فبحسب الخارطة التي نشرت في وسائل إعلام محلية وأوروبية، تبدو الجغرافية البولندية اليوم مقسمة إلى "شرق وغرب"، بل ويذهب البعض إلى تشبيه هذا الانقسام بـ"تقاسم سوفيتي ونازي" لبولندا قبيل الحرب العالمية الثانية.

وبتحليل النتائج، يبدو واضحاً أن القومي المحافظ دودا، وبدعم الحزب الحاكم، "القانون والعدالة" (بي آي أس)، وتسخير وسائل الإعلام لدعايته، حصل على معظم أصوات شرق البلاد. ويشير خبراء الانتخابات والشؤون البولندية إلى أن تكتيك دودا في كسب كبار السنّ والأرياف، وتركيزه على رفض "المثليين" وبعض القوانين الأوروبية، أكسبه انتخابات حاسمة. وفي المقابل استطاع المرشح، ورئيس بلدية وارسو، رافال ترزاسكوفسكي، كسب تأييد غرب البلد وأصوات المتعلمين والمدن الكبيرة.

ورأت صاحبة كتاب "الصراع على وسط أوروبا"، والباحثة في "مجتمع التنوير الأوروبي الديمقراطي"، فيبا ترمانسن، في حديث للتلفزيون الدنماركي مساء أمس الاثنين، أن هذه النتائج "لا تظهر فقط انقساماً بين شرق وغرب، بل الفروق بين الأرياف والمدن، والكبار والشباب، والمتعلمين وغير المتعلمين".

دودا معروف بخطاب قومي شعبوي، ومتصادم مع الاتحاد الأوروبي وكتل سياسية داخلية

وأشارت الخبيرة في شؤون وسط وشرق القارة، أن انقسام بولندا بين شرقها وغربها ليس أمراً جديداً، "فهذه قضية قديمة تعيشها بولندا منذ زمن طويل. فقد رأينا دعماً كبيراً للرئيس الحالي والمعاد انتخابه (أندريه) دودا، ممن يؤيدون التوجه القومي المحافظ، ومن قبل الاتجاه اليميني المتشدد في البلد، وإن بتبني سياسات اقتصادية يسارية، تتعلق بالأساس بمنح مالية شهرية للأطفال (حوالي 103 يورو)، وزيادة الراتب التقاعدي والتركيز على ما يسمى القيم السياسية (المستندة إلى الكنسية ودور الدين الكاثوليكي في الأسرة البولندية)".

انقسام بولندا بين شرق وغرب أثار الكثير من التندر على وسائل التواصل، وذكّر ليس فقط بتقاسم السوفييتي الراحل جوزيف ستالين والنازي أدولف هتلر، النفوذ الجغرافي، بل أعاده البعض إلى قسمة الحرب العالمية الأولى بتهكم، قائلين: "إنه لأمر مثير أن تجد بولندا نفسها في مراحل ما قبل مائة عام من الآن"، وبأنه "ليس صعباً فهم عدم تقدم البلد".

 

خلافات عميقة وتخاطب ناري

وعلى الرغم من خروج المرشح الليبرالي، ذي التوجه الأوروبي، ترزاسكوفسكي، تقدم الأخير بتهنئته للرئيس الفائز، وفق مقتضيات اللعبة الديمقراطية الانتخابية، وشكره للمصوتين له، إلا أن مشكلة بولندا، الأقرب عملياً إلى مشكلة المجر، ليست سهلة، إذ إن الأطراف متنافرة، والنقاشات أشبه بتراشق معسكرين ليسا من ذات البلد.

فالرئيس الفائز دودا المعروف كرئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بخطاب قومي شعبوي، ومتصادم مع الاتحاد الأوروبي وكتل سياسية داخلية، أكد في خطاب النصر أنه سيمدّ يده للتعاون مع الجيران، وعلى الرغم من ذلك، أكد محللون بولنديون، بحسب قناة "تي في إن 24"، أن الأمر بعيد المنال.

أستاذ الدراسات البولندية في جامعة جنوب الدنمارك، سفيند راسموسن، يحلل للتلفزيون الدنماركي، من وجهة نظر أوروبية، أن الأمور لن تكون سهلة للبولنديين مع رئيس قومي متشدد، وخصوصاً أن صلاحياته واسعة، وبالأخص حق النقض على التشريعات والقرارات التي يصدرها البرلمان.

بروكسل ليست سعيدة بانتصار دودا ولا بقوله إنه سيتعاون مع عاصمة الاتحاد الأوروبي

ورأى راسموسن أن "ما نراه الآن هو بولندا منقسمة، بفجوة كبيرة، على رغم قول دودا إنه يجب مدّ يد التعاون والمصالحة الداخلية، وتصعب رؤية ذلك يحدث، فقد شاهدنا الرجل قبل أيام يكيل الشتائم ويظهر غضباً ضد من صوّت لمنافسه ترزاسكوفسكي"، مؤكداً نظرية أن "من يملك السلطة هم الفقراء والأرياف والأقل تعليماً وكبار السن".

أوروبا بالتأكيد غير راضية على هذه النتيجة، وربما تتجه في الفترة المقبلة إلى قرارات هدّد بها الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بسبب سياسات جعل القضاء والإعلام تابعَين للحكومة وليسا مستقلين، كما تقتضي معايير الاتحاد الأوروبي لـ"دولة العدالة"، التي تعاني صداعاً بولندياً مجرياً هذه الأيام، وخشية أوروبية من عدوى تطاول دولاً أخرى في وسط وشرق القارة. فبروكسل ليست سعيدة بانتصار دودا ولا بقوله إنه سيتعاون مع عاصمة الاتحاد الأوروبي.

عدم الإعجاب الداخلي والأوروبي بدودا يعود إلى طريقة وصوله إلى الرئاسة مرة أخرى (يحكم منذ 2015)، بتجيير وسائل الإعلام والقضاء في مصلحته، وتركيزه على "المثليين" واقتباسات إنجيلية، واتهامه لمنافسه بأنه "خائن وفي جيوب أناس متنفذين من النخبة"، وبأنه "بولندي ملتزم" عكس ترزاسكوفسكي.

في العموم، ترى خبيرة شرق أوروبا فيبا ترمانسن، أن بولندا "يسودها اليوم حوار أشبه بحرب أهلية باردة". وبذات الوقت، لا يبدو أن فوز دودا المعادي، حسب الأوروبيين في بروكسل، للأقليات في البلد، وتقديم صورة عدائية عن كل من يعارض أيديولوجية الرئيس القومي المحافظ وحزبه الداعم، سيخفف من توتر العلاقة مع جيرانه الغربيين، الذين صوّت غرب البلد لمصلحة التقارب معهم أكثر، فيما أظهر تناقض في الشرق، التوجه نحو قومية متعصبة قريبة من روسيا، ورئيساً صديقاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وستبقى عيون المجلس الأوروبي مسلطة منذ الآن على تصرفات زعيم حزب "القانون والعدالة" ياروسلاف كازينسكي، حيث يسعى الرجل الذي أوصل دودا للحكم ثانية، إلى الابتعاد أكثر عن الاتحاد الأوروبي، بمجموعة قوانين داخلية تثير غضباً أوروبياً مكتوماً، ويعبَّر عنه بتهديد تعليق حق التصويت في المجلس الأوروبي، وذهاب البعض إلى طلب تعليق عضوية البلد في الاتحاد، وهو ما يمكن أن يدفع نحو مزيد من تفكيك الوحدة الأوروبية التي تعاني بالأصل من مجموعة مشاكل ضخمة في علاقتها الداخلية.

دودا وترزاسكوفسكي في سطور

يبلغ الرجلان 48 عاماً. يتولّى خريج الحقوق دودا سدة الرئاسة منذ عام 2015، وهو شغل عضوية البرلمان الوطني والبرلمان الأوروبي عن "القانون والعدالة" القومي المحافظ. أهم نقطة سياسية ركز عليها في بلد كاثوليكي، هي معارضته الصريحة والواضحة لأي مثلي، حيث تفرض مناطق "حظر" في نحو ثلث بلديات البلد التي يهيمن فيها الحزب الحاكم، مع حملة إعلامية في مصلحته، وتعديلات برلمانية ألغت استقلالية القضاء والإعلام، ويجري أيضاً، كما في المجر، حملة ضد الأجانب والمهاجرين، وسط تخويف من الديانات الأخرى، وتنتشر بين مؤيدي اليمين القومي المتعصب فكرة كراهية اليهود والمسلمين على حدّ سواء.

أما ترزاسكوفسكي فهو أستاذ علوم سياسية ورئيس بلدية وارسو منذ عام 2018. شغل سابقاً مناصب وزارية، قبل حكم حزب "القانون والعدالة"، كما شغل عضوية البرلمان الأوروبي عن الليبراليين المعارضين. ويُعتبر مقرباً من رئيس الوزراء الأسبق والاتحاد الأوروبي دونالد توسك.