بوتين والسيسي: شركاء في خندقٍ واحد

09 فبراير 2015
الصورة
سيجري توقيع العديد من الاتفاقيات بين البلدين (سيفا كاراسان/الأناضول)
+ الخط -
تبدو علاقة موسكو بالقاهرة اليوم أقرب إلى علاقة شريكين في خندق واحد، وجدا نفسيهما فيه فجأة في مواجهة عدو مشترك وتحديات مشتركة. فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي وضع نفسه في مواجهة الربيع العربي، يُعتبر حليفاً موضوعياً للكرملين، الذي انتهج بعد السيناريو الليبي الذي أطاح بالعقيد معمّر القذافي، تحديداً، سياسة ترى في الثورات "تدبيراً خارجياً يستهدف استقرار البلدان وثرواتها". كما أن روسيا جهّزت نفسها لـ"ثورة ملونة" تقرع أبوابها على غرار تلك التي جرت في جورجيا (2003) وأوكرانيا (2004).

ويشترك البلدان في معاناتهما مع المحيط القريب، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تشتد يوماً بعد يوم في كل منهما. ولذلك سعت موسكو إلى التأسيس لمشاريع مشتركة، بعيدة المدى، فيها مصلحة ضامنة لصداقة البلدين. فروسيا البوتينية تعلّمت كيف تؤسس علاقاتها على المصالح، بعيداً عن الأهواء وحتى التحالفات السياسية. تماماً كما في علاقاتها مع تركيا، العضو في الحلف الأطلسي، الذي تتهيأ روسيا لمواجهة مخاطر سياساته حيالها.

صحيح أن مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، قال إنه "تشكلت كيمياء جيدة جداً بين الرئيسين بوتين والسيسي، وكل منهما يود دعم الآخر"، لكن قراءة ابتسامات الزعيمين المتبادلة، ليست بالسهولة التي يوحي بها تصريح أوشاكوف، فالأهم منها لغة المصالح والأرقام.

فقد كشف أوشاكوف، في بيان صحافي في الخامس من فبراير/ شباط الحالي، عن اقتراح بـ"إقامة بنية تحتية نووية متكاملة، في مصر، على أرضية محطات حديثة، روسية التصميم". وأعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، أركادي دفوركوفيتش، في السياق، أن "روس آتوم جاهزة للمشاركة في تنفيذ مشروع المحطة النووية المصرية للطاقة الكهربائية (في منطقة الضبعة شمال البلاد)".

كما أفاد أوشاكوف بأن هناك تقدماً نحو "عمل مشترك في مجال الفضاء". ففي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تم الانتهاء من إنشاء "نظام الاستشعار عن بُعد" الفضائي لمصلحة مصر، ضمن مشروع "ي ـ ستار". وأكد أوشاكوف اهتمام شركات الطاقة الروسية بمصر، فقال: "تعمل شركة لوكويل بنشاط في مجالي النفط والغاز، كما تبدي غيرها من الشركات الروسية، كغازبروم وغازبروم نفط وروس نفط، اهتماماً خاصاً بالمشاركة في استخراج الكربوهيدرات في مصر".

ومن المخطط له، في هذا السياق، توقيع وثائق عدة، بما في ذلك مذكرة تفاهم بين وزارة التنمية الاقتصادية الروسية ووزارة الاستثمار المصرية، لجذب الاستثمارات ومشاركة الشركات الروسية في بناء مشاريع على الأرض المصرية. وأعلن أوشاكوف أن "مجموعة العمل حول إمكانية إقامة منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوراسي الاقتصادي ومصر ستبدأ عملها في الربيع المقبل".

يُذكر أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ، وفق مؤشرات يناير/ كانون الثاني ـ نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، حوالي 4.6 مليارات دولار، بزيادة نحو 80 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2013. وأوضح أوشاكوف أن "الزيادة تحققت بفضل تزويد روسيا لمصر بمصادر الطاقة والقمح". علماً بأن مصر تُعدّ أكبر مستورد للقمح الروسي، وهي تغطي حوالي 40 في المئة من حاجتها من خلال ما تستورده من روسيا. وفي الوقت نفسه، ارتفع استيراد موسكو للمنتجات الزراعية المصرية بعد العقوبات الغربية، بشكل ملحوظ، بعد اتخاذ موسكو إجراءات جوابية بمنع استيراد السلع الغذائية من البلدان التي أقرت عقوبات ضدها. إلا أن حجم الاستثمارات المتبادلة بين مصر وروسيا لا يزال ضعيفاً جداً.

وكانت وكالة "ريا نوفوستي" قد أفادت، في الخامس من الشهر الحالي، بأن "اللجنة المصرية للتعاون مع روسيا"، عقدت اجتماعها الثاني للنظر في المشاريع الاقتصادية التي تنوي مصر مناقشتها مع الوفد الروسي المرافق لبوتين.

ونقلت عن وزارة التجارة والصناعة المصرية الحديث عن نية مناقشة "إقامة منطقة تجارة حرة" مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وكذلك إنشاء منطقة صناعية روسية في مصر، جرى تخصيص الأرض اللازمة لها في منطقة السويس. كما جرى الحديث عن نية الجانب المصري التعاون مع الروس، في الاستثمار بمشروع "المثلث الذهبي"، وكذلك في تطوير ميناء سفاجا، والتعاون في مجالات التعدين والصناعات البتروكيماوية.

إلى ذلك، جرى الحديث عن إمكانية إعداد الكوادر العلمية المصرية في روسيا، واستبدال محولات الطاقة في محطة أسوان الهيدروليكية لتوليد الطاقة الكهربائية. وركزت وزارة التموين المصرية على ضرورة التنسيق مع الجانب الروسي لتزويد مصر بالقمح الروسي وتخفيض كلفة شحنه.

كما يجري الحديث عن اتفاق لتوريد الغاز الروسي المسال إلى مصر، وعن إتاحة الفرص أمام شركات النفط الروسية للتنقيب عن النفط والغاز في مصر، وكذلك توقيع اتفاقات في مجال الصناعات النفطية وإنشاء شركة مشتركة لإنتاج معدات النفط والغاز.

وفي الحرب التي تخوضها موسكو لاستبعاد الدولار وتهميش دوره السلبي في الاقتصاد الروسي، وبحثها في هذا السياق عن شركاء يقبلون التعامل بالعملات المحلية، نقلت وكالة "إنترفاكس" عن المتحدثة الصحافية باسم "اتحاد صناعة السياحة" الروسي، إيرينا تيورينا، أن "مصر لم تستبعد إمكانية التعامل بالروبل في مجال السياحة".

ووفقاً لما نقلته الوكالة عن وزير السياحة المصري، هشام زعزوع، فإن "ذلك يمكن أن يبدأ من شهر فبراير الحالي، وأن الجانبين يبحثان الآن في الآليات التي تسمح بتجنب التعامل بالدولار في الحسابات بينهما"، مع العلم بأن 3 ملايين سائح روسي زاروا مصر سنة 2014. وتبلغ نسبة السائحين الروس إلى مصر 20 في المئة من إجمالي السياح فيها.

ولما كان لروسيا مصلحة في بيع السلاح وفتح المزيد من أسواقه، وخصوصاً في ظلّ التراجع الحاد في عائداتها النفطية، في مقابل مصلحة مصرية في تعزيز قدرات جيشها، على خلفية تحديات مواجهة الإرهاب واحتمال تصاعد الفوضى في محيطها غير المستقر، في ظل "إغراء" أن السعودية هي مَن يسدّد ثمن السلاح الروسي، فقد نقلت وكالة "ريا نوفوستي" عن مدير مركز تحليل تجارة السلاح العالمية ورئيس تحرير مجلة "الدفاع الوطني"، إيغور كوروتشينكو، قوله إن "شراء مصر لمنظومات دفاع صاروخي روسية وصواريخ مضادة للطائرات، يمكن أن تشكل ضمانة لأمن البلاد لعشرات السنوات". فوفقاً لكوروتشينكو، تعتزم القيادة المصرية شراء عدد من منظومات الأسلحة الروسية الحديثة في مجال الدفاع الصاروخي والدفاع الجوي.

وفي إطار مواجهة التحديات المشتركة، أفاد أوشاكوف بأن "البحث عن طرق لتعافي الوضع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعراق وسورية وليبيا، والتسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية، سيشكل أحد الموضوعات المركزية في المباحثات" بين الرئيسين بوتين والسيسي. فيما يتم الحديث عن تنسيق أمني استخباراتي عالي المستوى لمواجهة مخاطر انتشار تنظيم "الدولة الإسلامية"، (داعش)، وصولاً إلى بعض الأقاليم الروسية.

المساهمون