بوابات الأمن الإلكترونية...سر الإخفاق المصري في كشف التفجيرات الإرهابية

12 سبتمبر 2017
الصورة
نقص التمويل يدفع إلى شراء بوابات أمن صينية(العربي الجديد)
+ الخط -
فقدت عريف شرطة أسماء حسين حياتها، جراء تفجير إرهابي ضرب كنيسة مارمرقس في إبريل/نيسان الماضي، بعد يومين من انتقالها للعمل في قوة تأمين الكنيسة، رغم أن تأهيلها المهني كان مكتبياً، إذ قضت فترة طويلة من خدمتها في قسم إصدار التصاريح الأمنية بشرطة ميناء الإسكندرية، بينما لم تعمل إطلاقاً في تأمين المنشآت، وفقا لما كشفه شقيقها علي حسين لـ"العربي الجديد"، قائلا "وصلها قبل الحادث بيومين تكليف للالتحاق بعملها الجديد".

الواقعة كشفت عن قصور في تأهيل وتدريب العنصر البشري على تأمين المنشآت أو التعامل مع طرق مكافحة الإرهاب، هذا التقصير يؤكده اللواء السابق فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق (الأمن الوطني حاليا) بالقول، "بوابة الأمن وحدها لا تكفي، لا بد من تأهيل فرد الأمن المعين خدمه أمام تلك البوابة"، مؤكدا لـ"العربي الجديد" أن هذه الحالة تكشف أن أفراد الشرطة المكلفين بالعمل في تأمين المنشآت والمراقبين للبوابات لم يتم تأهيلهم بشكل كاف ولم يحصلوا على تدريبات على كيفية التعامل مع أدوات كشف المفرقعات أو البوابات الأمنية"، وهو ما يراه سببا لتأجيل موسكو المتكرر إعادة السياح الروس إلى مصر، منذ حادث تفجير الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2015، بالرغم من اقتناء الأجهزة المعنية في مصر أحدث أنظمة الأمن الإلكترونية، قائلا "يبدو أن هناك تخوفا من كفاءة العنصر البشري المعني بالعمل على تلك المنظومات".

حسناً، يبدو أن قراءة الخبير الأمني علام لها ما يبررها بين أوراق ملف القضية رقم 1040 لسنة 2016 والمعروفة اعلاميًا بقضية تفجيرات الكنائس (البطرسية والإسكندرية وطنطا) إذ تكشف تفاصيل التحقيقات التي اطلعت عليها "العربي الجديد" عن سماح قوة تأمين كنيسة مارجرجس بطنطا، لكل المصلين بالمرور من البوابة الإلكترونيه للكنيسة دون إيقاف أحد منهم حتى مع سماع صافرة الإنذار التي كانت تنطلق بين الحين والآخر، "بسبب تزايد أعداد المترددين على الكنيسة في ذلك اليوم الذي وافق عيد السعف (أحد الشعانين)، في ظل تذمر المصلين من إعاقة حركتهم، وهو الأمر الذي استغله الانتحاري حتى يمر بالحزام الناسف من بوابة التأمين الإلكترونية وينفذ عمليته الإرهابية".


من يؤسس شركات النظم الامنية؟

تعمل 312 شركة في مجال الأنظمة الأمنية طبقا لدفاتر إدارة التصاريح في مجمع خدمات الاستثمار التابع للهيئة العامة للاستثمار في القاهرة، من بينها 92 شركة حصلت على تصاريح لمزاوالة نشاطها في عام 2016، "غير أن 80% من ملاك ومؤسسي تلك الشركات ضباط شرطة أو جيش سابقون، وعدد ليس بالقليل من النسبة المتبقية لتلك الشركات (20%)، يملكها ضباط حاليون من الباطن يسجلون الشركات بأسماء زوجاتهم أو أخواتهم أو أحد أقاربهم، إذ تحتاج تلك الشركات إلى موافقات أمنية لا يستطيع غير ضباط الجيش أو الشرطة الحصول عليها لاستكمال أوراق التأسيس، وفق ما أكده مصدر مطلع بمجمع خدمات الاستثمار طلب عدم ذكر اسمه للحفاظ على أمنه الشخصي.

يتطابق ما قاله المصدر مع ما أقر به سيد عبد الونيس نائب رئيس شعبة الحراسة بالغرفة التجارية بالقاهرة بأن اغلب اصحاب تلك الشركات من الضابط السابقين، مبررا ذلك بـ"خبرتهم الكبيرة السابقة"، قائلا لـ"العربي الجديد"، رئيس شعبة الأمن والحراسة بالغرفة التجارية اللواء عادل عماره يمتلك شركة ما المشكلة؟ وتسجيل ضباط حاليون تلك الشركات بأسماء أقاربهم لا يعد مخالفة قانونية، ولا أحد يستطيع محاسبة ضابط بسبب قيام اخيه بتاسيس شركة أمن".

الانتحاريون مروا من هنا

استوردت مصر 7 آلاف بوابة أمنية إلكترونية خلال عامي 2015 و2016، طبقا لإفادة سيد عبد الونيس، إلا أن منفذي 4 حوادث إرهابية جرت خلال العامين الماضيين مروا من بوابات التأمين الإلكترونية، ونفذوا عملياتهم الإرهابية دون أن توقفهم البوابات أو أفراد الأمن العاملون عليها، فمن يتحمل المسؤولية، العنصر البشري أم مشكلة فنية في البوابات؟

عبر تسجيلات كاميرات المراقبة شاهد أعضاء النيابة العامة ومسؤولون في وزارة الداخلية والكنيسة منفذ انفجار كنيسة مارجرجس بمدينة طنطا في إبريل/نيسان الماضي، وهو يدخل وسط المصلين عبر البوابة الإلكترونية الموجودة أمام باب الكنيسة ثم عبر أخرى كانت مثبتة داخل الكنيسة بالقرب من قاعة الصلاة، وطبقا لما قاله مصدران قضائيان أحدهما في نيابة أمن الدولة العليا وآخر من نيابة وسط طنطا لـ"العربى الجديد" فإن تسعة شهود ومصابين أكدوا أن البوابة أصدرت صوت إنذار، لكن لم يوقف أحد من قوة التأمين الانتحاري أو غيره من المترددين على الكنيسة، وهو ما تكرر أيضا في حادث تفجير الكاتدرائية بالقاهرة في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، إذ رصدت الكاميرات مرور الانتحاري مسرعا عبر البوابة التي لم يقف أمامها أفراد الأمن، أيضا في يوينو/حزيران من عام 2015 رصدت الكاميرات الانتحاريين منفذي تفجير وقع في ساحة معبد الكرنك الأمامية بالأقصر، بينما يمر الأول عبر البوابة مرتديا حزاما ناسفا، فيما عبر الثاني بوابة أمن الجراج، ولم يوقفهما أحد إلا بعد أن فجر أحدهما نفسه وقتل الأمن الثاني، كما أكدت التحقيقات أيضا أن منفذ الهجوم على سائح بفندق في الغردقة خلال يناير/كانون الثاني من عام 2016 مر أيضا من البوابة الموجودة في مدخل الفندق، ولم يفتشه أحد، رغم أن صوت الإنذار كان واضحا للجميع بحسب تحقيقات النيابة العامة.

وبسبب تكرار تلك الحوادث أجرت وزارة الداخلية تحقيقات إدارية خلصت نتائجها، كما يقول اللواء رفعت عبد الحميد خبير العلوم الجنائية، مدير إدارة المباحث الجنائية في الإسكندرية سابقا، إلى أن تراخي العنصر البشري يقف خلف اختراق تلك المنظومات الأمنية الإلكترونية.



عقوبات للمقصرين

ينص قانون هيئة الشرطة في مادته (77 مكرر 2) على الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها على أفراد الشرطة، وهي: الإنذار والخدمات الزائدة والخصم من المرتب الأساسى لمدة لا تجاوز 90 يوماً في السنة، ولا يجوز أن يتجاوز الخصم تنفيذاً لهذا الجزاء ربع المرتب شهرياً بعد الربع الجائز الحجز عليه أو التنازل عنه قانوناً وتأجيل موعد استحقاق العلاوة لمدة لا تجاوز 6 أشهر والحرمان من العلاوة كاملة أو نصفها والوقف عن العمل لمدة لا تجاوز ستة أشهر مع صرف نصف المرتب، ويشمل المرتب ما يلحقه من بدلات ثابتة وخفض المرتب بما لا يجاوز الربع وخفض الترقية لمدة لا تجاوز ثلاث سنوات من تاريخ استحقاقها وخفض الدرجة بما لا يجاوز درجة واحدة وخفض المرتب والدرجة معاً على الوجه المبين فى البندين (7،9) والفصل من الخدمة مع الاحتفاظ بالحق في المعاش أو المكافأة والفصل من الخدمة مع جواز الحرمان من جزء من المعاش أو المكافأة في حدود الربع.

وانتهت التحقيقات الإدارية مع أفراد الأمن المكلفين بتأمين الكاتدرائية المرقسية في القاهرة إلى خصم راتب شهر منهم، وحرمانهم من الترقية لمدة عامين ونقلهم إلى وظائف إدارية، بحسب ما كشفه مسؤول أمني كبير لـ"العربى الجديد". وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن هويته لكونه غير مخول بالكشف عن تلك المعلومات: "حققنا معهم لأنهم كانوا بعيدين عن البوابة الأمنية وقت دخول الانتحاري وتنفيذ جريمته"، مؤكدا التحقيق مع أفراد أمن كنيسة مارجرجس بطنطا لسماحهم للمترددين على الكنيسة بالدخول من دون تفتيش.

ويصف المستشار أحمد عبد العزيز، القاضي بمحكمة استئناف البحيرة، العقوبات السابقة بـ"المخففة" قبل أن يستطرد: "لا أعرف تفاصيل التحقيقات معهم، قد تكون هناك أسباب جعلتهم يخففون الحكم الإداري عليهم".

لكن محمد حافظ ضابط الشرطة السابق يرى أن أسبابا كثيرة ومعوقات على أرض الواقع قد تجبر فرد الشرطة على ارتكاب مخالفة ما، يترتب عليها محاكمته تأديبيا أو التحقيق إداريا معه، قائلا "الزحام في حادثة طنطا هو ما جعل الضابط يسمح بالدخول من دون تفتيش، وقد يكون هناك قيادات أمنية أو كنائسية طلبت منه ذلك بشكل شفوي، يجب مراعاة ملابسات الواقعة عند التحقيق، وعند الجزاء".


طريقة عمل البوابة

تعمل بوابة التأمين الإلكترونية عبر الكشف عن المعادن المخفاة عن طريق أشعة إكس Backscatter X-ray والتي تدفع الجهاز إلى إصدار صوت تحذيري وإشارات ضوئية لتنبيه فرد الأمن، طبقا لدرجة حساسية معينة يحددها الفني الذي يديرها والذي قد يزيد من نسبة حساسية البوابة للمعادن، وهنا تصدر البوابة تنبيها في حال وجود أي شيء معدني كبير الحجم، ولا تصدر صافرة إذا مر شخص بـ "دبوس مثلا" بحسب ما شرحه إسلام الصعيدي، مهندس كهرباء بجهاز مترو الأنفاق ومسؤول عن البوابات الخاصة في إحدى محطات المترو.

وتستورد مصر البوابات الأمنية من أميركا وكوريا وتركيا والصين، وتختلف أسعارها طبقا لبلد المنشأ والجودة وتتراوح الأسعار ما بين 20 ألف جنيه (1140 دولارا) وحتى 28 ألف جنيه (1600 دولار) للأنواع القادمة من الصين، ومن 30 ألف جنيه (1720 دولارا) وحتى 40 ألف جنيه (2290 دولارا) الكوري والترك ومن 40 ألف جنيه وحتى 60 ألف جينه للأميركى (3430 دولارا)"، وفقا لما وثقه معد التحقيق عبر اتصالات بعدد من الشركات التي تبيع تلك البوابات.

وتزايدت نسبة مبيعات تلك الشركات بشكل هائل منذ نهاية عام 2015 وحتى اليوم، كما يقول مدحت قاسم مدير المبيعات بشركة "صب سكريب" للشبكات والحلول الأمنية، وعز الدين وحيد مندوب مبيعات في نفس الشركة، والذي كشف أن: "الشركات التجارية تشتري المنتج الصينى، لكن الوزارات والمؤسسات الأمنية والبنكية تشتري الأنواع الأعلى جودة".

وتعلن شركة "صب سكريب جروب" عبر موقعها الرسمي على الإترنت أنها وردت وركبت منظومات أمنية لمؤسسات حكومية، من بينها دار الدفاع الجوي، ومترو الأنفاق والعديد من الكنائس الكبرى والوزارات والبنوك والسفارات، وفقا لما وثقه معد التحقيق.



الكنائس تفضل البوابات الصينية

عقب التفجيرين الإرهابيين لكنيستي مارجرجس ومارمرقس، زاد الطلب على البوابات من قبل مسؤولي الكنائس، بحسب ما كشفه أحمد عبد الله، المهندس بشركة واي تك لأنظمة الاتصالات والأنظمة الأمنية، لـ"العربي الجديد"، قائلا "مخازن الشركة أصبحت فارغة تماماً من البوابات الإلكترونية، مفيش ولا بوابة في المخزن، ولأول مرة الطلب عليها يكون رهيب كدا"، وأوضح أن عدداً من الكنائس في محافظتي أسيوط وبورسعيد اشترى القائمون عليها البوابات الصينية، والتي يعتبرها أقل الأنواع كفاءة وكشفاً للمعادن.

بينما يرى الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا وأبو قرقاص أن عملية شراء أدوات تأمين الكنائس تُحدد بناء على حجم الكنيسة وعدد المترددين عليها، وأكد لـ"العربي الجديد" أنه يتم شراء أجود وأحدث الأدوات مثل بوابات التأمين أو كاميرات المراقبة، قائلا "قد يكون شراء بوابات صينية حصل فعلا، ولكن المهم هل تعمل أم لا؟".

جولة ميدانية تثبت تقصير العنصر البشري

عبر جولة ميدانية وثق معد التحقيق إطلاق البوابات الأمنية الموجودة أمام خمسة بنوك ومؤسسات حكومية صافرة الإنذار، من دون إيقافه للتفتيش، على عكس ما حدث عندما سعى لدخول المركز الثقافي البريطاني في القاهرة، إذ أوقفه فرد أمن المبنى وأخضعه لتفتيش ذاتي بعد انطلاق صافرة بوابة الدخول الإلكترونية، وهو تناقض فسره اللواء محمد يوسف مساعد وزير الداخلية الأسبق بأن "الأمر كله في يد فرد الأمن المعيّن للتفتيش أمام تلك البوابة، إذ يتراخى في مباشرة عمله إذا كان الوضع اعتيادياً، وينتبه عندما يعرف بتفتيش أو حادث ما وقع للتو"، لكن حتى إذا وقع حادث، وبعد مرور الوقت فإن فرد الخدمة يجلس على الكرسي، ويترك الأمر لعينيه، إذ يشتبه أحيانا في أحدهم وأحيانا لا، وهنا احتمال مرور الانتحاري كبيرة جدا، وهو ما يطابق ما حدث في كنيسة مارجرجس في طنطا ومارمرقس في الإسكندرية إذ انتبهت قوة حراسة الثانية بعدما ورد لها أنباء التفجير في الأولى، وهو ما منع الانتحاري من الدخول إلى كنيسة مارمرقس، الأمر الذي يعني ضرورة تدريب أفراد التأمين في دورات تدريبية مستمرة وفق ما قاله الضابط السابق وعضو مجلس النواب علاء عبد المنعم متفقا مع الرأي القائل بأن: "روسيا ترفض حتى الآن عودة سياحها إلى مصر بسبب غياب الثقة في تأهيل العاملين على منظومات التأمين الإلكترونية، قائلا "ليست الأزمة في الأجهزة نفسها، ولكن في العنصر البشري الذي يعمل أمامها، البوابة لن تقوم بكل شيء، دورها مساعد للفرد الذي عليه أن يشتبه ويفتش، ولو لم يؤدّ دوره سيقع المزيد من الحوادث، حتى إن وضعت مائة بوابة أمنية".


الداخلية ترد على اتهامات نقص التأهيل


يؤكد اللواء السابق علام أن "البوابة وحدها لا تكفي، ولا بد من تأهيل فرد الأمن المعين خدمة أمام تلك البوابة" مؤكدا أن "بعض المجندين يتم إخبارهم بتفتيش من يمر من البوابة إذا انطلقت صافراتها، ولكن مع تزايد صافرات البوابة على دبوس أو توكة حزام أو ساعة المجندين بيزهقوا ويقعدوا على جنب دون تفتيش أحد وهذا ما يستغله الإرهابيون"، وترسم إفادة علام أجواء عمل حماده عبد اللطيف المجند الذي يقف على بوابة أمنية إلكترونية بمحطة للمترو في القاهرة والذي قال لمعد التحقيق:"صافرات البوابة لا تتوقف وإحنا زهقنا، كنا في الأول بنفتش، بس بعد كده عرفنا إن البوابة تصفر إذا كان الشخص الذي يعبر يحمل أي شيء معدني خلاص معدناش بنفتش حد".

لكنّ مسؤولاً في مركز الإعلام الأمني في وزارة الداخلية رد على الإفادات السابقة بالقول:"هناك تدريبات تجرى للأفراد المكلفين بتأمين المنشآت، لكن في بعض الأوقات يتم الاستعانة بأفراد من إدارات أخرى، خاصة في فترات الأعياد والأحداث المهمة". وأكمل: "يحصل فرد الأمن عندما يلتحق بالعمل الشرطي على تدريبات عامة، من بينها الاشتباه وطرق التفتيش وكيفية التعامل مع المتهمين، الحوادث الإرهابية تقع في جميع دول العالم".