بهي الدين والعريان وحقوق الإنسان في مصر

07 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

على الرغم من أن أحدًا لا يستطيع التنبؤ بموعد وفاة أحد المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، إذ يدخل هذا الأمر في دائرة الغيبيات، إلا أن أحدًا، كذلك، من معارضي النظام المصري، أو المدافعين عن حقوق الانسان في مصر، يعلم ما تخفي له الأجهزة الأمنية من مكائد وخطوات، لتعويق عمله، حتى مع افتراض أن تكون خطوات تلك "المكائد" مرتبطةً بآليات واضحة، وصريحة، ومشروعة يعلم فيها "المتهم" بالاتهامات الموجهة إليه، ويعرف طرق الرد عليها.. غير أن هذا الحال غير موجود في مصر عبد الفتاح السيسي، الذي تحولت معه أدوات التحقيق والتقاضي إلى أدواتٍ للقمع والبطش، في ظل دائرة "غيبيات" أمنية.
وعلى الرغم من أن المجتمع المدني الحقوقي في مصر قد مرّ بمنعطف خطير للغاية، أثّر على ثقة ضحايا حقوق الإنسان فيه بالمجتمع الدولي، خصوصًا بعد 30 يونيو/ حزيران 2013، وهي الفترة التي شهدت انقسامًا مجتمعيًا حادّا، أعقبها انقلابٌ عسكري، وارتكاب الجيش والشرطة جرائم ضد الإنسانية ، كانت ذروتها ما عرف بمذبحة رابعة العدوية في أغسطس/ آب 2013. على الرغم من هذا، استطاع المجتمع المدني الحقوقي أن يجمع شتاته، ويعود مع أواخر العام 2014، ليتسق مع مبادئ حقوق الإنسان ومعاييرها مرّة أخرى، ويلفظ من به من "جونجوز" (تعبير يطلق على الحقوقيين والمنظمات الحقوقية التي تنفذ أجندة الأنظمة القمعية)، ويبدأ في مرحلة جديدة من كسب ثقة الضحايا، على اختلاف أيديولوجياتهم وانتماءاتهم السياسية.
وقد زاد دور المجتمع الحقوقي المصري بعد أن ظهر جيل جديد من المنظمات الحقوقية المصرية، ونما الدور الذي يلعبه الحقوقيون المصريون في المهجر، وبلغ ذروته بظهور المنبر المصري لحقوق الإنسان، وهو تجمّع مستقل للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان المصريين الذين يجمعهم إيمانٌ لا يتجزأ بالقيم العالمية لحقوق الإنسان، ورؤية عامة مشتركة لضرورة تأسيس نظام سياسي في مصر، يقوم على احترام مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والمواطنة.

رصدت "كوميتي فور جستس" وسجلت 2,605 انتهاكات ضمن سوء أوضاع الاحتجاز في الستة أشهر الأولى من العام 2020

وفي 13 أغسطس/ آب 2020 توفي عصام العريان، السياسي المصري والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين، وأحد أبرز الأعضاء المؤسسين في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وأحد أبرز القيادات النقابية والبرلمانية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك وعام الرئيس محمد مرسي. وعرف عقودا بنشاطه المجتمعي والسياسي الإصلاحي، ونهجه الوسطي، ومبادراته السياسية الجريئة والعابرة للانتماءات السياسية والإيدولوجية. وكعشرات من الضحايا المتكدّسين في سجون السيسي، أمضى العريان سنوات عمره حتى لحظاتها الأخيرة تحت نير انتهاكات حقوق الإنسان المستعرة في السجون ومقارّ الاحتجاز، فبحسب التقرير الصادر أخيرا عن مؤسسة "كوميتي فور جستس"، تم رصد وتسجيل 2,605 انتهاكات ضمن سوء أوضاع الاحتجاز في الستة أشهر الأولى فقط من العام 2020، حيث توزّعت الانتهاكات بين 1,059 انتهاكًا ضمن الحرمان من الرعاية الصحية، و41 انتهاكًا ضمن التغريب، و1,506 انتهاكات ضمن سوء معاملة السجناء والمعتقلين. 
وقد عانى عصام العريان سنوات من الإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الصحية، على الرغم من إصابته بالتهاب الكبد الوبائي وأمراض مزمنة، وهو النمط السائد تجاه المعتقلين السياسيين في سجن طرة شديد الحراسة (1) (المعروف باسم العقرب) حيث وثقت المؤسسة تجاوزاتٍ كثيرة بحق المعتقلين، لم يكن أقلها ما تعرّض له العريان، من الحرمان من الزيارة والتواصل مع الأهل والمحامين، وحرمان المحتجزين والسجناء من استلام حاجاتهم الضرورية من أمانات السجن، بما فيها الملابس والطعام والدواء وإرسال الرسائل واستلامها من ذويهم، وإجبارهم على النوم على أرض أسمنتية جرداء، وسط تكدّس بالغ، وسوء تهوية لم يزل يحصد حياة ضحايا عديدين، خصوصا من أصحاب الأمراض الصدرية والمزمنة. وحتى بعد أن فاضت روحه إلى بارئها، لم تبرح إدارة السجن عن التنكيل به وذويه بالتعسّف في إجراءات تسليم جثمانه للأهل، ومنع إجراء تقرير طبي بحقه، يظهر ما قد تعرّض له من انتهاكاتٍ بالغة، والقيام بدفنه من دون تشريح، ومن دون إبلاغ الأهل أو إعلامهم لحضور مراسم التجهيز والنقل إلى مثواه الأخير، ما يعدّ خرقًا تامًا لكل الأعراف المجتمعية والدينية المرتبطة بتجهيز الأموات ودفنهم في مصر.

عانى عصام العريان سنوات من الإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الصحية، على الرغم من إصابته بالتهاب الكبد الوبائي وأمراض مزمنة

وبالتزامن مع سوء أوضاع الاحتجاز التي أودت بحياة العريان، أصدرت محكمة الجنايات في 25 أغسطس/ آب 2020 حكمها المسيس بالسجن المشدّد 15 عامًا ضد المدافع الحقوقي مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، بسبب مزاعم بإهانة القضاء، ونشر أخبار كاذبة بهدف الإضرار بالمركز الاقتصادي للبلاد، وتعطيل أحكام الدستور والقانون، وهو الحكم الذي لا يعدو محاولةً جديدةً لعقاب الحقوقيين المستقلين على أداء عملهم في التصدّي لانتهاكات حقوق الإنسان المروّعة في مصر، ومحاولة لفرض الصمت ليس فقط على المؤسسات الحقوقية المستقلة، بل كل المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر.
وأعقب الحكم الصادر ضد بهي الدين حسن مثول زملاء حقوقيين معتقلين منذ ما يقارب العام، محمد الباقر وماهينور المصري وعمرو إمام وسلافة مجدي وأسماء عبد الفتاح وغيرهم، على ذمة قضايا جديدة، ففي 31 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، تعرّضت ماهينور المصري وإسراء عبد الفتاح وسولافة مجدي، المحبوسات احتياطيًا على ذمة القضية 488 لسنة 2019 (حصر تحقيق نيابة أمن الدولة العليا) للتدوير في قضية جديدة – 855 لسنة 2020 أمام الجهة نفسها، بزعم "الانضمام لجماعة إرهابية ونشر شائعات كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي"، على خلفية تحرّيات جهاز الأمن الوطني التي ادّعت أن التواصل مع المتهمين في القضية كان "خلال أوقات التريّض، أو في أثناء جلسات النيابة والمحكمة". هذا على الرغم من أن الزيارات ممنوعة عن كل السجون منذ ستة أشهر، وعلى الرغم من أن المتهمات ممنوعاتٌ من التريّض، ومن الخروج لحضور جلسات تجديد الحبس، وليس معهن أيٌّ من وسائل التواصل مع العالم الخارجي. ولم يقتصر ضحايا عملية التدوير أخيرا على ماهينور وسولافة وإسراء، فقبلها بأيام (27 أغسطس)، تم تدوير المحامي عمرو إمام في القضية نفسها (855 لسنة 2020)، قبل إخلاء سبيله من القضية السابقة (488 لسنة 2019) التي اعتقل احتياطيًا على ذمتها منذ منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2019 (قرابة العام). وكذلك محمد الباقر المحامي الحقوقي الذي تم اعتقاله في 29 سبتمبر/ أيلول 2019، في أثناء حضور التحقيقات مع علاء عبد الفتاح، وحبسه احتياطيًا على ذمة القضية 1356 لسنة 2019، ليتم تدويره في القضية الجديدة (855 لسنة 2020).

أعقب الحكم ضد بهي الدين حسن مثول: محمد الباقر، وماهينور المصري، وعمرو إمام، وسلافة مجدي، وأسماء عبد الفتاح، وغيرهم، أمام القضاء على ذمة قضايا جديدة

والواقع أن الممارسات "الانتقامية" ضد الحقوقيين وصحافيي الرأي في مصر بتدوير اعتقالهم وحبسهم احتياطيًا في قضايا وهميةٍ باتهاماتٍ ملفقةٍ ومكرّرة، حتى في حال إخلاء سبيلهم/ إثبات براءتهم منها، صارت ممنهجةً منذ عام 2013، بفعل تعديلات قانون الإجراءات الجنائية التي أدرجها الرئيس المؤقت، عدلي منصور، للمادة 143، والتي أزالت قيد الالتزام بالحد الأقصى للحبس الاحتياطي، الأمر الذي زجّ مصر في مرحلة جديدة من الاعتقال القانوني والقضائي، بالسماح بالحبس المطوّل بأذون قضائية، ومن دون حكم بإدانة المتهم. وقد أصدرت "كوميتي فور جستس" تقريرًا مفصلاً عن تطوّر تلك الظاهرة في تقرير "السجون ومراكز الاحتجاز لشهري مايو ويونيو" من العام الجاري، حيث يقدّم التقرير تحليلاً للسياق القانوني والسياسي المرتبط بتكرار الحبس الاحتياطي لمئات من المتهمين على ذمة قضايا مختلفة بالاتهامات والتحريات نفسها التي غالبًا ما يحضرها جهاز الأمن الوطني. ورصدت المؤسسة في تقريرها للنصف الأول من العام الجاري 96 انتهاكًا على هذا النحو (الاعتقال المتجدّد/ المتكرّر) ووثّقت 15 انتهاكًا منها بحق ضحايا من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والسياسية والمهنية، ما يفيد بالنهج "الانتقامي" الذي انتهجته السلطات المصرية عبر آلية الحبس الاحتياطي.
تعلم الأنظمة القمعية والشمولية مدى خطورة وجود مجتمع حقوقي ومدني مستقل ومهني، وتدرك أهمية دور هذا المجتمع في حشد الأفراد، على اختلاف توجهاتهم السياسية على أرضية حقوق الإنسان المشتركة بين الجميع التي يعمل عليها بهي الدين حسن. ومن أجلها تعرّض للتهديد للقتل ومصادرة الأموال، والتي مات مؤمنا بها عصام العريان في سجن العقرب سيئ السمعة. وعلى الرغم من الاختلاف السياسي والأيديولوجي بين الرجلين، إلا أنهما اتفقا علي المعايير الأساسية باحترام حقوق الإنسان والعمل عليها، وهذا أشدّ ما يخشاه أي نظام شمولي وقمعي (وجود أشخاص أو أفراد يمثلون قيادات مقبولة لدى المجتمع، عابرين للأيدولوجيا، لديهم رصيد وطني، صوتهم مسموع لدى الدوائر الداخلية والخارجية، وغير ملوّثين بقضايا فساد أو جرائم جنائية)، فحينها يكون الشغل الشاغل لهذا النظام هو العمل علي محاولة عرقلة أي وجود لهذه الفئة، وكتم أصواتهم بشتى السبل، باستعمال طاقم أدواته الجاهزة، التهديد والقمع والاعتقال وإصدار أحكام بالسجن، كما تم مع بهي الدين حسن، أو القتل خارج إطار القانون بالحرمان من الرعاية الصحية الأساسية، كما تم مع الراحل عصام العريان.