بمناسبة العيد

بمناسبة العيد

10 يونيو 2019
الصورة

(محمد سعيد بعلبكي)

+ الخط -
قبل زمن، لما كانت الحياة أكثر بساطة وأقل وحشة، ومنسوب الشر في النفوس في حده الأدنى، وكانت المحبة والتسامح وقبول الآخر مفاهيم وقيما حقيقية، نمارسها بشكل فطري، لا علاقة له بالشعارات والاستعراض والافتعال. في الستينيات وحتى مطلع السبعينيات، اعتبرت مدينة الزرقاء (الأردنية) نموذجاً حضارياً حرياً بالاقتداء، وهي المدينة الصحراوية ذات البيوت المتواضعة والأزقة الكثيرة المحاطة بمتنزهات الرصيفة وبساتينها، وبرك السخنة، المكتظّة بدور السينما والمراكز الثقافية، وبالشبان ذوي السوالف الطويلة وسراويل الشارلستون العريضة الذين يطرحون أسئلة وجودية عميقة، ويسلمون رسائل الحب المهذّبة الخجولة، بشكل خفي، إلى الفتيات الجميلات في أثناء عودتهن أسرابا من المدارس متشحات بالخفر، مدينة الفقراء والمهمّشين والشعراء والمجانين التي يعبرها، من دون توقف، المسافرون إلى الشام والعراق والسعودية.
نتذكّر بكل الحنين والأسى نمط حياة فريدا، يمكن اعتباره نموذجياً من حيث التناغم والانسجام بين جماعةٍ بشريةٍ تنتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة، وفدوا إلى الزرقاء تباعا من بقاع مختلفة في مرحلة تاريخية عاصفة بالأحداث السياسية الكبرى، استقرّوا فيها، وأصبحت مدينتهم المعشوقة التي تكونت، بمحض المصادفة والغبار حول المعسكرات، وتحوّلت في زمن قياسي إلى مركز إشعاع ثقافي واقتصادي واجتماعي. وتمكن أهلها من بناء أسس مدينة كبرى، يتسع حضنها للجميع، ونجحوا في بناء منظومة علاقات جوار إنسانية استثنائية متينة متجاوزة الاعتبارات العرقية والدينية والمناطقية في لحظة إشراق ثرية متنوّعة مدهشة، أضافت إلى المدينة خصوصية وتفرّدا قبل هبوط شبح أيلول الأسود الرهيب (1970)، وما تلاه من تحولات في بنية المجتمع الأردني، ما أطاح الفكرة الجميلة، واغتال الحلم، وقسم العرب الى عربين، فنشأت وتغذّت الحسابات الإقليمية والمناطقية البغيضة، وصار الجيران الذين أكلوا يوما من الطبق نفسه ألد الأعداء. وتلك حكاية أخرى.
في ذلك الزمن الذهبي الغابر، تجلت قيمة الجيرة باعتبارها الأشد تأثيرا من قرابة الدم والانتماء المناطقي والهوية الدينية التي لم تكن لتحدث أي فرق، باستثناء اختلاف الطقوس المتّبعة في الأعياد الدينية، ولطالما انتظرنا في صغرنا، باللهفة ذاتها، قدوم بابا نويل إلى الحارة موزّعا الهدايا، وتشوقنا إلى موعد تشييد شجرة عيد الميلاد في بيت الجارة الساحورية حدثا يستحقّ البهجة، وهي التي تشارك جاراتها المسلمات في إعداد كعك العيد، وتستقبلهن في عيد الفصح، وتحدّثهن عن العيد في بيت ساحور، وتوزّع على الصغار البيض الملون.
في ليالي الصيف الطويلة، يجلس الرجال، بعد يوم عملٍ طويل، على كراسي القش، أمام البيوت، يلعبون الورق وطاولة الزهر. ويُمنى أبو محمود بهزيمة نكراء في مواجهة أبو جورج، ويتوعد بالانتقام السريع، ويتعهد بتنفيذ الشرط، وإحضار الكنافة للجميع من عند القاضي. تنخرط النساء في أحاديث خفيفة، لا تخلو من نمائم صغيرة، يلعب الصغار، ويتشاجرون بين حين وآخر، ثم يحلّون خلافاتهم سريعا، يواصلون اللعب، غير عابئين بالنقاش بشأن الخلاف بين جمال عبد الناصر والملك حسين. تقدّم أكواب الشاي المحلى، وتعلو أصوات الضحكات من جديد.
نتذكر ملامح ذلك الزمن البريء، النقي العفوي البهي، بحزنٍ شديد، ونحن نلمس مظاهر التطرّف وكراهية الآخر، مدعمة بالفتاوى الغاشمة التي تحرّم مشاركة النصراني أفراحه، والترحم عليه عند وفاة النصراني. وعلى الجانب الآخر الذي لا يقل تطرّفا ورفضا للآخر، وتسفيها لمعتقده، يبرز نموذج غريب، ملتبس مرتبك، يدّعي العلمانية واللادينية، يكرس قلمه لمهاجمة أتباع دين معين. وفي الوقت نفسه، يحتفل بطقوس ورموز دين آخر في تناقض فج صارخ، يفقده المصداقية والقدرة على التأثير، ويستفز المشاعر، بغية إحداث جلبة، ليس لها أي هدف منطقي سوى لفت النظر.
وعلى الرغم من كل السواد الذي يكتنف حاضرنا على غير صعيد، تبقى الأعياد ملكية مطلقة لخيال الأطفال، وليس من حق أي أحد انتهاكها أو التقليل من سحرها أو مصادرة حق الصغار في الفرح تحت أي ذريعة.