بعد فشل تمرير "إعادة تنظيم الأزهر"

22 مايو 2017
الصورة

(جامع الأزهر)

أثار مشروع قانون تنظيم الأزهر، الذي أعلن عنه النائب محمد أبو حامد عضو ائتلاف "في حب مصر"، جدلًا في الأوساط المصرية، لاشتماله مواد تُعِيد المؤسسة إلى إرث الدولة الناصرية الذي ثارت عليه بعد تعديلات قانون تنظيم الأزهر 2012، الذي ضمن استعادة هيمنة مشيخة الأزهر على المؤسسات الدينية كافة، سواءً دار الإفتاء أو وزارة الأوقاف؛ حيث تبدو هذه المؤسسات بعد الثورة وكأنها تتبع التنظيم الهيراركي للمشيخة.
أغلق رئيس مجلس النواب الباب على تعديلات قانون تنظيم الأزهر، بعد زيارته المشيخة على رأس وفدٍ برلماني أوائل مايو/ أيار الجاري، وكذلك بعد تقدّم أكثر من 300 عضو في مجلس النواب لرفض مناقشة مشروع قانون أبو حامد لتعديل نصوص قانون تنظيم الأزهر، بالإضافة إلى رفض اللجنة الدينية في مجلس النواب القانون. وعلى الرغم من فشل محاولة تعديل القانون، يثور تساؤل بشأن ما يُمثله قانون تنظيم الأزهر 1962 وتعديلاته في 2012 في معادلة تجديد الخطاب الديني التي يتبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهل سنكون على موعدٍ بمحاولات جديدةٍ لتعديل قانون تنظيم الأزهر في الفترة المقبلة؟
ليس غريبًا أن تتركّز رؤية النائب أبو حامد لتعديل قانون الأزهر على هيئة كبار العلماء، خصوصاً مع بروز دورها أخيرًا في مواجهة مسائل دينية عديدة، طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي، مثل قضية الطلاق الشفوي والخطبة الموحدة المكتوبة. هدفت تعديلات قانون تنظيم الأزهر إلى توسيع دائرة هيئة كبار العلماء لتشمل أعضاءً من خارج المؤسسة الدينية، مثل علماء النفس والاجتماع والعلوم الدنيوية والحياتية التي لا تنفكّ عنها مصالح المسلمين في أيامنا هذه، بالإضافة إلى ضرورة اشتراك أعضاء مجمع البحوث الإسلامية مع هيئة كبار العلماء في انتخاب شيخ الأزهر.
ارتبط ذلك كله باعتبارات بعضهم، مثل النائب أبو حامد، أن هيئة كبار العلماء تُمثّل عقبة أمام مسألة تجديد الخطاب الديني، خصوصا أنها بمثابة دينامو السياسة الدينية في مصر، منذ تعديلات قانون تنظيم الأزهر 2012؛ حيث يُوكل لها ترشيح اسم مفتي الجمهورية، فضلًا عن سلطتها في انتخاب شيخ الأزهر من بين أعضائها. بالإضافة إلى ذلك، تتخوف دوائر وأجهزة من الميول الفكرية والأيديولوجية لبعض أعضاء الهيئة، مثل الشيخ حسن الشافعي ومحمد عمارة.

من ناحيةٍ أخرى، اعتمد شيخ الأزهر أحمد الطيب على هيئة كبار العلماء في مواجهة بعض قرارات السلطة التنفيذية؛ حيث استعان بها لمواجهة قرارات عديدة أخيراً، أبرزها قضية الطلاق الشفوي وقرار الخطبة المكتوبة، بعكس مواجهة الشيخ عبد الحليم محمود الرئيس أنور السادات بإعلانه استقالته منفردًا، احتجاجًا على قرار إخضاع الأزهر لسلطة وزارة الأوقاف، في 1974؛ حيث أعلن وقتها أنه لن يسمح بذلك، مما أدى بالسادات إلى التنازل عن القرار، وعدل شيخ الأزهر عن استقالته.
ووقفت زيارة بابا الفاتيكان شيخ الأزهر وإلقاؤه كلمة في مؤتمر الأزهر للسلام، أواخر أبريل/ نيسان الماضي، حائلًا أمام تمرير مشروع القانون الذي تقدّم به النائب محمد أبو حامد؛ حيث أبرزت الزيارة رسالة الأزهر العالمية للدعوة إلى السلام وتقدير العالم الخارجي له، وهو ما يتناقض مع ما يُروجه المناوئون لدور المؤسسة الدينية أخيرا، باعتبارها واحة للفكر المتشدّد، وملاذًا لرافضي مبادئ المواطنة والعيش المشترك. أودع ذلك كله المناوئين لسلطة الأزهر في صدامٍ مباشرٍ مع الرأي العام المصري الداخلي، الذي التف حول مؤسسة الأزهر، باعتبارها أحد أهم مصادر قوة مصر الناعمة، والتي يُمكن الاتكاء عليها مستقبلًا في العلاقات الخارجية، بدلًا من محاولات إضعافها.
تؤكد هذه الشواهد مُجتمعة أن مسألة تعديل قانون تنظيم الأزهر قادمة، خصوصاً في ظل درجات الاستقلالية الواسعة التي يتمتع بها الأزهر، وهو ما يتناقض مع استمرار إجراءات التضييق على المجال العام المصري منذ عزل مرسي، واعتبار مسألة فشل تمرير القانون تعود، بالأساس، إلى سوء اختيار التوقيت المناسب، وليس لغياب الإرادة السياسية في ذلك؛ حيث لن تتحمّل السلطة الحالية أن يظل الأزهر مُغرّدًا خارج فلك دعوات الرئيس عبد الفتاح السيسي لضرورة تجديد الخطاب الديني. فطنت بذلك الدوائر المحسوبة على المؤسسة الدينية؛ حيث تبادر الآن لإعداد مشروع قانونٍ متكاملٍ بشأن تنظيم الأزهر والمؤسسات التابعة له، بما لا يتعارض مع استقلال الأزهر، وما اكتسبه بعد يناير/ كانون الثاني 2011، خصوصا عند النظر إلى تعالي الأصوات وتجييش الحملات الإعلامية ضد مؤسسة الأزهر بعد كل حدثٍ إرهابي تشهده مصر، أو حتى خروج آراء فقهية من بعض منتسبي المؤسسة، مثل ما حدث مع الشيخين، سالم عبد الجليل وعبد الله رشدي بعد تكفيرهما منتسبي المسيحية.
E08E7DA3-41A1-4555-80C1-5170F8AB8639
محمود عبد العال