بالتواريخ والتوقعات... هكذا تخطف الماكينات وظائف الإنسان

بيروت
حيدر عبدالله الحسيني
01 يوليو 2020

لا شك في أن الإنسان استفاد كثيراً من تطويره الآلات والروبوتات في مختلف ميادين الحياة، لكنه يدفع ثمناً باهظاً لهذا التطوّر لناحية إحلال الماكينات مكانه في العديد من الوظائف، ما يعني خسارته فرص العمل.

فكيف تطوّرت الأتمتة على حساب الإنسان؟ وما الآفاق المستقبلية أمامها؟

دراسة من المؤسسة البحثية "أكسفورد إيكونوميكس" توقعت قبل 3 سنوات أن يُستبدَل ما يصل إلى 20 مليون وظيفة في القطاعات الصناعية حول العالم بأجهزة الروبوت بحلول عام 2030، في حين من المرجح أن يجد الأشخاص النازحون من تلك الوظائف أن فرص العمل المماثلة في قطاعات الخدمات قد تقلصت أيضاً بنتيجة "المكننة" (الأتمتة).

لكن الدراسة تضيف أن زيادة "الأتمتة" ستعزز فرص العمل والنمو الاقتصادي، ودعت إلى اتخاذ إجراءات لتلافي زيادة مضرّة لتفاوت الدخل.

وقالت الشركة إن كل "روبوت" صناعي جديد يمحو 1.6 وظيفة في قطاع التصنيع، علماً أن المناطق التي يكون فيها مزيد من الناس الأقل مهارة والتي تميل إلى أن تكون اقتصاداتها أضعف وفيها معدلات بطالة أعلى، تبقى أكثر عرضة لفقدان الوظائف بفعل انتشار "الروبوتات".

كما يميل العمال المنتقلون من التصنيع، إلى الحصول على وظائف جديدة في مجالات النقل والبناء والصيانة والأعمال المكتبية والإدارية، وهي قطاعات بدورها عرضة للأتمتة.

"أكسفورد إيكونوميكس" قالت إن كل "روبوت" إضافي يدخل الخدمة العملية في المناطق ذات المهارات المتدنية يمكن أن يؤدي في المتوسّط إلى خسارة وظائف بمعدّل الضعفين تقريباً قياساً بخسارة الوظائف في المناطق ذات المهارات العالية داخل البلد نفسه، الأمر الذي يؤدّي إلى تفاقم عدم المساواة الاقتصادية والاستقطاب السياسي الآخذ بالتصاعد أصلاً.

من هنا، يجد صانعو السياسات وقادة الأعمال والعمّال والمعلّمون أنفسهم مدعوّين إلى التفكير في كيفية تطوير مهارات القوى العاملة، من أجل تكييفها مع "الأتمتة" المتزايدة.

الدراسة أشارت أيضاً إلى أن نحو 1.7 مليون وظيفة تصنيع فُقدت بالفعل لمصلحة "الروبوتات" بين عامَي 2000 و2016، بما في ذلك 400 ألف وظيفة في أوروبا و260 ألفاً في الولايات المتحدة و550 ألفاً في الصين.

وتنبأت الدراسة بأن تحصل الصين على أكبر عدد من عمليات "الأتمتة" الصناعية، بما يصل إلى 14 مليون "روبوت" صناعي بحلول عام 2030، في حين يمكن استبدال بضع مئات آلاف الوظائف في المملكة المتحدة.

ومع ذلك، إذا زادت منشآت "الروبوت" 30% في جميع أنحاء العالم، فإن ذلك من شأنه أن يُضيف 5 تريليونات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب تقديرات "أكسفورد".

خسارة الوظائف بالملايين

تشير الدراسة إلى ملايين الوظائف التي خسرها الإنسان بسبب المكننة، وتحديداً بين عامَي 2000 و2016، حيث فقد الاتحاد الأوروبي 400 ألف، الصين فقدت مليوناً، الولايات المتحدة 1.2 مليون، كوريا الجنوبية 1.6 مليون، وبقية العالم 1.7 مليون، وفقاً لدراسة "أكسفورد إيكونوميكس".

الصورة
خسارة الوظائف حول العالم بسبب المكننة

 

وتتنبأ دراسة "مستقبل التوظيف" الصادرة عام 2013 عن جامعة "أكسفورد" و"أكسفورد مارتن سكول" أن يتم تشغيل 47% من وظائف الولايات المتحدة تلقائياً خلال 20 عاماً من تاريخها، فيما تعتقد مؤسسة "فوريستر" Forrester عام 2016 أن تتم مكننة نحو 7% من الوظائف الأميركية بحلول عام 2025.

وتتوقع دراسة أجراها "معهد بروكفيلد للابتكار وريادة الأعمال" Brookfield Institute for Innovation + Entrepreneurship استبدال 40% من الوظائف الكندية في غضون 10 أعوام إلى 20 عاماً فقط. وفي المملكة المتحدة، من المتوقع أتمتة 850 ألف وظيفة بحلول عام 2030.

تقرير أجرته "منظمة العمل الدولية" ILO، يتحدث عن كيف يمكن أن يفقد 137 مليون عامل في جنوب شرقي آسيا وظائفهم خلال 20 عاماً.

ويبدو أن جميع هذه الدراسات لها الإطار الزمني العام نفسه لما ستؤدي إليه "الأتمتة" من تعطيل كبير لسوق العمل.

تشكيك في سرعة التغيير

ومع ذلك، تعتقد دراستان أخريان أن الأمر لن يسير بهذه الخطى السريعة، إذ تتوقع دراسة أجراها "معهد ماكينزي العالمي" McKinsey Global Institute أن يحدث الانتقال إلى مكان عمل تُهيمن عليه الآلة بوتيرة أبطأ وأكثر تدرّجاً مما يعتقده الآخرون.

وفي دراسة استقصائية شملت أكثر من 2000 نشاط عبر 800 وظيفة، حددت الدراسة المهام الممكنة أتمتتها، وأي الوظائف جاهزة عملياً للأتمتة. والخلاصة، يمكن أتمتة 5% فقط من الوظائف بالكامل باستخدام "التكنولوجيا المثبتة حالياً". وعليه، يُعدّ عام 2055 أقرب وقت ممكن لأتمتة نصف أنشطة العمل في العالم.

وتردّد هذا الموقف في تقرير نشرته "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" OECD عام 2016، إذ خلص إلى أن 9% فقط من الوظائف قابلة للأتمتة في البلدان الأعضاء في المنظمة والبالغ عددها 21 بلداً.

دراسة "فوريستر" أشارت أيضاً إلى أن شركات مثل "فيسبوك" Facebook و"غوغل" Google، تعمل على تطوير خوارزمياتها من خلال بناء مجموعات ضخمة من البيانات. وتعمل كلتاهما على إنشاء مجموعة أساسية من الذكاء الاصطناعي والخدمات المعرفية التي يمكن للشركات الأُخرى النقر عليها بحلول عام 2021. ويستخدم "فيسبوك ماسينجر" Facebook's Messenger فعلاً أكثر من 33 ألف روبوت.

وما يثير القلق أن 93% من خبراء الأتمتة يعتقدون أنهم مستعدون جزئياً فقط لمواجهة تحديات التعامل مع التقنيات الذكية، بحسب "فوريستر".

2025 نقطة تحوّل؟

شيء واحد تُجمع عليه كل التقارير، وهو حقيقة أن الأتمتة ستحدث في مكان العمل، وأنها بدأت فعلاً في بعض الحالات، كما حصل في شركتَي "ولمارت" Walmart و"أمازون غو" Amazon Go، وهي شركة يابانية للتأمين على الحياة، وكذلك "باركليز" Barclays، فضلاً عن طفرة المركبات والسيارات ذاتية القيادة.

وسواء وصلت الأتمتة إلى نقطة التحوّل في عام 2025 أو 2030 أو 2055، إلا أن الوقت لا يزال متاحاً للتحضير والتكيّف، ولذلك فإن استمرار القيام بمثل هذه الأبحاث سيساعد في توضيح أفضل مسار باتجاه المستقبل.

الإنفاق على الذكاء الصناعي

وقد تطوّر الإنفاق العالمي على الذكاء الصناعي بوتيرة متسارعة؛ ففي سنة 2000 بلغ 7.4 مليارات دولار، قبل أن يصعد تدريجاً إلى 10.8 مليارات عام 2005، ثم إلى 15.1 ملياراً عام 2010، و26.9 في 2015، وصولاً إلى 42.9 ملياراً كانت متوقعة لعام 2020 قبل جائحة كورونا التي يُنتظر أن يكون لها تأثيرها على الإنفاق التشغيلي والتطويري على حد سواء، علماً أن التوقعات السابقة لسنة 2025 تشير إلى مبلغ 66.9 ملياراً، وفقاً لدراسة أجرتها "مجموعة بوستون الاستشارية" Boston Consulting Group.

الصورة
تطوّر الإنفاق العالمي على الذكاء الصناعي بحلول عام 2025

 

السياق التطوّري التاريخي

مات فيركويلين Matt Verkuilen من "سيمتك أوتومايشن" CIMTEC Automation الاستشارية في عالم المكننة، تناول مطلع سنة 2020، أبرز المحطات التاريخية لتطوّر المكننة منذ قرابة منتصف القرن العشرين، يشير فيه إلى أن استخدام أول "روبوت" في الصناعة عملياً وجدياً حصل في الولايات المتحدة عام 1961، في عملية تفريغ الأجزاء في منشأة لصب القوالب، مع أن الأفكار بدأت تُترجَم قبل ذلك بفترة.

وبعد نحو 20 عاماً، استفاد المصنعون اليابانيون من التصاميم الجديدة لإدخال خطوط الإنتاج الآلية. وعلى مر السنين، تقدّمت "الروبوتات" والذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة، فيما تستمر عمليات التصنيع والتخزين في إيجاد طرق جديدة لتحسين العمليات ودمجها.

على سبيل المثال، يمكن استخدام الأجهزة الروبوتية لأداء المهام الروتينية بدقة على خط التجميع، من خلال تقليل- أو إزالة- احتمال التعب البشري أو الملل، بما يمكّن الشركات من القضاء على الأخطاء من أساسها. كما تُعزّز الروبوتات شروط سلامة العمل، من خلال استبدال عمل البشر العاملين في بيئات خطرة، بما يقلل فترة التوقف عن العمل بسبب الإصابات والحوادث.

ورغم الإثارة التي تتمتع بها الأتمتة بالنسبة إلى المصنّعين الآن، فإن المستقبل يحمل إمكانات لا حدود لها، فبفضل التطور السريع للذكاء الصناعي، أصبحت الروبوتات أكثر ذكاءً واستقلالية، ومن المتوقع أن يتمكن البشر والآلات قريباً من التعاون على نحو أوثق في أداء وظائف أكثر تعقيداً.

أبرز المحطّات التاريخية

استناداً إلى "سيمتك أوتومايشن" CIMTEC Automation و"ثينك أوتومايشن" ThinkAutomation، أمكن رصد سيرورة النشأة والتطوّر والتوقعات المستقبلية في عالم الأتمتة. وفي السيرورة التاريخية لتطوّر المكننة وإحلالها مكان الإنسان، يمكن عرض أبرز المحطات على النحو الآتي:

1939
عُرض أول روبوت مادي اسمه "إلكترو" Elektro في المعرض العالمي، مشكّلاً نقطة رئيسية في تاريخ الأتمتة. فبأوامر بشرية، تمكّن من السير وتدخين السجائر وتفجير البالونات.

1947
"جنرال موتورز" GM تؤسّس قسم "أتمتة" لمراقبة تطوّر عمليات التحكّم بالماكينات على خطوط التجميع.

1948
اخترع ويليام جراي والتر أوّل روبوتات مستقلة في تاريخ الأتمتة على شكل سلحفاتين باسم "إلمر" و"إلسي"، استطاعتا أن تجدا طريقيهما حول العوائق من دون مساعدة الإنسان، باتباع الضوء واستخدام جهاز استشعار الاصطدام.

1950
ابتكر آلان تورينغ Alan Turing طريقة لقياس "ذكاء" الآلة اختبرت قدرتها على "التفكير"، في ما يُعرف باسم "اختبار تورينغ" الذي لا يزال مستخدماً حتى اليوم.

1956
قدّم مؤتمر جامعة دارتموث مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، ومجال أبحاث هذا النوع من الذكاء.

الستينيات
ابتُكرت دوائر متكاملة، وإنجازات متقدّمة في سعة تخزين الكمبيتور، وتوسيع التطبيقات الصناعية المخصصة لعلم الروبوتات.

1961
الولايات المتحدة قدّمت أول روبوت حقيقي مهمته تفريغ الأجزاء في عمليات الصبّ.

1966
شملت الروبوتات البارزة في الستينيات برنامج الدردشة العلاجي "إليزا" Eliza في هذا العام، وكانت بدايته مجرّد مزحة قبل أن يُطوَّر لاحقاً.

1968
اختُرع روبوت جوّال باسم "شايكي" Shakey.

السبعينيات والثمانينيات
اعتُبرت هذه الفترة بمثابة فصل الشتاء للذكاء الاصطناعي، حيث تضاءل الاهتمام بتطويره، وأصبح الناس أكثر تشاؤماً حيال فرص نجاحه، لكن الأبحاث في هذا المجال لم تنتهِ، بل خرجت من دائرة الضوء لبعض الوقت.

1981
أطلقت اليابان تصميماً ثورياً يزيد سرعة الروبوتات ورشاقتها، سكارا SCARA (الذراع المفصلية المطاوعة الانتقائية)، ووضعته بعد ذلك بوقت قصير في الخدمة لدى شركة "ميتسوبيشي".

1985
أبصر مصطلح "الواقع الافتراضي" VR النور مع أول مبيعات لقفازات هذا الواقع ونظاراته.

1989
اخترع السير تيم بيرنرز لي روابط تشعّبية ونصوصاً تشعّبية، واستخدمها لاختراع شبكة الويب العالمية (الإنترنت).

التسعينيات
بدأت الأتمتة المحوسبة في التطور، وشكلت التسعينيات بداية تطوّر الذكاء الاصطناعي بعيداً من الروبوتات المادية لصالح البرامج الرقمية.

كما رُبطت الأتمتة مع إدارة عمليات الشركات BPM، لإرساء أنظمة روبوتية مدمجة ومتقدمة.

ونشرت وكالة "ناسا" أول نظام آلي مستقل لها على سطح المريخ باسم "سوجورنر" Sojourner.

وأصبحت برامج الإنترنت وغيرها من برامج استخراج البيانات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من الاستخدام الواسع للشبكة العنكبوتية.

1996
حاسوب "ديب بلو" Deep Blue، يخسر بطولة العالم في الشطرنج مقابل الروسي غاري كاسباروف، لكنه يعود ويهزمه سنة 1997. وكانت هذه مناسبة بشّرت بتطوّر سريع في عالم الذكاء الصناعي للروبوتات.

الألفية الثالثة
عانى تاريخ الأتمتة فجوة واضحة في تقدم التكنولوجيا أوائل الألفية الثالثة، وانخفض الاهتمام التجاري فجأة بحلول الإدارة الآلية.

2000
أزاحت "هوندا" الستارة عن الروبوت ذي البنية البشرية "أسيمو" ASIMO.

2011
"آبل" تقدّم برنامج التحقق من الأصوات "سيري" SIRI، الذي كان من شأنه تحفيز التطوّر السريع لمشروع الواقع الافتراضي VR.

حاضر الأتمتة

أصبحت أتمتة العمليات التجارية BPA والتي أصبحت في الآونة الأخيرة مشهورة باسم أتمتة العمليات الروبوتية RPA، أكثر دقة وكفاءة من أي وقت مضى. في الوقت الحاضر، أصبح برنامج الأتمتة ضرورة وليس ترفاً، ويؤدي استخدامه على نطاق واسع إلى تحسين وقت الموظف وعمله، ويؤدي إلى وفورات هائلة في الموارد.

والبشر يختبرون عجائب الذكاء الاصطناعي يومياً، سواء كان ذلك عبر "تويتر" Twitter أو في رسائل البريد الإلكتروني أو في ألعاب الفيديو أو في أي مجال آخر. وأصبح لدى الناس مساعدون للذكاء الاصطناعي في هواتفهم وسياراتهم ومنازلهم، مع أنها أدوات غير مثالية على الدوام.

مجالات التطبيق الأساسية حالياً

تشمل هذه المجالات: التجميع، التذويب والصب، التقطيع والطحن والتلميع، اللصق والختم، الدهان، مراقبة الجودة، التقاط الأوامر، التعليب والبليت، النقل، وتسليم المواد.

وتلعب الروبوتات دوراً إيجابياً في تطوير شروط السلامة والأمان لعمل الصناعيين، من خلال: إبقاء البشر بعيدين عن البيئات الخطرة والقاسية، خفض الإصابات الناتجة من الأخطاء البشرية أو الإجهاد، الحلول مكان العمل البشري في المهام المملة والمتكررة، وإجراء المناولة لعمليات الرفع الثقيلة.

مستقبل الأتمتة واتجاهاتها الخمسة

بالرغم من بعض المطبات على طول مساره، إلا أن تاريخ الأتمتة شهد كثيراً من النجاح في فترة زمنية قصيرة نسبياً، فيما الواضح أن مستقبل الحياة يبدو آلياً أكثر فأكثر.

أما اتجاهات تطوّرها الأساسية فهي خمسة: 

1 – الميكروبوتات: تساعد في حالات الطوارئ، وتستكشف المساحات الصغيرة أو الخطرة.

2 - الروبوتات المستقلة: آلات متحركة تنقل المنتات عبر المخازن والمصانع.

3 - الآلات الصحية: العناية بالصحة وبكبار السن ستشهد طفرة نمو حيوية تقودها روبوتات إعادة التأهيل، والأطراف الاصطناعية النشطة، والهياكل الخارجية. وقد بدا دورها متقدماً مع انتشار جائحة كورونا وحاجة الكادر الطبي إلى حفظ مسافة آمنة وشروط سلامة عالية الدقة في التعامل مع المصابين بالفيروس.

4 - الطائرات الذاتية المخصصة للنقل، الزراعة، مسح المخازن، وغير ذلك من المهام المتنوعة.

5 - الروبوتات التعاونية: مجموعة روبوتات تتعاون معاً لإنجاز مهام أكثر تعقيداً.