باكستان: المواجهة بين خان وشريف تنتقل إلى القضاء

15 يوليو 2019
الصورة
مريم نواز وعمها شهباز شريف (عارف علي/فرانس برس)
تشهد باكستان صراعاً سياسياً حادّاً بين الحكومة والمعارضة، بدأ قبل أيام مع عقد كلّ من مريم نواز، ابنة نواز شريف، وزعيم المعارضة في البرلمان شهباز شريف، شقيق نواز، ورئيس الوزراء السابق سيد خاقان عباسي، والقيادي في حزب "الرابطة الإسلامية ـ جناح نواز شريف"، أحسن إقبال، مؤتمراً صحافياً، جاء فيه أن الحكم القضائي بسجن سبع سنوات على نواز شريف من قبل محكمة مكافحة الفساد، في قضية تهريب الأموال والفساد، كان نتيجة الضغوط الحكومية. وحاول المجتمعون تأكيد ذلك ببث تسجيل مصور للقاضي في محكمة مكافحة الفساد، أرشد ملك، الذي يقول فيه متوجهاً بالحديث إلى أحد قياديي "الرابطة الإسلامية ـ جناح نواز شريف" ناصر بت، إنه "حكم على نواز شريف بالسجن بسبب ضغوط من جهات مجهولة، ومن الحكومة". وسأل بت: "من هي الجهة المجهولة؟"، لكن القاضي رفض الحديث عنها، مؤكداً أن "شريف ظُلم وأنه حزين ومتأسف على ما فعل".

وأثار التسجيل ضجة في الأروقة السياسية والحكومية. وكان رئيس الوزراء عمران خان أول من رد على التسجيل، قائلاً إن "الحكومة ستحقق في مصداقية هذا التسجيل"، بينما اتهم مسؤولون في الحزب الحاكم والحكومة حزب نواز شريف بأنهم فبركوا التسجيل من أجل الإساءة لسمعة مجلس الوزراء. عليه، أجرت الحكومة تحقيقاً علنياً في مصداقية التسجيل، وسط تكهّن مراقبين بإيقاع حزب الرابطة نفسه في مستنقع جديد، في ظلّ مواجهة قياداته ملفات قضائية، في حال كان التسجيل مزوراً. أثبتت التحقيقات أن التسجيل ليس مزوراً، وأنه توجد أدلة وتسجيلات أخرى كشف عنها حزب نواز شريف أكدت صحة التسجيل. ومن تلك الأدلة تسجيل مصور آخر بثه حزب الرابطة، يثبت أن القاضي نفسه أرشد ملك، أرسل سيارته الحكومية من أجل نقل ناصر بت. بعد هذه التطورات نأت الحكومة بنفسها عن الملف، معتبرة أن القضية متعلقة بالمؤسسة القضائية وعليها أن تحقق فيها، مع تشديدها على مضيّها في "معاقبة من سرق أموال الشعب الباكستاني ونهبها إلى الخارج".

دفع كل ذلك الحكومة إلى إقالة القاضي أرشد ملك، الذي وجّه رسالة إثر ذلك، اتهم فيها حزب نواز شريف بأنه "قدّم له رشى كبيرة من أجل التلفيق في الحكم ولكنه رفض ذلك، وأن الحزب حاول مستخدماً جميع السبل للتأثير على الحكم في حق نواز شريف". وأعطت رسالة القاضي فرصة جديدة للحكومة لمواجهة حزب نواز شريف. في السياق، ذكرت فردوس عاشق إعوان، المستشارة الإعلامية لرئيس الوزراء عمران خان، أن "الشهادة الخطية للقاضي ليست ورقة اتهام، بل شهادة تظهر الوجه الحقيقي لمافيا شريف"، مضيفة أن "حزب الرابطة الإسلامية يستخدم كل شيء من أجل إخفاء الفساد وغسل الأموال".



كما فتحت تلك الشهادة صفحة جديدة من الصراع بين الحكومة وحزب الرابطة وفي أعلى المستويات، فوصف خان الحزب بأنه "مافيا لتهريب الأموال، تسعى من خلال الضغوط على المؤسسة القضائية أن تخفي الأموال التي نهبها وأن الأحداث الأخيرة تثبت ذلك". وردّت مريم نواز عليه، في تغريدات على "تويتر"، قائلة "أنت يا عمران خان جزء من مافيا نهب وتهريب الأموال، وتستخدم المؤسسة القضائية من أجل الانتقام من معارضيك السياسيين".

في هذا السياق، قال وزير الإعلام فؤاد شودري، في تصريحات صحافية، إن "القضية متعلقة بالمؤسسة القضائية والحكومة تؤمن بعدم التدخل في شؤونها لأنها إدارة مستقلة"، مطالباً جميع الوزراء والمسؤولين الحكوميين بـ"عدم التدخل في القضية". مع العلم أن شودري نفسه من اتهم حزب الرابطة بالتلفيق والتزوير.

وعلى الرغم من إعلان الحكومة ألا "دخل لها في القضية، وأن على المحكمة العليا أن تتعامل معها"، غير أنها تعاملت مع المسألة على محمل الجدّ، واعتبرتها تحدياً كبيراً لها. اتخذت الحكومة كل الإجراءات كي تواجه حزب الرابطة، إذ توقع خبراء القانون صعوبة تمضية نواز شريف 7 سنوات في السجن. وقال المحامي في المحكمة العليا إحسان الدين لوسائل إعلام محلية، إن "التسجيل جعل حكم القضاء في حق نواز شريف بالسجن متنازعاً عليه". كما قال وزير السكك الحديدية شيخ رشيد أحمد، في مؤتمر صحافي له، إنه "إذا حصل نواز شريف على البراءة في هذه القضية فإن قضايا أخرى في المحكمة تنتظره وقد يتم معاقبته فيها".

ولم يتوقف النزاع بين الحكومة والمعارضة على المحاكم فقط، بل تعدّاه إلى استغلال المعارضين الحالة المعيشية الصعبة والإضرابات الشاملة، التي دعت إليها نقابات التجّار في معظم مناطق البلاد احتجاجاً على الآلية الجديدة للضرائب. وقال القيادي في الحزب الحاكم راجه بشارت، إن "المعارضة وتحديداً حزب الرابطة، حاول من خلال تحريك نقابات التجار خلق عقبات للحكومة وسياساتها التي تهدف إلى القضاء على الفساد، ولكن معارضة بعض النقابات للإضرابات تثبت أحقية موقف الحكومة".

في المحصلة، قد تكون هذه بداية لما اتفقت عليه المعارضة قبل فترة، وهو العمل على كل المستويات من أجل الوقوف في وجه ما تسميها "السياسة الانتقامية للحكومة في حق المعارضين"، ومن أجل إسقاط الحكومة في المرحلة التالية. وهو ما أكدته تصريحات لزعيم الجمعية الإسلامية المولوي فضل الرحمن، أحد أكبر المعارضين لرئيس الوزراء عمران خان، التي قال فيها إنه "في شهر محرم المقبل (بين 31 أغسطس/ آب و29 سبتمبر/ أيلول المقبلين) ستغلق المعارضة العاصمة إسلام أباد والمدن الرئيسية، إذ إن التخلص من الحكومة الحالية أمر محتم لمستقبل البلاد".



تعليق: