انقلاب حفتر الذي يتكرّر

30 ابريل 2020
الصورة
قرّر مجلس النواب الليبي، في شقه الطبرقي، منح مجرم حرب، وأسير حرب، وعميل علني لجهاز الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)، رتبة مشير، أعلى رتبة تمنح لضابط في حال انتصارٍ في معركة كبرى، بدلا من محاسبته ومعاقبته. وبدوره، قرّر "المشير" حل مجلس النواب بعد هزائمه الأخيرة على أسوار طرابلس ومدن الساحل الغربي. وبذلك، تخلّى عن الغطاء القانوني والسياسي الذي منحه نوعا من شرعية الأمر الواقع، وصار مكتفيا بغطاءٍ من النياشين لهزائم تاريخية، من أيام وقوعه أسيرا في حرب تشاد في العام 1987، وصولا إلى خيبات ساعات الصفر التي حرّرت العاصمة الليبية طرابلس من براثن العصابات الإرهابية والمرتزقة. 
والحق أن "المشير" تفوّق على رفيق سلاحه، معمر القذافي، في الظهور الساخر على الكاميرات، فالأول كان يمتلك حسا ساخرا، وموقفا ثوريا معاديا للإمبريالية، فيما هذا يصطنع مهابة مفقودة، وهو موظف متقاعد من "سي آي إيه". ومنذ ظهوره الأول إلى الأخير، يتحدث بلغة حاسمة صفرية يكذبها الواقع سريعا. الثابت في كل سلوكه أنه يحمل مركّب نقص، منذ وقوعه أسيرا ذليلا، انعكس عنفا ودمويةً يعبر عنها ضباطه الدواعش، من أمثال محمود الورفلي، المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وهو مارس كل أفعال "داعش" مع الأحياء بالمرجعية الشرعية نفسها، وزاد عليها نبش قبور الأموات.
في محاولة فهم المشهد المسخرة، انقلب حفتر بدايةً على الحكومة الشرعية التي وُلدت من رحم شرعية ثورية، وقرارات دولية، وانتخابات نزيهة، وصار قائدا عاما، معتمدا على الانشقاق الجغرافي والقبلي والوصاية الإماراتية المصرية السعودية، وصار مشيرا وقائدا عاما، ويستقبل مبعوثين دوليين، ويُستقبل في العواصم العالمية.. وعاد لينقلب على الجهة الوحيدة التي تعطيه غطاء سياسيا، وهو البرلمان المنشق في طبرق، ورئيسه عقيلة صالح الذي يمنحه غطاء قبليا من خلال قبيلة العبيدات التي تعد أكثر قبائل الشرق نفوذا.
هل هو تبادل أدوار مع عقيلة صالح؟ هم يتبادلون الأدوار بين السياسي والعسكري، فلماذا يشطبه؟ هل اتسعت الفجوة بينهما، وقرّر أن يتغدى بصالح قبل أن يتعشى الأخير به؟ أم هو التفرّد المطلق بالسلطة الذي يرفض وجود شركاء ولو شكليين؟ أم هي تعليمات الوصي الإماراتي؟ الراجح أنها تعليمات الوصي، فهي متزامنة مع التصعيد في جنوب اليمن، وانقلاب الحليف الأقرب للإمارات، المجلس الانتقالي الجنوبي، على اتفاق الرياض مع الحكومة الشرعية. ويبدو أن الإمارات خشيت التوصل إلى حل سياسي في ظل الهزائم العسكرية التي مُني بها حفتر، فقررت التصعيد والتقسيم كما في اليمن، وهي كما عبّر وزير خارجيتها يوما للمبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا، طارق متري، عندما حذّره من أن سياسة الإمارات ستخرب ليبيا "لا يهمنا أن تخرب".
تراهن الإمارات على عامل الوقت، لتخرب ليبيا وتدمر، في النهاية يقوى أمير الحرب حفتر، ويستولي على الخراب. وفي أسوأ الأحوال يمنع قيام دولة ديموقراطية موحدة، ويقيم دولة في الشطر الشرقي، تماما كما يقيم المجلس الانتقالي دولة في جنوب اليمن. وبالنتيجة، تقسيم ليبيا لا يقبل به الليبيون، وهم ثاروا من أجل بناء دولةٍ، لا من أجل تقسيم بلدهم الذي يعد من أكثر بلدان العالم تجانسا عرقيا وثقافيا، ولا ينقص دولتهم ثروة ولا مساحة، ولو تركت وشأنها بعد الثورة لكانت من أغنى الدول. فوق ذلك، دول المغرب العربي جميعا، وفي مقدمتها الجزائر، لا تقبل بالتقسيم الذي يعني ببساطة أن الدور على الجميع.
الرد على انقلاب حفتر وعلى الأوصياء عليه ليس فقط في الانتصارات العسكرية، لا بد من صفحة جديدة مع الشرق الليبي. أحسنت حكومة الوفاق عندما دعت مجلس النواب إلى الانعقاد، وهي لحظة تاريخية لعقيلة صالح، ليدخل التاريخ شريكا في حماية ليبيا من التقسيم والانقلاب العسكري. لا داعي للتفاخر بالانتصارات العسكرية، فكل قطرة دم ليبي لا تعوّض، وفي الحروب الأهلية الرابح خسران.
أهل الشرق الذين قدموا الكثير للثورة على نظام القذافي لن يفرّطوا في الثروة لصالح قذافي نسخة مضروبة. خارج الزمان والمكان، فالشروط التي أنتجت ديكتاتورية العقيد لم تعد موجودة، وكما تندّر مسؤول متقاعد في بلد عربي "كانوا يقولون عندي جنون عظمة، ذهبت العظمة وبقي الجنون".. ذهب القذافي وبقي حفتر.