انتقام سحت بين ظفرين

14 يناير 2020
الصورة
طوال الفترة الفاصلة بين واقعة تصفية واشنطن الجنرال الإيراني قاسم سليماني وتنفيذ طهران الضربة الصاروخية على قاعدة عين الأسد في العراق، كانت كلمة انتقام، وليس أي مفردةٍ أخرى، بمثابة محور الارتكاز التي استند إليها الخطاب الإعلامي/ السياسي الإيراني التعبوي إزاء الفعلة الأميركية غير المسبوقة في تاريخ المواجهة بين البلدين منذ نحو أربعة عقود، حتى أن طهران نقشت على رايتها شعار "انتقام سحت"، وهما مفردتان لهما المعنى ذاته في قاموس اللغة العربية.
وخلال هذه الفترة القصيرة، شرعت آلة الدعاية الإيرانية بضخّ سيلٍ من التهديد بالويل والثبور، وقناطير مقنطرة من الوعيد بعظائم الأمور، ضد من تجرّأ على قتل عزيز طهران وقرّة عين المرشد، فيما بادرت قنوات التلفزة المحسوبة على محور الممانعة إلى استضافة قادة وكوادر لا حصر لهم، للحديث عن الردّ الحتمي، بلغةٍ أعادت إلى الأذهان مفردات الخطاب الإيراني إبّان الحرب مع العراق، في الثمانينات، بما في ذلك القتال حتى دخول بغداد وإسقاط صدّام حسين.
وهكذا، وفيما كانت جنازة الجنرال تطوف إيران، وسط مشاهد نواحٍ وتقديس، خصوصا بعد أن منح من لا يملك (الشيخ إسماعيل هنيّة) إلى من لا يستحق (قاسم سليماني) لقب شهيد القدس، نقول عادت سياسة التهويل والمبالغة بصورة أشمل من قبل، ثم بدأ الممانعون في تعلية سقف الضربة المرتقبة إلى عنان السماء، وأمطرنا هؤلاء بفيضٍ من التصريحات النارية، من قبيل فتح باب جهنم، والرد الزلزالي، والعضّ على الأصابع ندماً، ومحو إسرائيل عن الخريطة، وملء شوارع المنطقة بجثث الجنود الأميركيين. إذ رصد باحث موثوق عدد التهديدات الإيرانية بالانتقام من أميركا وحلفائها، نحو 120 تهديداً في اليوم الواحد، أي نحو 600 على مدى أيام المسيرة الجنائزية.
في أجواء مشحونة بالتوتر الشديد، وتهديداتٍ ملأت الفضاء، أطلق الحرس الثوري عدة صواريخ باتجاه قاعدتين في العراق، بعضها لم يصل ولم ينفجر، وبعضها الآخر تجاوز الهدف بنحو 40 كيلو متراً من عين الأسد، فيما لم يسفر بعضها الثالث، الواقع في عين المكان، عن خسائر بشرية أو مادّية تُذكر، الأمر الذي أظهر مدى اتساع الفجوة بين الواقع والأساطير المنسوجة من وحي الخيال الجامح عن القدرات الحربية الإيرانية، سيما بعد أن بدت نتائج هذا الانتقام مقتصرةً على إسقاط طائرة مدنية أوكرانية.
بكلام آخر، لم تأت هذه الضربة المحسوبة بدقة في مستوى نبرة التحدّي الإيراني الهائجة المائجة، أو التوعدات بطرد الأميركيين من المنطقة، ولم تشِ هذه المجازفة بتحقيق أي من الثلاثة عشر كابوساً المعلن عنها من قادة الحرس الثوري، كما لم تشفِ حصيلتها غليل النظام المُصاب في صميم كبريائه، وأكثر من ذلك، فقد تجلت من خلال هذه الضربة المنسّقة، وتسريبها للعراقيين سلفاً، خشية طهران المُفرطة من التعرّض لرد أميركي قد يقوّض أركان المؤسسة الإيرانية الهشّة، ويملي عليهم تجرّع كأس السم مجدداً.
كانت لافتةً رسالة الوزير الإيراني، جواد ظريف، الفورية عقب هذه الضربة التي بدت كفورة دم، بقوله إن هذا كل ما لدينا، واستكملنا المهمة، أو بما معناه "كفانا الله شر قتال الشيطان الأكبر"، سيما وأن خسائر الرد الصاروخي لم تكن، بالمطلق، في وزن خسارة إيران الباهظة، بمقتل رمز نفوذها الإقليمي، حتى وإن قيل قولاً مشكوكاً فيه إن طهران تعمّدت عدم إيقاع خسائر بشرية في صفوف الأميركيين، على الرغم من حديثها عن عشرات القتلى والجرحى أول الأمر.
ولعل ما يثير الدهشة، ويبعث على طرح الأسئلة الحائرة، لدى كل من راقب القصف الكلامي الثقيل لنظام الولي الفقيه، هو إلى من يوجّه آيات الله هذا الخطاب المغرق في انفعاليته وسطحيته وإنشائيته؟ ومن يشتري بحقّ السماء مثل هذه الترّهات الساذجة؟ من يصدّق مثلاً أن 80 اميركياً سقطوا في عين الأسد، وأن نحو 200 جريحاً منهم نقلوا سراً إلى المستشفيات الإسرائيلية؟ (نُسب هذا الخبر إلى صحيفة هآرتس حصراً) ومن يعتقد أن هذه الوجبة الصاروخية قد رممت قوة الرّدع، وغيّرت قواعد الاشتباك مثلاً؟
على أن أكثر ما يُحرج أحباب إيران وخصومها، قول أحدهم إن دموع المرشد الأعلى، في الصلاة على جثمان سليماني، كانت الرد الاستراتيجي على الولايات المتحدة (كذا)، وإن القوة العظمى الوحيدة بدت عقب الضربة مذعورةً وعاجزةً عن الرد، مع أن إيران هي التي بدت ملجومةً، وإن ردّها الجاري تعظيمه الآن، والبناء عليه لتظهير صورة مرهوبة للجمهورية الإسلامية، قد جلب لها السخرية السوداء، وأعاد طرح السؤال عمّن سيخرج من المشرق العربي أولاً، أميركا أم إيران؟
تعليق: