انتخابات فرنسا... لماذا صعدت مارين لوبان للدورة الثانية؟

24 ابريل 2017
الصورة
صعدت لوبان للدورة الثانية بفضل خطاب شعبوي (رافاييل لافارج/الأناضول)
+ الخط -




أول صعود لحزب "الجبهة الوطنية" إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، كان في عام 2002 في المنافسة بين جاك شيراك، وليونيل جوسبان، وجان ماري لوبان. يومها أبعد لوبان الأب مرشح الحزب الاشتراكي جوسبان، ولكنّه لم يستفد من ذلك الفوز في الدورة الثانية، حين تواجه مع شيراك الذي غلبه بنسبة 80 في المائة.

في ذلك الوقت، التقت القوى السياسية عند هدف واحد؛ هو بناء سدّ في وجه وصول "الجبهة الوطنية" العنصرية للرئاسة، وفي حقيقة الأمر لم تكن أغلبية الناخبين تحتاج إلى توجيه من حزب سياسي معين، حتى تصوّت ضدّ حزب آل لوبان، إذ إنّ الرأي العام السائد آنذاك، هو أنّ هذا الحزب ترعرع في وسط عنصري، وهو يتغذّى من كراهية المسلمين، والعداء للأجانب.

تواجه لوبان الأب مع شيراك في 2002 (باسكال لوسيغريتين/getty) 

الملاحظ اليوم، هو أنّ كافة الأحزاب السياسية الفرنسية التقليدية، تراجعت في صناديق الاقتراع بنسب متفاوتة، باستثناء حزب "الجبهة الوطنية" الذي تقدّم عدة نقاط، ولكن هذا لم يمنحه القدرة على الوصول إلى الرئاسة، أو الحصول على أغلبية برلمانية لتشكيل حكومة، أو حتى لعب دور أساسي في التحالفات الحكومية.

رياح الأعوام الماضية، جاءت في الاتجاه الذي يناسب هذا الحزب، ذلك أنّه منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وحتى الآن، لم تتوقف طبول الحرب ضدّ الإسلام والمسلمين، ورغم ذلك لم يحصل حزب "الجبهة الوطنية" إلا على عدة نقاط، والسبب الرئيسي في عدم تقدّمه الكاسح ذلك؛ هو انحراف اليمين التقليدي نحو العنصرية.

تجلّى هذا الأمر بوضوح عام 2007، خلال الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي أحدث نقلة جذرية في برنامج حزب "التجمّع من أجل الجمهورية" الذي لم يصل عبر تاريخه إلى حالة القطيعة مع الإسلام والمسلمين ولا مع المهاجرين، بل على العكس من ذلك كان التيار الغالب في صفوفه هو الذي يتشكل من "اليمين الاجتماعي" الإنساني، ومن رموزه الرئيس الأسبق جاك شيراك، والوزراء الراحلون فيليب سوغان، وكلود شيسون، وميشيل جوبير.

لم يكن أمام ساركوزي في عام 2007، طريق للوصول إلى الرئاسة، غير الحصول على أصوات اليمين المتطرف، ولذلك لعب هذه الورقة بقوة حين طرح مسألة "الهوية الوطنية" التي جاءت لتنسف تاريخاً طويلاً من عمل الدولة الفرنسية على مسألة اندماج مواطنيها المهاجرين، بغض النظر عن الأصل والدين.

وشكّل طرح ساركوزي انقلاباً في رؤية اليمين التقليدي التي برزت في المنعطفات الرئيسية، على سبيل المثال؛ حين عارض شيراك دعوة البابا بنيديكت السادس عشر، إلى تضمين الدستور الأوروبي فقرة تقول بدور الديانتين المسيحية واليهودية في تكوين الشخصية الأوروبية، واعتبر ذلك موجّهاً ضدّ الإسلام، وطالب بحذف هذه الفقرة أو إضافة دور الدين الإسلامي، وكانت النتيجة حذف الفقرة.

لم يكن تصرّف ساركوزي انتخابياً فقط، بل عمل على تأصيل برنامجه واستحدث وزارة خاصة بـ"الهوية الوطنية"، وصدرت عنه خطابات على درجة عالية من التمييز العنصري، ومثال ذلك خطابه في دكار في يوليو/تموز 2008، عندما قال إنّ "مأساة أفريقيا هي أنّ الإنسان الأفريقي لم يتوغّل توغلاً كافياً في التاريخ".

وأضاف أنّ "الفلاح الأفريقي الذي يعيش مع الفصول منذ آلاف السنين، ويقوم مثال حياته الأعلى على التناغم مع الطبيعة، لا يعرف إلا التكرار الأبدي للوقت على وقع الاستخدام الذي لا ينتهي للحركات نفسها والكلمات نفسها".

وضمّت حكومة ساركوزي، عدداً من الوزراء العنصريين؛ مثل وزير الداخلية بريس هورتوفو، والهوية الوطنية لوك بيسون، بقيادة رئيس الوزراء فرانسوا فيون الذي كتب كتاب "الشمولية الإسلامية"، وكان لا يكفّ عن مهاجمة الإسلام.

دخل ساركوزي خلال ولايته (2007- 2012)، في مواجهة مفتوحة مع مهاجري فرنسا الذين صوتوا بكثافة لخصمه المرشح الاشتراكي فرانسوا هولاند عام 2012، الأمر الذي وجّه ضربة لمشروع ساركوزي الخاص، وبدأ يتراجع رصيده، ولم يتمكّن الحزب "الجمهوري" من توحيد صفوفه خلف زعيم واحد خلال السنوات الخمس الماضية، ما أدى إلى انتعاش حزب "الجبهة الوطنية"، والذي بدأ يستعيد جماهيره، ما يفسّر صعود مارين لوبان للدورة الثانية من انتخابات 2017 على ظهر خطاب شعبوي مدروس.

ورغم أنّ لوبان لا تملك حظ الفوز في الدورة الثانية، فمن المرجّح أن تنعكس الآية في الفترة القادمة، ليبدأ حزب "الجبهة الوطنية" وراثة اليمين التقليدي الذي أعلنت الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية وفاته إلى جانب منافسه التقليدي الحزب الاشتراكي.



المساهمون