انتحار من أجل السكن في الجزائر

12 نوفمبر 2019
الصورة
لا ينعم الجميع بحق السكن (أمل بيلالوفي/ Getty)
مرة جديدة، يشهد الشارع الجزائري على إقدام بعض المواطنين على التهديد بالانتحار "حرقاً" بسبب أزمة السكن أو البطالة أو الطرد من العمل أو إغلاق المؤسسات. وكان الانتحار حتى وقت قريب فعلاً بعيداً عن الأضواء، لكنّه بات وسيلة للتعبير عن الغضب ورفض الواقع، في ظل اليأس وزيادة الضغوط الاجتماعية والمشاكل الأسرية في المجتمع الجزائري.

القطرة التي أفاضت الكأس
في مدينة صغيرة، أقدم أحمد خالد بلجيلالي البالغ من العمر 59 عاماً على حرق نفسه من خلال سكب كميات كثيرة من البنزين على جسده. وقف أمام مقر دائرة "حمر العين" في ولاية تيبازة غرب العاصمة الجزائرية، وهدد بحرق نفسه أمام عيون رجال الأمن، قبل أن يفعلها ويشعل النار في جسده. بعدها، نقل إلى مستشفى في منطقة الدويرة، وتوفي نتيجة الحروق البالغة الخطورة.




كان أمل هذا الرجل الحصول على سكن اجتماعي. لكن بعد نشر قوائم المستفيدين التي لم يكن اسمه ضمنها، لم يتمالك نفسه، وإن أفادت معلومات بأن هناك قوائم أخرى ستصدر في الأسابيع المقبلة. ما حدث أدى إلى استياء كبير لدى المواطنين في هذه المنطقة، علماً أن عشرات الأهالي الذيم لم يستفيدوا من السكن الاجتماعي (سكن مدعوم من الحكومة وموجّه إلى الفئات الهشة والعائلات الفقيرة) شاركوا في احتجاجات وأغلقوا الطرقات بالمتاريس والعجلات المطاطية المشتعلة.

ويلجأ البعض إلى إحراق أنفسهم هرباً من الواقع. ويقول المتخصص في علم النفس سعيد بولحبال، إن حرق النفس وسيلة "قاسية ومفرطة في تعذيب النفس والجسد"، لافتاً إلى أن "الشخص يتحمّل تبعات فعلته، فإما أن يموت ويترك هذا العالم الصعب، أو يبقى على قيد الحياة مع ندوب خطيرة تتطلب مالاً كثيراً للعلاج".

من جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية نادية بلخيري لـ "العربي الجديد" إن "آلاف الجزائريين أذلتهم مطالب الحصول على عمل أو سكن، وخصوصاً بالنسبة إلى أرباب البيوت الذين حاصرتهم ظروف الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، وهربوا من جحيم الموت والجماعات المسلحة لبناء بيوت من صفيح على ضفاف الأنهار وأطراف المدن، منتظرين نقلهم إلى مساكن لائقة".

لفت نظر
وتغيرت وسائل الاحتجاج في الجزائر من تخييط الأفواه من قبل عشرات العاطلين من العمل في ولاية ورقلة جنوب الجزائر قبل سنتين على سبيل المثال، إلى سكب البنزين على الجسد والتهديد بالحرق، أو القفز من مكان مرتفع، ما جعل هذه الوسائل محل نقاش كبيرة في الشارع الجزائري، وفي الأوساط الجامعية أيضاً. ويجمع البعض على أنها طريقة للفت النظر أو رسالة سياسية مفادها: "أنا أحتج" بحسب بلخيري. تضيف أن "سكان بيوت الصفيح باتوا يائسين. كذلك فإن مختلف الأحياء السكنية القديمة والعمارات لم تعد قادرة على استيعاب عدد كبير من أفراد الأسرة الواحدة".

إلى ذلك، كتبت طالبة جامعية في ولاية قسنطينة شرقي البلاد، على حائط في سكن للطالبات:" في الجزائر لا ينفع أمام الوضع المزري والقلق الدائم سوى السقوط من أعلى جسر من جسور قسنطينة المعلقة أو سكب كمية من البنزين على جسدك حتى تنتهي المعاناة". عبارة جعلت زميلاتها في الغرفة يخشين عليها. وتقول إحدى زميلاتها لـ" العربي الجديد": "أقدمت على إزالة العبارة عن الجدار، ومراقبة صديقتي لدى دخولها وخروجها من المسكن"، لافتة إلى أن "البؤس الاجتماعي جزء من الحياة. وفي سنّ الشباب، من العار أن تصل فتاة إلى هذا الحدّ من اليأس، والحديث عن الانتحار وسيلةً للخلاص، بل نحن مُجبَرون على المقاومة ومكافحة الظروف".

ظلم اجتماعي
اعتاد الجزائريون الصبر على أوضاعهم الاجتماعية البائسة في البلاد. ويقولون: "واش نعملوا رانا صابرين والفرج من الله" (ماذا نفعل؟ نصبر حتى تنفرج من الله تعالى). هذا ما يردده الكثير من الذين لم ترد أسماؤهم في قوائم المستفيدين من السكن الاجتماعي، خصوصاً أولئك الذين افترشوا الأرض في الفضاءات العامة، أو في فناء مدرسة أو قبو عمارة، إلى حين الحصول على سكن.




ويرى العاملون في الشأن الاجتماعي في الجزائر، أن الانتحار حرقاً وسيلة للتعبير، وإن أخذ أبعاداً على عكس السنوات السابقة. كان الفرد ينتحر بعيداً عن الأضواء. أما اليوم، فأصبح سلوكاً ظاهرياً واستعراضياً، يعكس مشهداً قاتماً للصعوبات الاجتماعية الاقتصادية لدى شريحة من الجزائريين ارتبطت آمالها بالحصول على سكن بعد سنوات الانتظار والاختناق في غرفة واحدة، وبعدما ضاقت كل السبل لتحقيق الأحلام.