اليمين العنصري لم يتغيّر.. فرنسا تغيرت

اليمين العنصري لم يتغيّر.. فرنسا تغيرت

02 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
سيسجل التاريخ في فرنسا أنه في 23 إبريل/ نيسان 2017، وبعد وصوله رابعا في نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، لم يدع مرشح اليسار الراديكالي، جون لوك ميلانشون، أنصاره للتصويت ضد مرشحة اليمين المتطرّف مارين لوبان التي فازت بالمركز الثاني خلف المرشح الوسطي الليبرالي الشاب، إيمانويل ماكرون.
كان ميلانشون من بين الملايين الذين خرجوا للشوارع الفرنسية في العام 2002، مصدومين ورافضين وصول حزب الجبهة القومية العنصري إلى مشارف الحكم، حيث أحدث جون ماري لوبان، والد زعيمة أقصى اليمين حاليا، زلزالا بإقصائه الحزب الاشتراكي من الدور الأول ومقارعته الحزب اليميني المحافظ الذي كان يتزعمه آنذاك الرئيس جاك شيراك.
في هذه الانتخابات، دعت جمعيات مناهضة للعنصرية الفرنسيين إلى الخروج، لكنها تلقت تجاوبا محدودا من عشرات الأشخاص، كما أن الحاجز الجمهوري ضد اليمين العنصري الذي دعت إليه بعض الشخصيات والأحزاب لم يبد مقنعا للناخبين، فبالنسبة لهم تأييد مرشح المال هو على الدرجة نفسها لتأييد مرشّحة الكراهية. والسؤال: ما الذي حدث خلال نحو عقدين حتى يتخلف الفرنسيون عن الخروج للتظاهر ضد برنامج اليمين العنصري؟ بصيغة أخرى، لماذا تحولت الأحزاب المدافعة عن الأفكار اليمينية المتطرّفة إلى أحزاب عادية، تتعاطى معها بقية المكوّنات السياسية بنديّة، وتتعاطف معها الجماهير بحرية؟
قد نجد تفسيرا لخيبة أمل ميلانشون الذي تقدّم لهذه الانتخابات باسم فرنسا غير الخاضعة، والمدعوم من قاعدة تضم الحزب الشيوعي (دعا إلى قطع الطريق على اليمين المتطرّف)، من خلال غضبه وحقده على زملائه السابقين في اليسار والحزب الاشتراكي المشتّت، والذين رفضوا الالتفاف حول مشروعه، لإعطائه فرصة الوصول إلى الدور الثاني في مواجهة اليمين المحافظ المنقسم الغارق في قضايا الفساد، واليمين المتطرّف والمرشحين الجدد الذين يمثلون عولمة وحشيةً بورجوازية ومذعنة للوبيات... لكن، هل يمكن أن يصل الخلاف الشخصي والاختلاف في الاستراتيجيات إلى حد التفريط في المبادئ الأساسية، ونسيان تاريخ الجبهة القومية الفرنسية المليء بالعنف وكراهية الأجانب والعرب واليهود، والرافض مبادئ الجمهورية؟

ما الذي حدث حتى تتم المساواة بين حركة سياسية وسطية منفتحة وتقدمية بحزبٍ متطرّفٍ عنصري؟ وإذا كان هذا الخلط والاختلاف هو واقع بعض السياسيين الثوريين والنخب، فكيف لنا أن نتصوّر موقف الفرنسي العادي، وخصوصا من الشباب الذين ولدوا وتربوا في حضن الاتحاد الأوروبي؟
في نقاشٍ مع إحدى الشابات الفرنسيات اليساريات من الحريصات على الاهتمام بالبيئة ومساعدة اللاجئين وحضور ندوات المفكرين المدافعين عن مواطنة إيجابية فاعلة من أجل تغيير المجتمع، فوجئت بأن هذه الشابة التي صوّتت لمرشح الحزب الاشتراكي ستختار التصويت الأبيض، لأنها لا تريد أن تكون مسؤولة عن استمرارية النظام نفسه، كما أنها غير متأكدة أن الوسطي ماكرون سيكون أحسن لفرنسا من زعيمة أقصى اليمين، بل تذهب في تحليلها إلى "أن أفضل سيناريو هو وصول اليمين المتطرّف إلى الحكم، حتى يخرج الفرنسيون في مظاهرات عارمة تطيحه، وتنهيه إلى الأبد، وتدفع هذا النظام إلى التغيير الجذري.
وليست هذه الشابة وحدها، فهناك نحو تسعة ملايين فرنسي صوّتوا لمرشحي قوى اليسار، بمختلف أطيافهم، وهناك مثلهم ممن صوّتوا لليمين المحافظ، وضمن هؤلاء مقاطعون كثيرون للانتخابات والمتردّدين، منهم من يريد معاقبة النظام (الاستبليشمنت)، ومنهم من هو غير مقتنع أصلا بجدوى التصويت في ظل الوضع القائم، وكثيرون منهم لا يكترثون للعالم من حوله بدافع أناني أو عن جهل، ويختار أن يعيش حياة افتراضية بعيدة عن مآسي العالم.
وكان مركز البحوث العلمية الفرنسي قد نشر، العام الماضي، نتائج دراسة واسعة، أجريت مع الشباب بين سن 18و34 عاما عن اهتماماتهم، وقد أظهرت النتائج أن 87% منهم لا يثقون في السياسة، وأكثر من 90% يعتقدون أن معظم الساسة فاسدون، وأن من بينهم من لم يقرأ كتبا تاريخية وسياسية إلا المقرّرة في المناهج المدرسية.
من هذه المعطيات، تظهر ملامح الأزمة العميقة داخل المجتمع الفرنسي الذي عرف تغييرات جوهرية، فالأزمة هي ذات أبعاد سياسية، اجتماعية وأخلاقية، فالتشكيلات السياسية التقليدية وصلت إلى مرحلة إفلاس حقيقي، لم يعد لديها ما تقدّمه من حلول للشباب سوى الإحباط واليأس ورميهم في أحضان العنف. ومن هنا، برز نجم المرشح الشاب، إيمانويل ماكرون، مرشحاً وسطياً اغتنم هذا الفراغ، لينشئ حركة ومشروعا، يقتبس من أفكار اليمين واليسار، ويدعو الفرنسيين إلى النظر بإيجابية للعولمة، واعتبارها فرصةً تدفعهم إلى الأمام، غير أن هذا لا يجد صداه لدى جميع شرائح المجتمع، سيما ممن تعودوا على انتظار وظيفة الدولة، والعيش على المساعدات الاجتماعية والصحية، ومن المقتنعين بنظريات المؤامرة. ولهذا، يقيم مشروعه على أساس أنه استمرار للوضع القائم، ونمط حياة جديد تفرضه العولمة التي دفعت هذا الشاب إلى الواجهة، ليروّج مشروعها الوحشي، حتى يواصل التعاطي مع الأشخاص، بوصفهم أرقاماً وسط مجموعة من المعادلات.

هنا، يبرز نشاط الأحزاب المتطرّفة، فمنها من واصل الاستثمار في قوت الناس وجهلهم، من خلال الاستعطاف بالقومية والتخويف بالأجنبي، والمسلم خصوصا، ومنها من وجد الفرصة سانحة لإخراج علبة الأوهام، وراح يعد الشباب بالثورة الشاملة التي تأتي بجمهوريةٍ فاضلةٍ، تقوم على أنقاض النظام المتعفّن، وكلا المشروعين وضع المواطن والإنسان في صلب خطابه السياسي. ولا غرابة في أن نجد تشابها بين البرنامج الانتخابي للجبهة القومية اليميني وبرنامج مرشح أقصى اليسار، ولا غرابة في ألا يوجه ميلانشون دعوةً إلى أنصاره بالتصويت ضد اليمين المتطرّف، لأن هذا بنظره خيانة لإرادة الشعوب، ولا غرابة أيضا أن تتقاطع أفكار زعيمة اليمين المتطرّف مع أفكار زعيم قوى اليسار، حيث ترى هي بشار الأسد جزءاً مِن الحل في سورية، ويرى هو بوتين زعيماً يوازن العالم ضد هيمنة الرأسمالية.
تُضاف إلى هذا كله الأزمة الأخلاقية التي بات يعيشها الشباب الفرنسي، فعلى الرغم من الاهتمام بالسياسة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الوصول إلى المعلومة، إلا أن درجة الوعي السياسي وعدم القدرة على التمييز بين الأشياء باتت أقل بكثير من الأجيال السابقة. فالشباب الفرنسي خلال عشرين عاما تغير، وانتقل مع اليمين المتطرّف من مرحلة الرفض والتنديد والخجل إلى مرحلة التعاطف والتفهم وعدم الشيطنة، ثم الانخراط بقناعة في مشروعه والدفاع عنه. من هنا، يظهر حجم مسؤولية العائلة والمجتمع التي تخلفت في نشر الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة، ولو قرأ الشباب الفرنسي قليلا من التاريخ، وتابعوا تجربة ثورات الربيع العربي الحديثة، لوجدوا أن أكثر من زينوا للأنظمة الاستبدادية قمع مواطنيها وقتلهم كانوا من المناضلين القوميين اليساريين، إلا من رحم ربك.
20F8F808-CC18-47C9-A70E-33FA7CCB46C4
علاء بونجار