اليمن: خريطة النيران التي تجرّد الدولة سيادتها

اليمن: خريطة النيران التي تجرّد الدولة سيادتها

08 سبتمبر 2014
الصورة
اليمن من بين أكثر الدول "فشلاً" (Getty)
+ الخط -
يحتل اليمن مرتبة دنيا في تصنيفات دولية عديدة: من ناحية الفقر، أو معايير "الدولة الفاشلة"، ستجده في قاع التصنيفات. أحد الأسباب هو، من دون شك، أن السلطة المركزية تبدو أضعف الأطراف في البلاد، مقارنة مع الميليشيات المسلحة، حزبية كانت أم عشائرية، مهما اختلفت أشكالها. لذلك، غالباً ما تؤدي "الدولة"، أو ما تبقى منها، دور الوسيط بين الأطراف المسلحة، في بلد يُعتبر فيه السلاح، الخفيف والمتوسط والثقيل حتى، أكثر من عادي، وهو ما تساهم فيه دول مجاورة وبعيدة عن اليمن، بعضها يعتبر أن "اليمن السعيد" جزء من ثورتها المصدَّرة، وبعضها الآخر يرى أن هذا البلد كان ويجب أن يبقى جزءاً من أراضيه.

ويعيش اليمن، الذي توحد شطراه في عام 1990، فترة انتقالية غير مستقرة منذ إزاحة الرئيس علي عبدالله صالح، إثر ثورة شعبية في العام 2011 وانتقال الرئاسة لنائبه عبدربه منصور هادي رسمياً في فبراير/شباط 2012. ومنذ ذلك التاريخ، دخل اليمن وضعاً انتقالياً لمدة عامين بموجب المبادرة الخليجية، وتم تمديد الفترة الانتقالية بموجب مؤتمر حوار ضم 565 ممثلاً لكافة المكونات في البلد، وأوصى بالتمديد لهادي وتحويل اليمن إلى دولة اتحادية بتقسيمها إلى أقاليم ستة.

ومنذ توقيع "المبادرة الخليجية"، تقع البلاد تحت وصاية دولية شبه كاملة، ممثلة بالدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية (دول الخليج باستثناء قطر، والدول الخمس الدائمة في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي). وثمة من يرى أن "المبادرة الخليجية" جنّبت انزلاق اليمن في حرب أهلية محتملة بسبب انقسام الجيش على هامش الثورة، وشرعت السلطة الانتقالية في عملية لهيكلة الجيش كان أبرز سماتها إقالة أقارب صالح من مواقع قيادية رئيسية. لكن الأوضاع لم تهدأ منذ 2012، إذ زاد تمدد جماعات عديدة في مقدمتها تنظيم "القاعدة" وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، كما ازدادت عمليات التخريب لأنبوب تصدير النفط وأبراج الكهرباء.

وبسبب هذا الوضع، صدر القرار الأممي رقم 2140 في فيراير/شباط الماضي، المقدم من بريطانيا، والذي وضع اليمن تحت "الفصل السابع" الذي يجيز التدخل العسكري، إذ أصبح الوضع اليمني مهدداً للسلم الدولي. ولا تسيطر الحكومة اليمنية على مساحات كبيرة في البلاد، الأمر الذي جعلها تحتل موقعاً بين الدول الست الفاشلة، بحسب تصنيفات أميركية. وفي حين يتعاظم خطر "القاعدة" في محافظات نفطية شرقي البلاد، يستمر الحوثيون في تصعيدهم داخل العاصمة صنعاء، وفي محيطها لإسقاط الحكومة.

ويمكن تصنيف المناطق اليمنية اليوم، على الشكل التالي: مناطق توتر ملتهب، وتشمل كلاً من:
- أمانة العاصمة صنعاء التي تشهد حالياً توتراً شمالي المدينة وعلى مداخلها بسبب تخييم أنصار جماعة الحوثي ومسلحيها للمطالبة بإسقاط الحكومة.

- محافظة الجوف التي تشهد حالياً حرباً بين الحوثيين ومجاميع قبلية موالية للحكومة. وتقع بعض هذه المواجهات جنوبي المحافظة في مناطق التماس مع محافظة مأرب.

- وادي حضرموت الذي تعرض في الأشهر الأخيرة لهجمات متواصلة من مسلحي "القاعدة" على منشآت عسكرية ومدنية، وخصوصاً في مدينتي سيئون والقطن.

ــ ساحل حضرموت وتحديداً في مدينة المكلا التي شهدت أخيراً عدداً من هجمات "القاعدة" على مقار عسكرية وأمنية.

ــ حوطة لحج: مركز محافظة لحج، وشهدت هي الأخرى تصاعداً في هجمات "القاعدة"، واغتيالات لضباط ومسؤولين في الحكومة.

ــ البيضاء: على غرار وادي حضرموت وحوطة، تعتبر لحج إحدى مناطق نشاط "القاعدة".

- أبين: رغم قيام الجيش بحملتين عسكريتين لتطهيرها من عناصر "القاعدة"، إلا أن جيوباً للتنظيم لا تزال تنشط في أكثر من مديرية داخل المحافظة.

أما مناطق "التوتر الكامن"، فهي مناطق تشتعل فيها التوترات بين فترة وأخرى، تماماً كالنشاط البركاني، وأبرز مناطق هذا النوع هي مأرب، عمران، الشحر، الرضمة، المحفد، عزان، أمانة العاصمة. ويضاف إلى ذلك مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، ومناطق تتنازع فيها الدولة الحضور مع جماعات مسلحة.

في المجمل، تنازِع نفوذَ الدولة في اليمن حالياً ثلاثُ مجموعات رئيسية هي تنظيم "القاعدة"، والحوثيون، والحراك الجنوبي.

"القاعدة" (جماعة أنصار الشريعة)

يتواجد التنظيم في مناطق عديدة في أبين، حضرموت، البيضاء وشبوة مع تواجد أقل في مناطق أخرى كالجوف ومأرب وصنعاء. ويشنّ التنظيم هجمات مباغتة على مقار عسكرية ومدنية في أماكن تقع خارج نطاق تواجده.

ويُعَدّ تنظيم القاعدة في اليمن من أخطر فروع التنظيم في العالم، وتعاظم خطره منذ الهجوم على المدمرة الأميركية "كول" في أكتوبر/تشرين الأول 2000، ومن ثم اندماجه مع الفرع السعودي للتنظيم مطلع 2009، ليشكلا تنظيم "قاعدة الجهاد في جزيرة العرب" برئاسة اليمني ناصر الوحيشي، وعضوية أفراد من جنسيات عدة، أخطرهم وفق التنصيف الأميركي، صانع المتفجرات السعودي إبراهيم عسيري.

ونفذ التنظيم عمليات كبيرة في العامين الماضيين، أبرزها الهجوم على مقر وزارة الدفاع في صنعاء، ومقر المناطق العسكرية الاولى والثانية والرابعة، إضافة إلى عملية تهريب سجناء من السجن المركزي في صنعاء. وتقوم السلطات الأمنية بملاحقة التنظيم وتدهم خلايا تابعة له، في حين ينفذ الجيش حملات على معاقله في محافظات انتشاره. كما تشن الولايات المتحدة غارات عبر طائرات من دون طيار على مشتبهين في الانتماء للتنظيم.

الحوثيون (جماعة أنصار الله)

تسيطر الجماعة على مدينتي صعدة وعمران شمالي البلاد. كما يخوض مسلحوها حرباَ مع مجاميع قبلية موالية للحكومة في الجوف ومأرب. وأخيراً، يعسكرون منذ أسابيع على مداخل العاصمة صنعاء. وللجماعة تواجد في مناطق أخرى خصوصاً في محافظتي ذمار وحجة. وبدأت الجماعة تتبلور منذ 3 عقود بإشراف شخصيات معارضة للنظام الجمهوري القائم على أنقاض حكم الإمامة منذ 1962، وموالية لإيران. وصارت أكثر حركية بتحولها الى "منتدى الشباب المؤمن" في التسعينيات الذي خاض مع السلطات منذ 2004 ست حروب انتهت في العام 2010، اكتسب خلالها الحوثيون خبرة عسكرية وسلاحاً ثقيلاً. ومع انطلاق ثورة التغيير ضد صالح في 2011 انضم الحوثيون إلى الثوار وأسقطوا مدينة صعدة في مارس/آذار من العام نفسه، وظلت خيامهم منصوبة في ساحة التغيير بعد رفع باقي المكونات خيامها عقب رحيل صالح، وشاركت الجماعة في مؤتمر الحوار.

وقد مرت جماعة أنصار الله بأربع مراحل، الأولى تثقيفية، بهدف إحياء المذهب الزيدي عبر منتديات تابعة لها في مناطق صعدة وحجة. أما الثانية فهي مرحلة الصرخة أو الشعار (الله اكبر، الموت لأميركا...) وذلك منذ نهاية 2002. وتضاعف في هذه المرحلة التوجه لتسليح الاتباع وحفر الخنادق استعداداً "للمواجهة مع أميركا".

وبدأت المرحلة الثالثة خلال المرحلة الانتقالية منذ عامين، ورفعت الجماعة خلالها شعارات اجتماعية ضد "استبداد المشائخ"، وسياسية ضد من يصفونهم بـ"التكفيريين"، وتكللت بإجلاء سلفيي دماج من صعدة، والسيطرة على معاقل بيت الأحمر في محافظة عمران، ثم السيطرة على مركز المحافظة (50 كيلومتراً شمال صنعاء)، الذي سقط بيد الجماعة في يوليو/تموز الماضي مع معدات اللواء 310 مدرع.

وأخيراً بدأت المرحلة الرابعة بعد عيد الفطر مع تبني الجماعة لمطالب شعبية كرفض الزيادة على أسعار الوقود. وأعلن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، عن مراحل تصعيدية لإسقاط الحكومة، بدأت باعتصام مناصريه ومسلحيه على مداخل العاصمة صنعاء، وتطورت إلى اعتصامات داخل العاصمة. ودخلت، يوم الاثنين، طورها التصعيدي الثالث رغم تجاوب السلطة مع مطلب تشكيل حكومة جديدة تشارك فيها الجماعة.

الحراك الجنوبي

يعدّ "الحراك" حركة شعبية بتشكيلات متعددة وذا طابع سلمي في أغلب فعالياته، ولا يسيطر على مدن أو محافظات على غرار سيطرة الحوثيين، لكن مناطق كمديرية الشعيب في الضالع والحبيلين في لحج إضافة إلى مديرية المنصورة بعدن، تكاد تكون مغلقة لصالحه. وتكوّن الحراك في أغلب المحافظات الجنوبية التي كانت تمثل جمهورية اليمن الديمقراطية، منذ أواخر 2006، وجاء ظهوره كأحد آثار حرب 1994 بين شريكي الوحدة. وبدأ الحراك عبر جمعيات تنادي بمطالب حقوقية للعاطلين والمتقاعدين العسكريين، ثم تطورت إلى مطالب سياسية نجمت عن تنسيقات ثنائية بين هذه الجمعيات التي تدعو إلى الاعتراف بـ"القضية الجنوبية"، ليتطور بعدها الأمر إلى تصريحات من بعض قيادييه أعادت إلى الأذهان مصطلح الشمال والجنوب. وبدأت بعض الأعلام الشطرية ترتفع أثناء المسيرات، ثم حدثت نقلة كبيرة بانضمام النائب السابق لرئيس الجمهورية، علي سالم البيض الذي كان يشغل، أيضاً، منصب الأمين السابق لـ"الحزب الاشتراكي" اليمني، إلى الحراك. وقد أطل البيض عبر خطاب من منفاه خارج اليمن، في 21 مايو/أيار 2009، معلناً قبوله لما سماه قيادة مساعي "فك الارتباط" (الانفصال)، لكن الخلافات بين الزعامات الجنوبية ظلت حائلاً دون تشكل قيادة موحدة للحراك.

وكان الحرص الشعبي على إعادة الثقة لحراكيي الجنوب، دافعاً وراء تأييد اختيار عبد ربه منصور هادي "الجنوبي" خلفاً لصالح في الرئاسة. وكوّن هادي فصيلاً يمثل الحراك في مؤتمر الحوار، ثم التقى عدداً من شخصيات الحراك، بينها العميد ناصر النوبة الذي يعتبره كثيرون المؤسس الفعلي للحراك. ورغم ذلك، لا تزال مكونات حراكية عديدة تصر على مطلب "استعادة دولة الجنوب"، وترفض مخرجات الحوار الخاصة بمعالجة القضية الجنوبية، والمتمثلة في النظام الاتحادي المناصفة في المناصب والأولوية في الوظائف.

في المجمل، يمكن القول إن سيطرة الجماعات المسلحة على مناطق معينة، لا تعني أن غالبية أبناء تلك المناطق موالون لتلك الجماعات. كما أنه، بالنظر إلى خارطة تواجد الجماعات، نجد أن جماعة "القاعدة" تتغلغل في مناطق نفوذ الدولة ومناطق نفوذ جماعات أخرى. ومن الملاحظات الإضافية التي يمكن استنتاجها، أن كل المحافظات النفطية ذات الطبيعة الصحراوية والكثافة السكانية القليلة هي مناطق توتر، ينشط في بعضها "القاعدة"، وفي البعض الآخر الحوثيون، ويتداخلان في بعض المناطق مع وجود تكوينات قبلية أخرى كما في الجوف وحضرموت ومأرب. كذلك تنشط في محافظة مأرب عمليات اختطاف الأجانب وتفجير أنبوب النفط وأبراج نقل الطاقة الكهربائية، ويقف وراءها مسلحون قبليون. كما بدأت عمليات مماثلة تظهر في منطقة المسيلة النفطية بحضرموت.

وبينما تُعَد مناطق انتشار "القاعدة" في غالباً، المناطق التي تطالها ضربات الطائرات من دون طيار الأميركية (الدرونز)، فإن  مناطق الكثافة السكانية العالية (إب، تعز، الحديدة، ذمار، ريمة) هي المحافظات الأكثر أمناً بسبب خلوها من انتشار الجماعات المسلحة. وخلال السنوات الماضية، كانت مناطق التوتر تتبادل الدور في ما بينها، فما إن تهدأ جبهة حتى تشتعل أخرى. وهذا الوضع ليس ثابتاً، بل يصف الحالة اليمنية في الشهر الأخير، إذ كانت عمران مثلاً تتربع على رأس قائمة نقاط التوتر الملتهب حتى يوليو/تموز الماضي، وتدحرجت إلى خانة "التوتر الكامن". يبقى أن التوتر في العاصمة هو الأخطر، إذ يتجه الوضع إلى مزيد من التوتر، سواء مع استمرار المفاوضات بين النظام وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، أو مع وصولها إلى طريق مسدود، أو حتى مع التوصل إلى اتفاق يعتقد كثيرون أنه قد ينهار سريعاً، في ظل استعدادات حربية تقوم بها مختلف الأطراف، في مقدمتها جماعة الحوثيين التي أكدت السلطات أنها تقوم بحفر الخنادق وإقامة المتاريس في عدد من مداخل العاصمة والمناطق المجاورة، بغض النظر عن نجاح الاتفاقات مع السلطة المركزية من عدمه.

كذلك أكدت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن قيادات عسكرية وسياسية تقوم بتشديد الحماية حول منازلها في صنعاء، بالإضافة إلى توجيهات رئاسية للمعسكرات في العاصمة ومحيطها برفع الجاهزية القتالية. ولأن صنعاء هي مركز الدولة وعاصمة الحكم، فإن أية تطورات جوهرية أو حتى ثانوية فيها، ستنسحب بالتأكيد على كل أرجاء اليمن.

المساهمون