الوباء وزوال حدود الخطاب

23 مارس 2020
الصورة
من لوحة لـ إدوارد مونش، 1919

اجتمعت، خلال أزمة كورونا، كلمةُ السّلط الثَّلاث: السياسية والدينية والطبّية واتّفقت على التحذير من هذا الوباء القاتِل. يعدُّ هذا التوافق، في تاريخ الخِطابات المعاصرة، ظاهرةً نَادرة حيث اتفقت هذه الكلمات المتغايِرة على محور واحدٍ، مستعيدةً بِصوتٍ لا نشاز فيه مبدأ الحِفاظ على صحّة المواطن، باعتباره المقصدَ الأعلى لكلّ الهيئات التابعة لهذه السلط. أسفرَ اجتماعُها هذا عن تداخل الخطابات وتَرافُدها بعد أن زالت الحدودُ والتخوم بينها، دون أدنى تناقض أو تنافس.

فقد باتَ الخطابُ الديني يَستشهد، في هذه الأيام، بالمعلومات الطبّية ويُدمجها في ثنايا بَرهنته، مخفّفا من مفهوم الإرادة الإلهيّة، القادرة على كل شيءٍ. كما صار يشرِّعُ للممارَسات الطبية المستحدثَة بنصوص قديمة تأصيلاً لها في تراثه الرمزي. في ذات الآن، يَستدعي السياسي نفسَ هذه المعطيات الطبيّة ويؤكّد أنه يعتمد على "المجلس العلميّ" في سبيل اتخاذ القرارات المصيرية للأمة، كحظر التجول والعزل وتأجيل الانتخابات. وهذه من المرّات القليلة التي يَتّكئ فيها السياسي، كليًّا، على العلوم الطبية والبيولوجية لتحديد تَوجُّهات الدولة الرئيسة.

كما يَعود السياسيّ، وهذا من ماكر الآليات، إلى المبادئ الأخلاقية، ذات الأصول الدينيّة مثل الحثِّ على التَّضامن بين الجيران والتواصي بالصَّبر وصِلَة الرحم ونظافة الجسد وغيرها من القيم التي كان الخطاب الديني يحتكرها، لأنها تشكِّل ميدانَه الخاصّ. بل واستحالت الخطابات السياسية إلى أداءٍ بلاغي أقرب منه إلى "الموعظة الجُمُعيَّة"، ليس فقط في الفضاء السياسي العربي بل حتى الغربي، الذي لا يترك فرصةً إلا وجاهر بعلمانيته.

ذلك أنَّ تدخّلات ماكرون وميركل وجونسون تضمّنت إشارات شديدة السطحية حول صلة الرحم والنظافة والتعلّق بمعنى الوجود. ألم يقل رئيس وزراء بريطانيا: "مع انتشار الوباء في بريطانيا، يَنبغي أن نتقبّل فكرة مفارقة بعض أحبابنا قريبًا"، وهي نفس فكرة التسليم بالقضاء والقدر، التي طالما عابها المخيال الغربي على المسلمين.

وأما الخطاب الطبي فقد بات السلطة الأولى التي تمتح في ذات الآن من المَعين العلمي وتبَسِّطُه للعموم عبر مفاهيم الوقاية والمسؤولية ومن المعين السياسي، بما أنها غَدت تقرِّر مصائر الحكومات وتحدد قراراتها. وقد استقوت هذه المرجعيَّة وباتت تفرض نفسَها ندًّا للسياسيّ والديني عبر التصريحات التي تُلقَى بانتظامٍ ورسميّةٍ، رغم أنها حافظت على تواضُعها وشددت غير ما مرةٍ على ما تُعانيه من الإنهاك وربما عَجزها عن التصدّي لهذا الوباء الكاسح.

وهكذا نشهد مرحلةَ تماهٍ بين الخطابات وتوحُّدٍ في ثيماتها وبراهينها وحتى في أسلوب أدائها، في لحظة فاصلة سقطت خلالها الجُدران السميكة التي كانت تفصل بين الأنساق وتعطي لكل واحدٍ منها شرعيتَه وأنماط حضوره. بات مصدر الشرعية واحدًا بعد أن تداخلت الحقول المعجميّة. ويكفي دليلاً على ذلك شِعارُ: "نحن في حَربٍ صحيَّة ضد عدو غير مرئي"، الذي صاغه ماكرون، لتوضيح هذا الانزياح الدلالي الذي يميّز تصورات هذه السلط الثلاث بعد أن تساوت مرجعياتُها.

ففي الوقت التي تغلق فيه الدول حدودَها وتقيمها حواجزَ ومتاريسَ، يُحطّم هذا الوباء المستجد، ولمدة قد تطول، الفروق القائمةَ بين الخطابات ويُسهّل تسرّب الموضوعات والمعاني. اكتشفنا فجأةَ أنَّ الجدران التي أقامتها العلوم والاختصاصات واهية للغاية، ويكفي أن تمرَّ بها مثل هذه الأزمة العاصفة حتى تَتجلى هَشاشَتُها.

وأما صدق هذه الخطابات وتطابقها مع الواقع ومدى إحالتها بدقة على مضامينها فيتوقّف على حسابات كل سلطةٍ، أكانت طبية أم سياسية أم دينية، وكلّها تَتدخَّل، في مكرٍ وخَفاءٍ، حتى تحقق بعض المصالح. وربما يكون تماهي الخطابات هذا شكلاً من أشكال التلاعب، وظيفة من وظائف السلطة التي توهِم بمتابعة المواطن، في حين أنه آخر همومها. جسدُ الخطابات هو الآخرُ موبوءٌ.