الناس والدولة في مواجهة شبح الموت

الناس والدولة في مواجهة شبح الموت

24 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
جاء كورونا بشبح الموت قريبًا ومتعينًا إلى الحياة اليومية لمليارات البشر، لا خطرا محتملا، بل حقيقة ملموسة. وهكذا أُجبِرَت البشرية ( الناس والدولة معًا)على البحث عن النجاة. والإحساس المفاجئ بخطر الموت، فضلًا عن اتساع نطاقه سريعًا، وما ترتب عليه من تصدّعات في الاقتصاد (عمود خيمة الاجتماع السياسي الحديث) جعل السلطة والمواطن أمام أسئلةٍ لا مهرب من الإجابة عنها، وضرورات لا مفرّ من الاختيار بسببها بين "خسارة يمكن احتمالها" وانهيار "لا يمكن احتماله".
وبين ما توجبه غريزة الحياة وما افترضه العقل السياسي الحديث وسائل أكثر كفاءة لتنظيم هذه الحياة، حدث تدافع لم يطل كثيرًا. من أهم هذه الوسائل: الدولة. وهي بشكلها المعاصر أحد أهم منتجات الحداثة. اكتشف المؤمنون بالدولة في شمال العالم وجنوبه، ربما لأول مرة، أن أولوية الدولة على ما سواها يقود حتمًا إلى الاحتكام أخلاقياً إلى "الداروينية الاجتماعية"، تحت شعارات أبرزها "مناعة القطيع". والمؤمنون بالإنسان دافعوا عن الحياة الإنسانية كقيمة مقدّسة، وعاد العقل السياسي الحديث إلى مفترق الطرق القديم الجديد بين خياري توماس هوبز، حيث الناس موجودون لأجل الدولة، وجون لوك، حيث الدولة موجودة لأجل الناس.
والإيمان العميق عند نخب سياسية حديثة بأولوية الدولة بوصفها، بحسب هيغل، "الإله"، خرج من معطفه: أدولف هتلر وجوزيف ستالين وماو تسي تونغ والخمير الحمر، ... ... وغيرهم، بقسوتهم في بناء الدولة على جماجم أبنائها أولًا. وأصبح ما تم ترويجه بوصفه "نجاحًا صينيًا" في مواجهة الموت شهادة جدارةٍ وردّ اعتبار للاستبداد، وكأن البشرية فقدت ذاكرتها من هول صدمة كورونا، فهذا البلد الغارق في الدم تحت حكم أحد أكثر النخب الشيوعية شراسةً في العصر الحديث، لم يتوقف سفك الدم فيه، ولم يتوقف الكذب المتبجح بشأنه. وعشرات السنين، أخفت الصين حقيقة ما ارتكبه ماو تسي تونغ من إبادة لتحقيق ما سمي تضليلاً "القفزة العظيمة إلى الأمام"، تحت ستار كثيف من الأكاذيب. واليوم، يعيدنا النقاش بشأن كورونا إلى الموازنة بين فضائل الديمقراطية مقارنة بخطايا الاستبداد وأولوية بقاء الدولة، أيًا كان حجم التضحيات وأعداد الضحايا.
وبعد عدة قرون، شهد العصر الحديث صراعًا بين "المصرف" و"القصر"، تحالف المتنافسان
 على نحو غير مسبوق، وتحولت الرأسمالية من خيار وطني لبعض الدول الغربية إلى "عولمة اقتصادية" لا يكاد يوقف طوفانها شيء. وجاء الموت ليضع الجميع أمام حتمية الاختيار بين موت الناس وموت الاقتصاد!
صحيحٌ أن انهياراً اقتصادياً يحمل في طياته مخاطر موت الملايين من البشر، احتمالاً، لكن إنقاذ الاقتصاد على حساب البشر كان يعني وفاة الملايين، يقينًا، ومعيار الجدوى لا يمكنه، منفردًا، أن يسبغ المشروعية الأخلاقية قبلة الحياة. وكم هو مدهشٌ أن ترى البشرية نفسها وقد واجهت الموت حقيقة، فغلبتها نوازع مختلطة، فطرية وغريزية، نحو النجاة من الموت على كل قناة وكل فكرة وكل طموح دنيوي بدا أنه جعل المواطن/ الإنسان يتحوّل إلى الأبد إلى المستهلك/ المستثمر، فالإجابة الأكثر تعبيرًا عنا جميعًا، أغنياء وفقراء، متقدّمين ومتخلفين، هي إجاباتنا عن الأسئلة الأولى، بينما سيف الموت قريب من رقابنا.
وكما أن للأديان وعودا (دنيوية أو أخروية)، فإن للحداثة وعودًا، وللرأسمالية وعودا، و... ... وما وعدت به الحداثة هو خلال هذه الجائحة موضع اختبار جدّي. وكشف الحساب الإجمالي عما حدث متنازع عليه حتى الآن، وهذا طبيعي. ما بشر به ثلاثة من الرموز الغربية الكبيرة، هنري كيسنجر وإدغار موران ونعوم تشومسكي، مبكرًا جدًا، حمل وعدًا كما حمل وعيدًا، والمقدمة التي انطلقوا منها جميعًا واحدة: "العالم تغير وإلى الأبد"، لكن النتائج التي يتم ترتيبها على المقدّمة مختلفة، بل ربما تناقضت. واستحضار القاموس اللغوي للنهايات حفر بعمق في نفوس الجميع، على نحوٍ لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، والموت المفاجئ الذي كان شارة مميزة لكتابات العصر الحديث عن العصور البدائية أصبح حاضرًا في لغة مليارات البشر، وبعد السكرة ستأتي الفكرة!