الموت السريري للشعب السوري

23 فبراير 2015
+ الخط -

بعد أربع سنوات من ثورة الحرية، لم يبقَ حرٌّ يتمختر بكل عنفوانه وجبروته فوق أرض سورية غير الموت. الموت بأشكاله المختلفة، بممارساته الشيطانية، بألاعيبه ومزاجه الشرس. الموت المجسد الصارخ الوقح الذي لا يكترث بمن يدين، أو يشجب، أو يستنكر، لا يهتم لمواصفات ضحيته، ولا تعنيه أخلاق الفروسية، أو قوانين المنازلات. هو يدرك جيداً أنه: الموت، الذي "لا رادّ لقضاء الله وقدره" حينما يأتي، باعتباره النقطة الأخيرة على حروف الحياة، تمنحها معناها وفحواها، بعد أن يكون المرء أمضى حياته، وشبح الموت يعشش في أحشائه، يمنعه من إدراك الحياة، وأنها قصيرة ولن تتكرر، وعليه أن يعرف كيف يستثمرها.

لكن الموت السوري مختلف. مختلف جداً. هو موت بقرار ونيات، وهو لعبة سوداء يلعبها شياطين الحروب، وهو قتل بالجملة والمفرق، هو منتج تتلقفه الفضائيات، وتروّجه على مدى سنوات الموت السوري، رسائل تبثها المنابر الإعلامية مدججة بإيديولوجيات وعقائد، تغذي نزعة القتل، وتجيد تلقين التعصب المطلق والوحشية الكاملة، وتؤمّن قوت الموت. إنه النجم الأول الذي شغل العالم بملاحقة أخباره وتصوير حصاده.

وفي مقابل هذا الموت "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، هناك نظيره الأدهى والأكثر خبثاً، شبيهه الذي يعمل بصمت، يخاتل النور والأضواء، يحب العتمة والزوايا المظلمة، ويدفع بالبلاد إلى الهلاك، كما يسعده عدم التفات العالم إليه، أو انشغاله به. إنه "الموت السريري".

لهذا الموت السريري علاماته الدامغة، فالمواطن السوري، إذا استحق الفرد السوري لقب المواطن، يعيش على هامش الحياة، هامش آخذ في الضيق، حتى لا يبقى لديه متسع لحلم باستنشاق ما يكفي من الهواء، يعيش في مجتمعٍ فُرض فيه العنف بكلّ أشكاله طريقة للتفاعل الاجتماعي.

حرمان بحرمان. الدفء صار من الماضي، فلا محروقات للتدفئة، وإن وجدت فتحتَ رحمة تجار الحروب والسوق السوداء، لا كهرباء، على الرغم من أن تدابير التقنين الرسمية تتيح للمواطن نصف يوم من الطاقة، ليتدبر أمره معها، لكن هذا النصف من النهار منتهك بأعطال الشبكة المهترئة التي تضع الناس تحت رحمة القدر، أي عاصفة أو ريح قوية بعض الشيء، وأي زخة غزيرة من المطر تهتّك حبال الشبكة، فتشتعل الحرائق، وربما تسقط الحبال المفصولة بالحريق إلى الأرض، بكل توترها العالي، فتحصد بعض الأرواح التي تعتبر المشي في الشوارع من حقها، وأن الأرصفة آمنة، فيحصدها حبل فاغر فمه مثل ثعبان متربص. بلى، يموت بعضهم صعقاً بمنتهى الرخص، وليس تحت التعذيب بالكهرباء. أما الرقم الساخن لتلقي شكاوى المواطنين فلا يجيب لشدة حرارته، فالموظف المكلف بالرد يخاف من حريق أذنه، فيما لو وضع سماعة الهاتف عليها. لذلك، لا يرد، بينما يكظم المواطن المسالم غيظه، ويدع قهره ينهشه من الداخل، وتبقى مشكلته بلا حل، وهذا المواطن المسالم النظامي، المفصل بحسب معايير الأمانة والأداء الوطني، يدفع فواتيره بحدها الأقصى، مع مراعاة سعر الصرف، ويدفع أيضاً "رسم إعادة الإعمار"، و"رسم المجهود الحربي" باعتبارنا في حربٍ لم نُسأل إذا كنا نريدها، ولا حتى الحرب التي صرفنا عمرنا وأعمار أطفالنا وآبائنا في الدفع لأجلها، لم نسأل عنها، وهناك رسوم أخرى تحمّل على الفواتير كلها، والمواطن يدفع.

الليرة التي يتدخل، كل حين، المصرف المركزي لدعمها في الوقوف على رجليها، صارت مثل امرأة منفوخة الوجه والجسد، من كثرة العمليات التي تبغي الحفاظ على شبابها بواسطتها، بينما هي تتآكل من الداخل، وتنحدر إلى شيخوخة مهترئة، أسعار المواد الغذائية تُحسب بسعر الليرة الحقيقي، وليس الإعلامي أو الخلبي، هي أسعار تفوق قدرة المواطن، فيتواضع في مأكله وملبسه، حدّ السترة وسد الرمق، وهذا أيضاً صار مهدداً.

المواطن السوري واقع تحت رحمة تجار الأزمات والعصابات المتنوعة باختصاصاتها، عصابات مرتهنة لأطراف في النزاع، وعصابات مناطقية، وأخرى للسرقة والتشليح، عصابات غير منظورة، تتغلغل في القطاع العام، وفي مؤسسات الدولة، الرشى التي كانت تتم في الظل، أو عن طريق سماسرة يلقبون بالمفاتيح، صارت، اليوم، علنية فجة حدّ الوقاحة والفجور. قانون منتهك ومهلهل، أكثر مما مضى بكثير، وفساد وفّرت له سنوات الأزمة الشرسة حواضن عالية الكفاءة، وكل هذا يحصل، بينما الدولة مشغولة بالمهمة الأسمى: أمن الوطن والقضاء على الإرهاب.

المواطن السوري مصلوب أمام الشاشات، يشهد موته البشع، يشهد قدره هابطاً من السماء ببراميل تجيد الغضب، أو يلتف حول عنقه بسكاكين الذبح الحلال. يستنشق رائحة البارود والدم الطازج ورائحة الشواء الآدمي. يقف مقيداً وسط الفجائع، لا يعرف الأمن، ولا الأمان، ذهنه مشغول بتأمين لقمة للغد، ويحلم بأن يفرح بنجاته بعد كل قذيفة أو صاروخ يأتي من جهات الأرض الأربع. هو محظوظ طالما ظفر بالحياة بالرغم من كل بؤسها.

شباب الوطن ينظرون في عيون رفاقهم الذين لم يبقَ منهم غير أوراق نعي، ملصقة على جدران المدن وأعمدة إنارتها المطفأة غالباً، وجذوع أشجارها المقطوعة، ويقرأون دعوات الموت الأسود فيها، يفرون من مصيرهم، بعدما فرّت سبل الحياة من أيديهم، ويهيمون في بقاع الأرض، هرباً من طاحونة الموت التي لا يريدونها. ولا أحد يرأف بهذا الشعب، ولا بكنزه القدسي المنتهك، والمعروض للقتل "الشباب". كلما ومضت في الأفق بارقة أمل، في التقاء مجموعة من السوريين المشتغلين والمشغولين بقضيته، تسللت إليها النيات المغرضة، والطامحة في انهيار المجتمع والوطن السوري، وعرقلت أداءها، قبل أن تخطو خطوة واحدة في درب التفاهم، وعطّلت مشروعهم الوطني.

مجتمع معطّل، يتلاشى بطاقاته ومكنوناته، لا أمل، لا طموح، لا أمن، لا أمان، لا شغل له غير انتظار الموت، والدخول في حالة من الشلل المترقي، الشلل الذي يقعده بالتدريج عن العمل والإنتاج. الشعب السوري يتحمل الهزات الارتدادية بكل درجاتها، وترمى إليه الأزمات الحياتية ليصارعها، ويوجِد الحلول لها، ليس للسوري وقت للتفكير في إبداع شيء، ولا يملك القدرة على فعل شيء. يبتعد بالتدريج عن خانة الحياة، يتحوّل، خلال عمر الأزمة التي تطول، إلى كائن يعيش بأجهزته الحيوية فقط، أليس هذا هو الموت السريري؟