الممنوعون من الإنترنت... احتلال إسرائيلي للحيز الرقمي الفلسطيني

28 ابريل 2020
الصورة
منع الدخول للإنترنت يرافقه قرار إقامة جبرية (العربي الجديد)
في عام 2015 اندلعت هبة جماهيرية على إثر نية الاحتلال تطبيق "التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى"، لتسقط عين المخابرات الإسرائيلية على قصيدة "قاوم يا شعبي قاوم" للشاعرة الفلسطينية دارين طاطور، إذ اقتحمت قوة من مخابرات الاحتلال منزلها في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 واقتادتها من قرية الرينة قضاء الناصرة في الداخل المحتل، إلى مراكز التحقيق بتهمة التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد مرور ثلاثة أشهر على اعتقالها، تم تحويلها إلى الإقامة الجبرية بشروط تتضمّن عدم الدخول إلى شبكة الإنترنت وعدم الوصول والظهور على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب ما روت لـ "العربي الجديد"، مضيفة أنه تم إجبارها على العيش لمدة سنة ونصف بين 40 ألف مستوطن في مستوطنة "كريات أونو" القريبة من تل أبيب، وكان هؤلاء يعلمون أن احتجازها في هذا المكان بسبب تحريضها على قتل الإسرائيليين، كما كانت مخابرات الاحتلال تداهم شقتها في ساعات متأخرة من الليل بشكل شبه يومي، للتأكد من عدم وجود أي أجهزة إلكترونية بحوزتها.

وبيّنت أن محكمة الاحتلال وضعت شرطاً عليها أنه في حال استخدامها وسائل التواصل الاجتماعي فإنه ستتم إعادتها إلى السجن بالإضافة لدفع غرامة مالية تصل إلى 28500 دولار، ليستمر هذا المنع لمدة ثلاث سنوات.


هذا الحساب مراقب

في 30 يوليو/ تموز 2018، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الكاتب الصحافي علاء الريماوي بتهمة تأييد المقاومة الفلسطينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتحريض على الاحتلال. وفي 22 أغسطس/ آب من نفس العام أفرجت عنه محكمة عسكرية بشروط تتضمّن عدم الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي لمدة عام وعدم مغادرة مدينة رام الله وكذلك عدم القيام بأي نشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي حال خالف هذه الشروط فإنه يتم اعتقاله ويدفع مبلغ 3 آلاف دولار.

يقول الريماوي، في مقابلة مع "العربي الجديد"، إن ضابط المخابرات استدعاه للتحقيق بعد صدور قرار المحكمة بالإفراج عنه وقام بتصوير آخر منشور له كان قد نشره قبل اعتقاله وأبلغه أن أي منشور خلال عام بعد منشوره الأخير يعني إعادة اعتقاله، وقام خلال جلسة التحقيق بإدخال حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي على نظام إلكتروني للمراقبة، وبذلك أصبحت كافة حساباته مراقبة.

ولفت الكاتب الريماوي إلى أن "نيابة الاحتلال طلبت من وحدة إلكترونية متخصصة تابعة لمخابرات الاحتلال مراقبة حساباتي، مع الإشارة إلى أن هذه الوحدة هي التي قدمت محتوى من 400 صفحة بالإضافة إلى فيديوهات مصورة للمحكمة، مدعية أنني أقوم بالتحريض على الاحتلال من خلال عملي الصحافي وحساباتي الشخصية"، وهو ما حدث مع طاطور التي أكدت أنه بالإضافة إلى الإجراءات المباشرة المتمثلة بالتفتيش والمداهمة، هناك أيضاً "وحدة متخصصة تابعة لمخابرات الاحتلال ولديها تقنيات عالية (الوحدة 5000) تتابع حسابات الأشخاص الذين تصدر بحقهم قرارات منع من الدخول إلى شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي حال خالفوا هذه القرارات يتم اعتقالهم".

وحول وسائل الردع التي يستخدمها الاحتلال لضمان عدم النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قال الريماوي إن القرارات المتعلقة بقرارات منع النشر دائماً ما تتضمن تهديداً بإعادة الاعتقال وكذلك فرض مبلغ مالي كبير كضمان.



الحبس تحت القيد الإلكتروني

تعذر التواصل مع الشيخ رائد صلاح، رئيس "الحركة الإسلامية الشمالية"، الذي صدر بحقه قرار بمنع النشر على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى الدخول إلى شبكة الإنترنت وكذلك عدم الخروج من المنزل، بسبب وجوده في "الحبس تحت القيد الإلكتروني" كما أبلغنا محاميه خالد زبارقة، والذي أكد لـ "العربي الجديد" أن مخالفة القرار القضائي بمنع الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي تعني إعادة الاعتقال. مشيراً إلى أن الشيخ صلاح يخضع للمراقبة الإلكترونية والبشرية وتتم مداهمة منزله بين فترة وأخرى للتأكد من وجوده في المنزل وأيضاً للتأكد من تطبيقه كافة شروط الإفراج عنه.

وكشف زبارقة عن وجود جهاز داخل منزل الشيخ صلاح لمراقبة نشاطه الإلكتروني، كما أن الاحتلال منع وجود شبكة الإنترنت في منزله، إذ إنه ممنوع من الدخول إلى الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، موضحاً أن هذه الشروط مطبقة على الشيخ صلاح منذ 6 يوليو/ تموز 2018 وحتى يومنا.

وشدد المحامي زبارقة على أن هذا النوع من العقوبات يهدف إلى عزل الأشخاص المؤثرين عن محيطهم، وذلك لقناعة الاحتلال أن وجود هؤلاء الأشخاص في الفضاء الإلكتروني يمكن أن يؤثر في مواقف الجماهير أو قد يكشف حقائق لا يريد لها الاحتلال أن تتكشف كما في حالة الشيخ رائد صلاح، إذ إنه كان دائم الكشف عن المشاريع الإسرائيلية الخاصة بالمقدسات الإسلامية في القدس.

كلمات قد تقود إلى الاعتقال

"في سبتمبر/ أيلول عام 2016 أفرجت سلطات الاحتلال عن الصحافية سماح دويك من مدينة القدس بعد اعتقال استمر لمدة ستة أشهر. وأشارت دويك في إفادتها لـ"العربي الجديد" إلى أن محكمة الاحتلال حكمت عليها بالسجن ستة أشهر لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، وفي حال قامت بنشر أي منشور يمكن أن يندرج تحت بند التحريض خلال فترة سريان الحكم، يتم تنفيذ قرار السجن بحقها بسبب المنشورات الجديدة بالإضافة إلى ستة أشهر إضافية هي مدة الحكم مع وقف التنفيذ على المنشورات السابقة.

حول طرق الاحتلال في مراقبة الأشخاص الذين يتم إصدار قرارات قضائية بحقهم على خلفية النشر، قالت دويك: "باعتقادي، إن الاحتلال يقوم بمراقبة المحتوى الفلسطيني من خلال حسابات وهمية بالإضافة إلى أن مخابرات الاحتلال لديها وحدة متخصصة بمراقبة المحتوى تقوم بمراقبة بعض الحسابات بشكل مكثف".

وشَرّع الاحتلال منذ أربع سنوات قوانين جديدة تتيح له مراقبة المحتوى الذي يتم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يفسر الزيادة الملحوظة في عدد المعتقلين في مدينة القدس بحجة التحريض في وسائل التواصل الاجتماعي، وفق ما رصده أمجد أبو عصب، رئيس لجنة أهالي الأسرى في مدينة القدس، والذي قال لـ"العربي الجديد" إن الاحتلال يتخذ عدة إجراءات قضائية بحق المعتقلين، من بينها منعهم من النشر على مواقع التواصل الاجتماعي لفترات معينة. مشيراً إلى أن ذلك يتم من خلال طرق عدة، أهمها: مراقبة الحسابات التابعة لهؤلاء الأشخاص من خلال وحدة متخصصة تنسّق مع نيابة ومحكمة الاحتلال، وكذلك من خلال حسابات لعملاء أو حسابات وهمية تراقب هذه الحسابات أيضاً.


مراقبة الممنوعين من الإنترنت

يقول الخبير في الأمن المعلوماتي والإعلام الجديد سائد حسونة، إن وحدة إسرائيلية متخصصة تراقب من تصدر بحقهم قرارات منع من الوصول أو الدخول إلى الإنترنت، مشيراً إلى أن منع الدخول إلى الإنترنت يرافقه في العادة تحديد مكان الإقامة بحيث يمنع على الشخص الخروج منه، وهو ما يسهل على المخابرات الإسرائيلية مراقبته من خلال مراقبة المساحة التي يوجد فيها إلكترونياً.

وأضاف أنه "حتى لو قام هذا الشخص بإنشاء حساب وهمي، فإنه من الممكن كشفه من خلال حسابات أهله وأصدقائه في حال قام بالتواصل معهم من خلال الحساب الوهمي، بحيث تقوم المخابرات الإسرائيلية بتحليل مضمون المحادثات والتعرف إلى ما إذا كان هذا الشخص الممنوع هو أحد أطراف المحادثة أم لا".

"وفي الأساس تتم مراقبة أجهزة هذا الشخص، وإسرائيل تمتلك برامج قادرة على التجسس على الأجهزة. بالإضافة إلى أن مزود خدمات الإنترنت الرئيسي للفلسطينيين هو الاحتلال، وذلك طبقاً للاتفاقيات الموقعة بين شركات الاتصال الفلسطينية والاحتلال"، كما أوضح حسونة.

وعن إمكانية التحايل على إجراءات الاحتلال في مراقبة هؤلاء الأشخاص، قال حسونة إن التحايل صعب، لكنه ممكن من خلال تطبيقات وبرامج عالية التشفير، وهذا يتطلب من الشخص المعرفة الإلكترونية الكافية لإدارة عملية التحايل وهو أمر غير متاح للجميع، لكنه عاد وأكد أن استخدام المتصفحات الخفية قد يمنع من كشف الشخص المستهدف من الاحتلال، أو من خلال المحادثات السرية عبر التطبيقات عالية التشفير كالتلغرام، أو في حال كانت لديه معرفة في تشفير و"تعمية" نقل المستندات عبر الإنترنت.


الاحتلال والسيادة الإلكترونية

حضرت الناشطة السياسية في الداخل الفلسطيني المحتل، نيفين أبو رحمون، في محاكمة أكثر من ناشط فلسطيني تم إصدار قرارات منع من الدخول إلى الإنترنت بحقهم، كما أكدت لـ "العربي الجديد"، موضحة أن المداولات داخل المحاكم الإسرائيلية تثبت أن الاحتلال يحاول أن يكرس سيادة إسرائيلية على الحيز الرقمي أيضاً من خلال تقييد الفلسطيني ومنعه من الدخول إلى هذا العالم.

وأوضحت عضو الكنيست السابق عن التجمع الوطني الديمقراطي أن منع بعض النشطاء من الدخول إلى الإنترنت هو عملياً "اعتقال رقمي" بتحديد سقف زمني، وهذا الاعتقال يهدف إلى ردع الآخرين عن مشاركة أفكارهم الوطنية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعيد للأذهان أهداف الاعتقال الفعلي من حيث العقوبة والردع.

وفقاً للناشطة أبو رحمون، فإنه ومن خلال اطلاعها على تجارب منع عدة، تستطيع التأكيد أن الاحتلال استطاع بالفعل منع هؤلاء الأشخاص من الدخول إلى الإنترنت، وهذا لا يعني أن التزام هؤلاء الأشخاص هو انصياعهم للقرار الإسرائيلي بقدر ما هو محاولة لمنع اتخاذ إجراءات أخرى بحقهم، بما في ذلك الاعتقال ودفع مبلغ كبير من المال.

ورغم أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنص على أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية، إلا أن إدارة الفيسبوك تتساوق مع الاحتلال الإسرائيلي ومطالباته بخصوص حجب صفحات وحسابات ومنشورات يعتبرها الأخير تحريضية، وفقا المدير التنفيذي لمركز صدى سوشيال مصعب قفيشة، والذي قال لـ "العربي الجديد":"في أغلب حالات الحجب التي يقوم المركز بالتواصل بشأنها مع إدارة الفيسبوك، يتم إبلاغه بأن هذه الصفحات أو المنشورات تحرض على الكراهية و"الإرهاب" وبالتالي من غير الممكن استعادتها". وحول سؤال ما إذا كان الفيسبوك يساعد الاحتلال الإسرائيلي في مراقبة بعض الحسابات والصفحات، أكد قفيشة أن التواصل بين الطرفين مستمر وخلال عام 2018 استجاب الفيسبوك بنسبة 100% للطلبات التي قدمها الاحتلال الإسرائيلي بما يشمل الحجب والمراقبة.