المعارضة السورية بين جنيف وسوتشي

18 ديسمبر 2017
+ الخط -
في الأمس القريب، أطل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من قاعدته الروسية في حميميم غرب اللاذقية، وألقى خطاب النصر بإعلانه نهاية العمل العسكري، بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في سورية بشكل نهائي. وتبع القرار إيعاز روسي بسحب القوات الروسية من سورية، باستثناء الأسطول البحري في شواطئ المتوسط، تحسباً لأي تنام لتنظيم داعش بشكل مفاجئ.
ما جرى هو أيضا رسالة إلى واشنطن، مفادها بأن روسيا أصبح لها موطئ قدم في مياه المتوسط، وهو إنجاز طبيعي لها بعد عامين من تدخلها في سورية، بيد أنّ إعلان روسيا والنظام بالنصرعلى الإرهاب كان مجرد ضربة استباقية، لإظهار ما هو بعد الإعلان من تعزيز بوتين رؤيته السياسية في سوتشي.
وبينما كان الرئيس بوتين يتنقل بين سورية ومصر وتركيا، كانت مفاوضات جنيف، بجولتها الثامنة، تشهد حالة متعسرة ومخاض ألم عسير، أصاب مفاصل المعارضة، سببها الضربات التي وجهها وفد النظام برئاسة بشارالجعفري، إذ كانت اللامبالاة سيدة الموقف في تعنت النظام بعدم الدخول في مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، برئاسة نصرالحريري، ورفضه بيان مؤتمر الرياض 2، بما عنى ذلك من فشل ذريع.
وقد أعلن المبعوث الأممي، دي ميستورا، عن خيبة أمله، عقب نهاية الجولة التي لم ترق إلى مستوى المفاوضات، بل اقتصرت على المشاورات، موجهاً أصابع الاتهام إلى وفد النظام، والذي أظهر رغبة مبيتة لإفشال مسار جنيف كلياً، ونسفه من الجذور والاستعاضة عنه بمؤتمر سوتشي المزمع عقده مطلع العام 2018، فيما نصر الحريري عبّر عن استيائه، مضيفاً أنّه لا يتوقع أي تقدم في الجولات المقبلة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه من دون ممارسة الأمم المتحدة دورها بشكل رئيس، بالضغط على النظام، وهو الأمر الأهم إذا ما أرادت الحفاظ على مصداقية الأمم المتحدة في إحلال السلام.
نجح النظام عبر مبعوثه بشار الجعفري في إفشال جولة جنيف، لترتفع بذلك أسهم "سوتشي"، وعلى الرغم من تأكيد واشنطن أن مسار جنيف وحده المسار النهائي للحل السياسي السوري، إلا أن هذا يعد بمثابة كلام كالهشيم في الهواء، من دون إرفاقه بخطوات عملية، وهي الغائبة إلى يومنا هذا في ظل عدم وجود نية أميركية قريبة المدى لأي حل في سورية.
غياب الإرادة الأميركية جعل روسيا تستفرد أكثر فأكثر، بالضغط على المعارضة، فبعد يومين من نهاية جنيف، كشفت مصادر عن شروط روسية تفرضها على المعارضة قبل أي حل سوري، تتمثل في التزام المعارضة بمحاربة الإرهاب وجبهة النصرة، والحفاظ على مناطق خفض التصعيد، وسحب بيان "الرياض2"، والتنازل كلياً عن مطلب رحيل الأسد، وعلى الفور جاء الرد بالرفض من وفد المعارضة، فالمتحدث باسم وفد المعارضة، يحيى العريضي، قال متهمكاً: هذا جنون وضرب من الخيال.
لو نظرناً أخيرا إلى حال المعارضة، بعيداً عن الشروط الروسية التي لا تعدو كونها ممارسة مزيد من الضغط، فإن المعارضة السورية بوفدها الحامل ألغاما داخلية، إلى جانب فشل جولة جنيف، هي بهذا الصدد في أصعب حالاتها، وهي أمام خياراتٍ لا وجود لأحسنها في قاموسها، وهو نتاج منطقي للتنازلات المقدمة.
علاوة على ذلك، لا وجود لخيارات أمام المعارضة، حتى تفضل إحداها على الآخر، فإن حسمت أمرها وذهبت إلى سوتشي، مع التأكيد على ثوابت الانتقال السياسي ورحيل الأسد، فلن ينفعها هذا أمام الحديث عن إقرار دستور وانتخابات في سوتشي.
ومن الطبيعي بما أن جنيف، وعلى مدار 20 شهرا، لم يُحدث فيه أي نقاش في الانتقال السياسي وآلية تطبيق قرارات مجلس الأمن 2254، فمن البديهي أن هذا لن يحصل في سوتشي، لا سيما أنّ روسيا هي من شتّتت جهود المعارضة، وسخّرت جهود المبعوث الأممي، دي ميستورا، لخدمتها في مقابل أن لا يتم التطرّق للحديث عن جوهر العملية السياسية في جنيف، فيما خيارعدم الذهاب إلى سوتشي قد تم التنبؤ بنتائجه، من خلال تهديدات مبطنة، قذفها دي ميستورا، وسرعان ما تراجع عنها في جنيف، وقدم اعتذاراً للمعارضة عن سوء الفهم، عندما قال لهم بما معناه: إما نجاح "جنيف" أو تلاشيكم في "سوتشي"؟ وهو ما أخذ على محمل الجد داخل الأوساط المعارضة، بمعنى أن مؤتمر سوتشي سيكون إقرار للحل النهائي لسورية، والإخراج الشكلي له في جنيف.
ذهاب بعض الوفد من منصتي القاهرة وموسكو بشكل مستقل إلى سوتشي سينعكس سلباً على كامل وفد المعارضة، وسيُحسب دولياً أنها ذهبت حتى لو تم حضور شخص واحد، هذا بالمنظورالروسي. ولا شك أنها ستستغله لشرعنة رؤيتها، وتقليص أكثر لبقية وفد المعارضة التي تجد نفسها أمام خياراتٍ، أحلاها مر.
FB7E1B28-E9EF-474D-808F-467FC19B57EE
FB7E1B28-E9EF-474D-808F-467FC19B57EE
يمان دابقي (سورية)
يمان دابقي (سورية)