اللهمّ إني شامت

10 مارس 2020
الصورة

لافتات في بلدة تل السبع ترفض تنتنياهو (1/3/2020/getty)

إن لم يكن عهد بنيامين نتنياهو الطويل في سدّة الحكم قد انتهى، فإنه يشارف الآن على النهاية بصورة شبه مؤكّدة، وإن سقوط "ملك" إسرائيل المدوّي بات أمراً واقعاً، قد يحدث في فترة وجيزة، ليس بفضل الأمنيات والدعوات الصالحات من المتفرّجين منا على مقاعد المدرّجات، وإنما بفعل أغلبية عددية حاسمة، حققتها، إلى جانب عوامل أخرى، الجماهير العربية في داخل الداخل الفلسطيني، تلك الجموع التي تدفقت، بحماسة، على صناديق الاقتراع، وأحدثت هذا الفارق النوعي في الموازين، في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ الصراع، واستثمرت جيداً في ممكناته المتاحة بين متن النظام الانتخابي وهامشه، لتقلب الطاولة على رأس الممعن في التحريض والكراهية.
بدت مجريات معركة الكنيست الثالثة في أقل من عام تماماً على نحو ما كانت عليه في المرّتين السابقتين، معركة تدور حول هدف مركزي واحد "كلهم إلا نتنياهو"، الأمر الذي أحدث استقطاباً لا سابق له داخل المجتمع اليهودي، وأتاح للأقلية العربية الكبيرة فرصة نادرة لاكتساب مقرّر داخل الخريطة السياسية الإسرائيلية، ومن ثمّة منح القائمة المشتركة، الفائزة بـ15 مقعداً لأول مرة، الوزن المرجِح في الكفّة، ضد رئيس حكومة فاسد، أمضى في المنصب فترة أطول من فترة بن غوريون.
أثار انتهاء عهد نتنياهو، بعد لأي شديد، حيث حسب كثيرون بيننا أن هذا الساحر السياسي بسبعة أرواح، ارتياحاً واسعاً في صفوف الفلسطينيين المخاطبين بنتائج هذه الجولات الانتخابية المتتالية، ليس لأن بديله المحتمل رجل سلام مثلاً، أو أنه يؤيد قرارات الشرعية الدولية لا سمح الله، وإنما لأن زعيم حزب الليكود بدا، في خططه التوسعية، ونهجه الفاشي، الشرّ المستطير في حد ذاته، على نحوٍ أدهى وأمرّ من أشد أسلافه اليمينيين تعصباً، أمثال بيغن وشامير وشارون، الذين افتقروا إلى مهارات هذا البهلوان، ولم يتمكّنوا من وضع البيت الأبيض والكرملين معاً في جيب المعطف مثله.
بفعل هذا المتغير الذي حوّل نتنياهو جثة سياسية، تكون صفقة القرن قد تحوّلت إلى عربة مهلهلة، يجرّها حصان واحد، بعد أن كانت مهيأة للانطلاق بحصانين جامحين على طريقٍ بلا عوائق كأداء، الأمر الذي يُشجع على التفاؤل بإمكانية تعثّر الحصان الثاني فوق مضمار السباق الأميركي، في أواخر العام الحالي، وهو ما يشجّع على إبداء قدر من التفاؤل قائلين (وفي الذهن نقل السفارة الأميركية إلى القدس وصفقة القرن): عهد نتنياهو انتهى، "عقبال ترامب" إن شاءت الأقدار، وتحديداً على يدي الديمقراطي بيرني ساندرز، إن تبسّمت لنا الأيام.
ومن غير إفراط في التفاؤل، أو اجترارٍ للتمنيات، فإن ما بدا صعب المنال حتى الأمس القريب تحقّق بصورة مرضية، وصار قاب قوسين، سيما وأن المعركة التي أدارها نتنياهو على مستقبله السياسي، وخاضها بضراوةٍ للإفلات من المحاكمة على ثلاث تهم مشينةٍ، لم تُنجز المهمة، وبالتالي لم يعد مستبعدا أن يتكرّر المشهد ذاته في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، إذا ما انقلبت الطاولة على دونالد ترامب، وخسر الرجل البرتقالي الرهان على تجديد ولايته الرئاسية، لينقضي بذلك عهد دام أربع سنوات كسيفة، بدت فيها واشنطن متخبطة وقليلة الرصانة، فيما بدت الأمة الأميركية بحاجة ماسّة لرئاسة أفضل، تليق بمكانتها.
لذلك، مع انقضاء عهد نتنياهو الوشيك، يمكن القول، بكثير من الحذر والتحفظ، وبأقل القليل من التفاؤل، إن هذا المتغير الإيجابي يمثل نقطة كسب ثمينة، مهما كانت صغيرة، وربما يُشكل بداية تحوّل في المسار المستعصي الذي أمسك به زعيم حزب الليكود سنوات، ونجح في تعليقه عند مفترق طرق لا تصل أيٌّ من دروبه إلى أي مكان، أي إبقاء الوضع الراهن على حاله، باعتبار هذا الوضع أفضل الخيارات الإسرائيلية وأجداها، لتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس، وتقويض حل الدولتين.
يكاد المرء، وهو يتابع تفاصيل نتائج انتخابات الكنيست أخيرا، سوى القول اللهم إني شامت، بما آل إليه حال لاعب الأكروبات الأشهر في سيرك الحياة السياسية الإسرائيلية، سيما وأن هذا البهلوان كان السيئ رقم واحد بين نظرائه السيئين، وأعلاهم كعباً في مهنة التهريج ولعبة المراوغة، بل وكان أطولهم باعاً في تعزيز مظاهر العنصرية والتعصب والكراهية. كما لا يستطيع المرء، في المقابل، إلا أن يعرب عن اعتزازه بالفرق الذي صنعه أهل البلاد، المواطنون العرب الذين بنوا سدّاً منيعاً أمام إمكانية عودة نتنياهو إلى الحكم، من غير أن يعوّلوا على منافسيه، أو يراهنوا إلا على وحدتهم وإرادتهم الذاتية.