القرية التي لا اسم لها

17 يونيو 2018
الصورة
(مقطع من عمل للفنان البيروفي فيكتور ديلفين)
+ الخط -

لكلٍّ منّا طريقته في إضفاء معنًى ما على حياته، طريقته للشّعور بالانتماء لشيءٍ أكبر منه، لتسكين الموت القريب كحبل الوريد، وكان السّفر طريقتي.

لم أكن أسافر للاستجمام أو التّمتع بالشّمس على الشاطئ في عروض الفنادق التي تصنع من العصفور الطنّان "فيلاً إفريقيّاً"، وتصنع من قناعته بيضاً يركض عليه هذا الفيل. كنت أسافر وحدي، لا مشارك لي سوى بعض الأموال، وكتابٍ يشبه سفري، وخارطةٍ لا أستعملها إلّا حين يتوجب عليّ إنقاذ حياتي، وقد لا أستعملها حتّى حينها.

كدت أن أقضي نحبي في غابات نيري في كينيا حين عضّتني أفعى صغيرةٌ بحجم إصبعي، ولولا أنّ السّكان المحليين عالجوني بأغرب أنواع العلاجات كالنوم واقفاً، وبأدويةٍ مصنوعةٍ من التّراب لما كنت حيّاً في كوروتيا، حيث هاجمني أسدٌ سيلانيٌّ اكتشفت بعد سنواتٍ حين قرأت وصفه وشاهدت صورةً متخيلة عنه في موسوعةٍ عن الأسود، أنّ سلالته انقرضت منذ 39 ألف عام!

كان الغريب رفيقي، يسكن خططي وخطواتي، ولم أكن أتعامل معه كمن يتعامل مع شيءٍ هجينٍ، فقد عوّدت نفسي على قبول كلّ شيءٍ. وبالإضافة لولعي بغرائب الطّبيعة كنت أمتلك شغفاً بكلّ متجرٍ يبيع أشياء قديمةٍ، لم يكن المال الذي أحمله يسمح لي بشراء أيّ شيءٍ، لكنّ التجوّل في أيّ مكانٍ يحوي أشياء قديمة من عمل الإنسان يجعلني أرغب بالانتماء لهذا الجنس الذي طالما لعنته.

كنت أشعر أنّ هناك قطعةً ضائعةً داخلي، ورقةً فقدتها الغابة لكنّها لا تزال توجع جذوعها، وكنت أبحث في رحلاتي عن تلك الورقة التي ربما لم تكن موجودةً أبداً.

وصلت ليما عاصمة البيرو، أقمت أوّل ليلةٍ في منزل صديقي دييغو. لقد شاركني دييغو مرّةً رحلةً في غابات الأمازون، وقد شاهد شغفاً في عينيّ يشبه شغفه فظلّ يُلحّ عليّ أن أزوره في وطنه، وقال لي إنّ حدس المغامر في داخله يعده برحلةٍ لن تشبه غيرها.

في الصّباح، وجدناها فرصةً مؤاتيةً لمشاهدة الاحتفالات بمهرجان التّذوق في العاصمة. كانت العروض راقصةً، تستوحي طقوس القبائل القديمة. تبادلتُ نظراتٍ مع امرأةٍ تشارك في عرضٍ بين النيران وهي تلفّ جسدها بأفاعٍ، ويلدغ اهتزاز شعرها على ظهرها المكشوف نظرات المتجمهرين. تبادلنا نظرات كألسنة الأفاعي وكدت أن أخرق عهدي مع نفسي لولا تدخل زوجة دييغو وجرّها نظرات زوجها التي تحفر طرقاً في جسد الرّاقصة القمحيّ.

غادرنا شرقاً إلى منطقةٍ قريبةٍ من الحدود مع بوليفيا. امتطينا اللّاما، الحيوان الذي يبدو أنّه طفلٌ لوالدين هما الجمل والنعامة. كان حيواناً لطيفاً حقّاً، بدا أنّه متصالحٌ مع انفصامه، وكنت أركبه للمرة الأُولى وأشعر بلحظة صفاءٍ نادرةٍ وهو يهتزّ بي على المنحدرات المتعرّجة.

تجوّلنا في أماكن قديمةٍ، شاهدنا بقايا إحدى أعرق الحضارت والتي يعزى تفوقها للكائنات الفضائية: حضارة الإنكا. ضعنا في الجبال لأنّ صديقي أراد زيارة قريةٍ تشتهر بأجمل النساء في أميركا اللاتينية، وقال لي لا بدّ أنّ الرّاقصة التي رأيناها في ليما جاءت من هذه القرية. عارضته في البداية، لكنني سايرته لحاجةٍ في نفسي دفينة.

وهكذا ضعنا طويلاً، بعد أن فقدنا حيواني اللاما. تذكرت كانديد فولتير وصديقه كاكامبو، تلك القصّة التي أحببتها طفلاً وسخرت من الأدب الذي يطارد صاحبه. كنّا جائعين ولحسن الحظّ أنّ دييغو كان يميّز النباتات السّامّة من تلك الصّالحة للأكل. رأينا زورقاً على شاطئ نهرٍ وفعلنا كما فعل كانديد، قلنا لا بدّ أنّ النّهر يؤدي إلى مكانٍ مسكونٍ، والموت في مكانٍ جديدٍ أرحم من أن ننشف هنا بين الصخور.

ما كان علينا حين وصلنا البر أن نصف ويلات رحلتنا، كانت ثيابنا والجروح على جسدينا والتراب الذي ارتديناه سلاسل في عنقينا تتحدث ببلاغةٍ ما كنّا في حالتنا تلك سنجيدها. وصلنا إلى اليابسة ولا أذكر سوى صورة رجالٍ يحملوننا. حين استيقظنا كنّا في أنظف الغرف في العالم، كانت ملابسنا جديدةً وناصعةً، وبدا وكأننا في مدينةٍ ضائعةٍ، يشبه طراز عمارتها بقايا حضارة الإنكا، ويرتدي سكانها ملابس هاربةً من محاكم تفتيش دور الأزياء في باريس وميلانو. كانت اللّاما تجر عرباتٍ تحمل الناس، ولم تكن الحجارة في الطّرق من ماسٍ أو ذهبٍ كقرية الإلدورادو، لكنّ حمامات المياه كانت تملأ الطّرقات، يجاور كلّ واحدٍ منها مكتبةٌ بلا أمينٍ، إذ بدا أن كلّ مواطنٍ في هذه القرية أمين مكتبة.

رافقنا في رحلتنا دليلٌ سياحيٌّ يتكلّم لغة الكيشوا التي يجيدها دييغو. حدّثنا عن دستور المدينة، فالمادة الأولى تنصّ على أنّ كلّ مواطنٍ ينتمي إلى القرية عليه أن يحرق جواز سفره، ويبنيَ سوراً كسور الصّين العظيم حول نفسه. أخبرنا أنّ من شروط المواطنة في القرية أن تحافظ على نفسك طفلاً، وأنّ امتحاناً سنويّاً للبالغين يجري كلّ عامٍ، تُعرَض فيه عليهم صورٌ ينبغي أن يصفوها، يخضعون لفحصٍ طبيٍّ يقيس نسبة الدّهشة، ويزودون بألعابٍ عليهم أن يقضوا الوقت وهم يلعبون بها دون أن يشعروا بمروره.

كان دليلنا يتحدث وكنّا نمشي مبهوريْن بالتّنوع الهائل للعمارة في القرية وبطراز الملابس، فلا بيت يشبه أخاه ولا أحد يرتدي نفس الملابس، لكن في نفس الوقت يلزمك جهدٌ كبير كي تستنتج أيّ البيوت أجمل، فالبيت الذي رأيته أجمل كان بيت الرّاعي، والذي أحبّه دييغو كان بيت معلّم السباحة.

أخبرنا الدليل أنّ الكتب المدرسيّة تعجّ بالقصائد، فلا يخلو كتابٌ حتّى كتب الفيزياء والكيمياء منها، وأنّ المدرسة (التي لا يُوجَد اختباراتٌ بها) لا تنتهي أبداً، وأنّ المناهج ليست ملزمةً لأحدٍ، فهي مقترحاتٌ مطروحةٌ متى فشل الصفّ في اختيار موضوع الدّرس لذلك اليوم. سألناه عن مادّة الدّين، فأجاب بأنّ الأطفال يتعلمون الشّعر والفلسفة صغاراً ويدرسون كافّة الأديان حتى التي انقرضت، ثم يختار كلّ طالبٍ طريقه وقد لا يختار.

تعبنا من السير فجلسنا في مطعمٍ يُقدم الحلوى والبوظا. كان رواده من كافّة الأعمار، شاهدنا بيتاً على التّلّة، قال لنا دليلنا إنّه بيت الحاكم، استفسرنا عن الحاكم فأشار بيده إلى طفلٍ يلعب في حديقةٍ قربنا، ظنناه يمزح وسألناه عن خوفه من المخابرات، فظنّنا نمزح، ثمّ أقسم بمطر القرية التي لا اسم لها أنّه يقول الحقيقة.

أخبرنا بأنّ القانون ينصّ على أحقيّة كلّ شخصٍ مهما كان جنسه أن يُرشّح نفسه، بشرط أن يقلّ عمره عن اثنتي عشرة سنة، وبأنّ برلماناً من الأطفال ينتخبه الجميع يُنصّب الحاكم. ثمّ أخبرنا أنّ بيت الحاكم أُقيم على التّلة لأنّ داخله المنظار، وحين سألناه عنه، عرض علينا رؤيته عن قربٍ في بيت التّلّة.

لم يكن هناك حرّاس، كان المنظار في غرفة الألعاب التي تعجّ بالكبار والصّغار، الذين لم يكونوا منشغلين بالنظر إلى النّجوم، بل كانوا ينظرون إلى القرية، إلى خشب بيوتها وطرقاتها الضّيقة، إلى رائحة أشجارها وذهب شمسها، إلى حيواناتها الأليفة ووجوه سكّانها.

في الليل عدنا إلى مكان إقامتنا، غطّ دييغو في نومٍ عميقٍ بعد دقائق من غزوه السّرير، لكنّي لم أشعر برغبة بالنّوم، فكلّ الدّهشة داخلي التي تجمّعت طوال اليوم التحمت في صخرةٍ بركانيةٍ حكّت رئتي. خرجت كي أستنشق بعض الهواء، كان ليل القرية يشبه نهارها، تحمله الأضواء والسّاهرون في كلّ مكان. مشيت لساعاتٍ حتى عثرت على متحفٍ يشبه متاجر الكتب الصّغيرة مختبئٍ في هدوء الأزقّة. كان يعرض تحفاً أثريّةً لا مثيل لها في أكبر متاحف العالم.

وجدت في ما وجدت أداةً نحاسيّة اللّون والغبار تشبه الهاتف، بأحجارٍ محفورٌ عليها أشكال نباتاتٍ تدلّ على الأعداد، تُمَكِّن بواسطة سحرٍ ما من التّواصل مع أيّ زمانٍ ومكانٍ. أراني أمين المتحف طريقة استعمالها، وأخبرني عن التّفاصيل التي ينبغي أن تكون في مخيّلتي كي يتمّ الاتصال. انتظرت قليلاً حتى سمعتُ الصّوت في الجهة الأخرى، والذي كان صوت الطّفل الذي كنتُ. استغليتُ شَبَهَ صوتي بصوت أبي كي أبدأ حديثنا. سألته عن تفاصيل يومه، عن ألعابه وأصدقائه من جميع الكائنات، وحين ذكرت له أمر ادّعاء المرض، تلعثم قليلاً ثمّ قال إنّه فعل ذلك كي يُكمل قراءة القصّة التي لم يفهم أكثر تفاصيلها، والتي أحبّ رحلاتها الكثيرة. وقبل أن ننهي المكالمة أخبرني أنّه حين يكبر سيبحث عن قرية الإلدورادو، لعلّه يجدها.
في الصّباح، وبعد إلحاحي الطويل على صديقي، غادرت بالقارب وحيداً.


* كاتب من فلسطين

المساهمون