القدس في "يومها": 47 عاماً في مواجهة الإلغاء

28 مايو 2014
الصورة
أخرج الجدار من القدس 90 ألف عربي (getty)
+ الخط -

كما هي العادة في كل عام، وطبقاً للتقويم العبري، تخترق مسيرات المستوطنين الإسرائيلين شوارع وأحياء ما تبقى من القدس المحتلة عام 67، وهم يرفعون الأعلام الإسرائيلية، ويرددون أغاني الانتصار الصهيوني والنشوة ببقاء "القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل".

هو، إذاً، "يوم القدس الإسرائيلي"، علماً بأن القرار الرسمي للحكومة الإسرائيلية لترسيخ الاحتلال وشرعنته تحت مسمى توحيد شطري المدينة، صدر في 27 يونيو/ حزيران من العام 1967، ونص على توسيع السيادة الإسرائيلية وفرضها على المساحات والأراضي التي تبيّنها خريطة خاصة أعدت لهذه الغاية تحديداً، من دون ذكر القدس باسمها، خوفاً من تبعات القرار.

وباشرت إسرائيل توسيع سيطرتها في القدس المحتلة عبر وضع يدها مباشرة على أراضي وأملاك مَن نزحوا من المدينة خلال الحرب، وتحويل ملكيتها من أملاك الغائبين، في تكرار للسياسة والخطوات نفسها التي اتخذتها في سرقة الأراضي العربية غربي القدس، والتي كانت ملكاً للفلسطينيين قبل النكبة، وأشهرها أحياء "القطمون والبقعة والمصرارة" والمالحة، وعين كارم وغيرها. كما استولت على كامل أراضي دير ياسين ولفتا.

وفي 30 يوليو/ تموز 1980، أقرّ الكنيست قانون أساس "القدس الموحدة عاصمة إسرائيل" الأبدية. وعلى أثر هذا القرار، وُسِّعَت مساحة القدس البلدية من 6.5 كيلومترات إلى 71 كيلومتر مربع. واتبعت إسرائيل سلسلة خطوات إدارية وتنظيمية للتضليل وإخفاء معالم سرقة الأرض العربية، فاعتبرت كافة القرى الفلسطينية المحيطة بالقدس جزءاً من المدينة، وتابعة لنفوذ سلطتها البلدية، وهو ما ساعدها لاحقاً في طرح مبادرات سياسية تمكنها من التخلص من هذه القرى ذات الكثافة السكانية، و"إعادتها" إلى الفلسطينيين باعتبار أنها جزء من القدس، للإيحاء بأنها تقدم تنازلات مؤلمة تكسب مقابلها تشريعاً واعترافاً عربياً وفلسطينياً بأحياء استيطانية في قلب القدس، لسلخها عن المدنية، والحيلولة دون استعادة الشطر المحتل منها عام 67 بأكمله، عبر تقطيعه إلى أحياء عربية، وأخرى يهودية. وبهذه الطريقة، وسعت إسرائيل المدينة في ما بعد، لتصل إلى حدود بيت لحم جنوباً، ورام الله شمالاً.

آليات التهويد

ويرصد المفكر عزمي بشارة، في نصّ نشره عام 2008، إجراءات وآليات تهويد القدس على النحو التالي:

1- اختراع مفهوم القدس غير القابلة للتفاوض بتحويل القداسة إلى مفهوم سياسي.
2- تتبع الرواية التاريخية التوراتية في كل حي وجبل وكهف في القدس لتُعاد تسميته واستهدافه بالاستيطان واعتبار سكانه ضيوفاً تمهيداً للتضييق عليهم وطردهم.
3- توسيع حدود المدينة لكي تشمل "القداسة الإسرائيلية المحتكرة" وغير القابلة للتفاوض، أكبر مساحة ممكنة من الأرض.
4- مصادرة الأرض من العرب وبناء المستوطنات.
5- تقليل عدد السكان العرب بالتهجير، واعتبارهم مهاجرين دخلوا إسرائيل، ومصادرة "بطاقات الهوية"، كما تسمى في إسرائيل وثيقة الإقامة الدائمة في المدينة، بموجب قانون الدخول إلى إسرائيل.
6- فصل المدينة عن باقي الضفة الغربية بواسطة تغيير مكانتها القانونية، وتمييز مكانة سكانها عن باقي مناطق الضفة، وبناء حزام استيطاني حولها، وأيضاً بواسطة الجدار العازل المحيط بالقدس والمسمى بالعبرية "غلاف القدس".

واستولت إسرائيل على 85 في المئة من أراضي القدس الشرقية، التي كانت تحت الحكم الأردني بفعل قوانين تملّك ومصادرة مختلفة. ثم أطلقت سياسة تطهير إثني تقوم على سياسة "الجسور المفتوحة"، فسمحت لآلاف الفلسطينيين بالانتقال للعيش في الأردن والعمل فيها، أو الانتقال إلى باقي مدن الضفة الغربية ليجدوا عند العودة إلى المدينة أن إقاماتهم سُحبت بفعل قانون داخلي يسمح بحرمانهم من حق الإقامة في المدينة التي وُلدوا فيها، إذا لم تعد تشكل "مركز حياتهم" أو ابتعدوا عنها سبعة أعوام متتالية.

وفي العام 2002، اتُّخذ القرار ببناء الجدار العازل حول القدس بطول 88 كيلومتراً، وأخرج هذا الجدار من القدس ما بين 80 و90 ألف عربي من حَمَلة بطاقة الهوية المقدسية أو الإسرائيلية.

التراجع العربي عن المدينة

وعلى الرغم من هذه السياسات التي بدأت منذ احتلال الشطر الشرقي من المدينة، إلا أن العرب ككل تراجعوا عن المدينة وخرجوا من المعادلة. وشهدت اتفاقيات أوسلو البذور الأولى للتراجع الفلسطينيّ عن الرواية والحق الفلسطينيين، لجهة القبول ببعض جوانب الرواية والسياسة الإسرائيليين، من خلال تأجيل أمر البت في مصير المدينة للحل الدائم بدايةً. ثم، مباشرةً بعد إبرام الاتفاقيات، بدأ الحديث عن مبادرات إسرائيلية ـ فلسطينية لـ"تخطي عقبة القدس"، وقد تبيّن لاحقاً أنها تتبنّى الأسس الإسرائيلية، التي تقبل في أقصى حال بتقاسم بعض السيادة على جزء من الشطر الشرقي للمدينة مع السلطة والجانب الفلسطينيين، شرط أن تكون "سيادته" مقصورة على السكان وليس على الأرض.

وينطبق هذا على ما عُرف باسم "اتفاق أبو مازن ـ بيلين"، في العام 1995، الذي تحدث عن كون أبو ديس هي عاصمة للفلسطينيين، وليس القدس نفسها، وعن تقاسم الحكم داخل المدينة الشرقية بحكم فلسطيني (بلدي) على الأحياء العربية، وحكم إسرائيلي بلدي وسيادي على الأحياء اليهودية في البلدة القديمة والمستوطنات التي أحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم.

وفي هذه المبادرات، اختفى شرط تفكيك المستوطنات والأحياء الاستيطانية في القدس المحتلة وحولها. وترسخ هذا المفهوم مع رسالة الرئيس الأميركي جورج بوش الأب إلى أرييل شارون في العام 2004، وفي اتفاق جنيف لاحقاً.

اليوم، وبعدما وفرت كل المبادرات السياسية والمفاوضات على أنواعها لإسرائيل غطاءً سياسياً، فإنها تمكنت من إضافة عشرات آلاف الشقق والوحدات السكنية إلى القدس المحتلة، والاستيلاء على المزيد من الأرض والعقارات، أشهرها منزل مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، في حي الشيخ جراح، وأراضي الشيخ جراح وبرج اللقلق، وبيوت وعقارات في عقبة الخالدية، داخل السور، وحارة السعدية، وخان الزيت، والحي الأرمني وغيرها.

ووفرت هذه الممارسات لإسرائيل غالبية يهودية سكانية في المدينة تتوافق مع تطمينات رسالة بوش بعدم إمكانية العودة إلى الوضع الذي ساد في القدس قبل العام 67، وهي حالة باتت شبه مقبولة بالنسبة للعرب والفلسطينيين بمجرد موافقتهم على الخوض في مفاوضات وفق "مسار كلينتون"، أو مبادرات "بيلين ـ أبو مازن" أو حتى "مبادرة جنيف".

كل هذه المبادرات تنطلق من مبدأ أن لإسرائيل "حصة" في الشطر الشرقي المحتل من المدينة، وأن من الواجب الإبقاء على الأحياء السكنية الجديدة (أي الأحياء الاستيطانية التي أقيمت في الشطر الشرقي للمدينة بعد العام 67).

القدس اليوم مهددة بتطبيق مشروع التقاسم الزمني والمكاني للصلاة في المسجد الأقصى، وباستمرار الحفريات التاريخية تحته، وهو ما يشكل أكبر دليل على غياب الرد العربي الموحّد، بالرغم من وجود لجنة عربية يفترض فيها متابعة ملف القدس في جامعة الدول العربية، وبالرغم من ترتيبات عربية في الأقصى والأوقاف.

المساهمون