العنف اليومي يعرقل جهود المصالحة الأفغانية

03 يوليو 2020
الصورة
ارتفعت وتيرة الاعتداءات في الفترة الأخيرة(الأناضول)

لا تزال ارتدادات حادثة مقتل 27 مدنياً جراء سقوط صواريخ وقذائف هاون على مهرجان شعبي في إقليم هلمند جنوبي أفغانستان، في 29 يونيو/حزيران الماضي متواصلة، مع تأكيد الأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان أن قوات الجيش الأفغاني مسؤولة عن الحادث، وأنها استهدفت المهرجان الشعبي، إلا أن الجيش نفى ذلك واتهم حركة "طالبان"، داعياً لإجراء تحقيقات نزيهة. وجاء في اتهام البعثة الأممية في أفغانستان "يوناما"، أن تحقيقاتها الأولية تشير إلى أن قوات الجيش الأفغاني مسؤولة عن هجوم على سوق شعبي قتل وأصاب العشرات، موضحة، في سلسلة تغريدات على حسابها على "تويتر"، أن التقارير الأولية تشير إلى أن قذائف أطلقتها قوات الجيش رداً على نيران "طالبان" سقطت على السوق، ونجم عنها الحادث المأساوي. وطلبت البعثة من الطرفين تجنب خوض المعارك في مناطق مأهولة بالسكان، إذ إن مثل هذه الهجمات مجهولة الهوية تتسبب في قتل وإصابة مئات المواطنين العزل سنوياً، على غرار ما حدث في مديرية سنغين يوم الإثنين الماضي، مشيرة إلى أن الحصيلة النهائية لذلك الحادث ما تزال غير معلومة. كما دعت الحكومة إلى إجراء تحقيق في القضية، ومساعدة ضحايا الهجوم.
لكن الحكومة باتت مترددة حيال الهجوم، فالرئاسة الأفغانية وجهت في البداية أصابع الاتهام لـ"طالبان" بارتكاب ما وصفته بـ"الجناية"، إلا أنها وفي بيانات مختلفة على لسان أكثر من مسؤول، دانت الهجوم بأشدّ العبارات، من دون ذكر "طالبان".


الحوار الأفغاني بين الحكومة و"طالبان" سيبدأ في الدوحة

 

لكن الجيش الأفغاني من جهته، لا يزال يصرّ على نفيه ارتكاب المجزرة، فقال قائد فيلق ميوند الواقع في إقليم هلمند الجنرال ولي محمد أحمدزاي لـ"العربي الجديد": "أرفض اتهام الجيش بالضلوع في القضية، وما روّجته بعض الجهات من أن قذائف هاون أُطلقت من قبل الجيش قد تسبّب في وقوع الحادث"، مشدّداً على أن "المنطقة بعيدة عن قاعدة الجيش ولا تصلها قذائف هاون". وأوضح إدانته الحادث و"قتل المدنيين من أي جهة كان"، مجدداً وعده بـ"التعاون مع لجنة التحقيق المخولة بكامل الشفافية". لكن شهود عيان وزعامات قبلية أكدت أن القذائف أتت من قاعدة للجيش الأفغاني، بعد أن أطلق مسلحو الحركة الصواريخ على القاعدة من منطقة قريبة من السوق.

يذكر أنه سبق الحادث بيوم واحد مقتل ثمانية مدنيين في انفجار لغم أرضي بينهم أطفال، كما قتل في اليوم التالي له مواطنان وأصيب أربعة آخرون جراء انفجار لغم أرضي آخر في الإقليم نفسه. وسبق أن قُتل اثنان من علماء الدين المشهورين على مستوى البلاد في انفجارين مختلفين في كابول، أحدهما محمد أياز نيازي الذي قتل مطلع شهر يونيو/حزيران الماضي، بينما قتل في الأسبوع التالي عزيز الله مفلح. وقُتل أيضاً ثمانية من طلاب مدرسة دينية في مديرية إشكمش بإقليم تخار في 18 يونيو الماضي.

لا تثير تلك الأحداث التساؤلات حول الجهة المنفذة وأهدافها فقط، بل تخيّب آمال الأفغان، في وقت يتوقع انعقاد الحوار المباشر بين الحكومة و"طالبان" قريباً، بعد إزالة الكثير من العراقيل في وجهه، مثل مشكلة تبادل الأسرى، مع استمرارها. ومع قبول "طالبان" التفاوض مع هيئة الحكومة، على أن تعقد الجلسات الأولى في العاصمة القطرية الدوحة. ورجّح كثر انعقاد هذه المرحلة من الحوار كلها في الدوحة، على غرار ما حصل من التفاوض بين "طالبان" وواشنطن وتوصلهما إلى إبرام توافق بينهما.
ففي هذا الوضع الحساس للغاية، تبرز التساؤلات حول من يقف وراء تلك الهجمات المجهولة. في السياق، يقول مسؤول في الاستخبارات الأفغانية لـ"العربي الجديد"، إن بعض تلك الهجمات وراءها الفاطميون الموالون لإيران، لأن الأخيرة غير راضية عن ما حدث في الدوحة بين "طالبان" والولايات المتحدة. بالتالي فإن طهران تسعى لخروج القوات الأميركية من أفغانستان، وترفض أي علاقة جيدة بين واشنطن والحركة، وترفض عودة "طالبان" إلى المسار السياسي أو إلى سدة الحكم بالصورة الحالية. والفاطميون هم الشباب الأفغان الذين تدربوا في سورية وجاؤوا إلى أفغانستان.


ترفض إيران عودة "طالبان" إلى المسار السياسي أو إلى سدة الحكم بالصورة الحالية

 

ثمة من يرى أيضاً أن هناك من هو داخل الحكومة وفي صفوف "طالبان" من لا يوافق على نجاح عملية السلام، فبعض القوات داخل الحكومة بينها وبين الحركة تاريخ طويل من العداء، حتى قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من غزو أميركي لأفغانستان. بالتالي فإن عودة "طالبان" إلى الحكومة يعني القضاء على سلطتهم، لذلك يسعون بكل وسيلة لعرقلة جهود المصالحة. ومثل هذه الهجمات تقضي على اعتماد الناس على الجهود المبذولة للتصالح مع الحركة، وتزيد الشكوك في أذهانهم، وهذا ما يشير إليه الإعلامي عزيز أحمد تسل، في حديث لـ"العربي الجديد". أيضا لا يخفى على أحد أن تنظيم "داعش" المعارض للحكومة و"طالبان" لن يألو جهداً لاستهدافهما، لكونه أكبر المتضررين من جراء مصالحتهما، لأنهما سيهاجمانه فور اتفاقهما، لأن البيئة المتشددة في أفغانستان لا تساعد التنظيم، بالتالي فإنه يستغل الحرب حالياً من أجل ديمومته.