العرب في فترة ما بعد كورونا

16 يونيو 2020
الصورة
مراكش المغربية تفتقد السياح هذا الصيف (Getty)

رغم أن خطر فيروس كورونا ما زال قائمًا، ويفرض تبعاته الاقتصادية والاجتماعية على البلدان العربية وغيرها من دول العالم، إلا أن الدروس المستفادة من الأزمة أن الدول العربية بحاجة إلى مراجعة أوضاعها على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فمن غير المقبول ترديد مقولات اقتصاد السوق، ودور القطاع الخاص، والضرائب الموحدة، كحل للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

فمنظمة الإسكوا نشرت مؤخرًا تقريرًا صادمًا عن أوضاع الثروة في المنطقة العربية، حيث تزيد ثروة أغنى 10% من السكان عن ثروة 75% من الأسر، كما أن الفقر سيطاول نحو 115 مليون عربي، مقابل نحو 66 مليون فقير في عام 2010. فضلًا، عما ستخلفه أزمة كورونا على زيادة معدلات البطالة، فتقديرات منظمة العمل الدولية تشير إلى إضافة نحو 5 ملايين عاطل في النصف الثاني من عام 2020.

أما على صعيد الموازنات العربية، فثمة تفاقم كبير لأزمات عجز الموازنة، الدين العام، سواء في الدول النفطية، أو غير النفطية، وهو ما يحتم على الحكومات التفكير في أدوات جديدة، واتباع نظم اقتصادية، تعمل على الجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

ومن الأخطاء الشائعة في المعالجات العربية للأزمات الاقتصادية والاجتماعية تبني سياسات عامة، من دون برامج محددة، ومن دون وضع أطر زمنية لها، ثم تفاجأ بنتائج عكس ما أرادت، فأزمة كورونا فرضت أعباء جديدة، لا بد من وضع سياسات تستهدفها، ومن ثم إعادة النظر في ما بعد، فيما هو ثابت، وما هو متغير.

لقد هبت رياح الخصخصة في المنطقة العربية منذ أربعة عقود، ومع مرور الوقت لم تقف حكومة واحدة بعد عقد أو عقدين على النتائج التي ترتبت على هذه السياسة، حتى إذا جاءت كورونا، وجدنا كثيراً من الشعوب محرومة من أساسيات ضرورية في الرعاية الصحية، لأن سياسات الدولة بنيت على التخلي عن تقديم الخدمات العامة.
ولم يكن الخطأ فقط في بيع مؤسسات القطاع العام فحسب، بل استمر الخطأ بل الخطيئة، في القبول بقطاع الخاص هزيل، لا يقوى على بناء قواعد إنتاجية قوية، ولا يوفر تمويلًا ذاتيًا يمكنه من تراكم رأسمالي، كما لم يسهم القطاع الخاص في تطوير نفسه على الصعيد التكنولوجي، أو زيادة الصادرات.

عودة الدولة للنشاط الاقتصادي

بغض النظر عن المفهوم والممارسة الخاطئين من قبل الحكومات العربية، لأمر خروج الدول من النشاط الاقتصادي، لكن أزمة كورونا أكدت أهمية وجود الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وضرورية جاهزيتها للدخول بقوة عند الحاجة.

فمن المهم أن تقوم الدولة على أمر وجود المشروعات الإنتاجية، وليس بالضرورة أن تكون صورة ذلك العودة إلى ممارسات القطاع العام، وما اعتراها من فساد وبطالة مقنعة وخسائر، بل يمكن أن يكون للدولة دور من خلال مهمة مروج المشروعات.

على أن يكون ذلك في ضوء أجندة وطنية للتنمية، تستهدف ترسيخ مبدأ التنمية الذاتية، بحيث تنشأ الحكومة الشركات والمؤسسات من خلال البورصات، وعلى أن تكون ملكية الدولة بحدود نسبة ما بين 10% و20%، وأن تضمن أن تكون هذه الأنشطة بعيدة عن التوظيف السياسي، وأن تحكمها القواعد الاقتصادية، حتى تتوفر للمجتمع النسبة المطلوبة من السلع الضرورية، ولا تكون الدول العربية عرضة لتقلبات في السوق الدولي، وما أوضاع سوق النفط منا ببعيد.

مواجهة الفقر والبطالة

تمارس الحكومات العربية الهروب من مسؤوليتها في القيام بمواجهة مشكلتي الفقر والبطالة، عبر شماعات دول المجتمع المدني أو القطاع الخاص، ولا ينكر أحد أهمية مساهمات هذين القطاعين، ولكن تبقى المسؤولية الرئيسة في رقبة الدولة.
لا بد أن تعلن حكومات الدول العربية عن برامج حقيقية، لمواجهة الفقر والبطالة، فقطاعات التعليم والصحة بحاجة ماسة إلى عاملين في المؤسسات العامة، وإهمال الحكومات العربية للقيام بهذا الدور، يضرب المنطقة العربية في رأس مالها البشري، وهو عماد التنمية.

وبقليل من التفكير، يتحتم على حكومات المنطقة العربية تخفيض الإنفاق على التسليح، وحماية النظم المستبدة، وتوجيه هذه الأموال، للإنفاق على التعليم والصحة. وللأسف تأتي المنطقة العربية كأعلى المناطق في الإنفاق على التسليح عالميًا، وتشير الأرقام إلى إنفاق الدول العربية 135 مليار دولار على التسليح عام 2019، وأن دولًا عربية تحتل المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق على التسليح بعد أميركا والصين.

تغير منظومة الضرائب

من الأمور السيئة التي أظهرتها أزمة كورونا أن عددًا لا بأس به من رجال الأعمال العرب اتسم بالجشع، سواء من حيث تقديمه مساعدات تنقذ المجتمع في مواجهة جائحة كورونا، أو مطالبتهم باستمرار العمل في الدولاب الاقتصادي، من دون اعتبار لانتشار الوباء، وتداعياته الصحية على العاملين، بل وعلى المجتمع كله.

تقرير الإسكوا يشير إلى أن فرض ضريبة تضامن على الثروة في البلدان العربية متوسطة الدخل بنسبة 1.2% من شأنه أن ينقذ الملايين من براثن الفقر. وهذا المقترح يقودنا إلى مجموعة مقترحات، تتمثل في ضرورة تبني الحكومات العربية لنظام الضرائب التصاعدية، وبنسبة كبيرة على الشرائح الأعلى من الأغنياء، حتى يمكن سد جزء مهم من المتطلبات الاجتماعية، مثل البطالة والفقر.

ومن الخطأ الآن أن تستمر النظم الضريبية العربية، فيما يسمى بالضرائب الموحدة، تنفيذًا لشروط المؤسسات الدولية، فالقطاعات الاقتصادية والخدمية تختلف في تكاليف الإنتاج، وفي عوائد النشاط الاقتصادي، وفي المردود الاجتماعي، أو البيئي.

وبالتالي تكون الضرائب أقل في حالة مساهمة المشروعات في تشغيل عدد كبير من اليد العاملة، أو تستهدف بمنتجاتها توفير السلع الأساسية، كما أن الأنشطة الإنتاجية لا بد أن تكون لها ميزة تفضيلية ضرائبيًا عن المشروعات الريعية، أو ذات الربح السريع، مثل المضاربات بالبورصة وغيرها.
ومن الضروري مواجهة الفساد في كافة مناحي الحياة بشكل عام، وفي القطاع الضريبي بشكل خاص، فاختيار عدد كبير من العاملين بالضرائب يأتي بالوساطة أو الرشوة، وبالتالي تأتي النتائج سلبية كما نرى. ومن الخطأ تمادي النظم الضريبية العربية في فرض الضرائب غير المباشرة، التي يكتوي بنارها الفقراء.

استدعوا فريضة الزكاة

إذا كان تقرير الإسكوا يرشدنا إلى أن فرض ضريبة للتضامن بنسبة 1.2% على الثروة سينقذ الملايين من البشر من الفقر في الدول العربية متوسطة الدخل، فما بالنا، لو ارتفعت هذه النسبة إلى 2.5%، وهي نسبة فريضة الزكاة.

والزكاة أداة مالية بامتياز تستهدف الفقراء، وترفع من ميلهم الحدي للاستهلاك، وتنشط الدورة الاقتصادية، والأمر يحتاج إلى تشريع ينظم شؤونها، ويجعلها مرتبطة بتنفيذ الخطة العامة للدولة، في شؤون كثيرة، وفق أحد أهم بنود مصارف الزكاة وهو "في سبيل الله".

ولا مانع من التطبيق التدريجي والاستفادة من تجارب ناجحة، مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود، كما هو الحال في الصندوق المركزي للزكاة في ماليزيا.

وما لم تتغير السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية، خلال وبعد أزمة كورونا، فسوف يكون الحال صعبًا، وسيكون له مردوده السيئ، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. فالتحديات المقبلة على الصعيد العالمي اقتصاديًا ليست سهلة، وقبول الدول العربية بدور الضعيف، والتابع اقتصاديًا، سيجذر للفقر في المنطقة، وسيزيد من حالة الاحتقان وعدم الاستقرار السياسي والأمني.