العراق وشاهد "ما شافش حاجة"

27 مايو 2020
الصورة
بدا أشبه بنكتة سوداء، الأمر الصادر عن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، تشكيل لجنة تقصي حقائق في موضوعة "السجون السرية" التي أصبح أمرها أكثر من الهم على قلب العراقي، بعد أن اتسعت دائرة الاختطاف والتغييب في كل محافظات القُطر، وشملت آلافا من الناشطين الشباب المطالبين بما هو حق تتيحه لهم صفة "المواطنة" التي أصبحت في خبر كان. مبعث النكتة السوداء أن نفيا "رسميا" للأمر صدر بعد أن انتشرت موجةُ سخريةٍ على مواقع التواصل من موضوعة تشكيل اللجنة، وتواردت أسئلة كبيرة على ألسنة الناس: هل يحتاج الكاظمي، رئيس جهاز المخابرات إلى ما قبل أيام، إلى "لجنة" تؤكد له حقيقة وجود "السجون السرية"، وهل هو يصطنع عدم المعرفة لغايةٍ في نفس يعقوب؟ أو أنه أراد أن يكون إطلاق خبر اللجنة ثم نفيه مجرّد "بالون" اختبار لمعرفة ردود الفعل ليس لدى المواطن العادي الذي لا يأبه لرد فعله أحد من رجال السلطة، وإنما لدى أرباب السجون أنفسهم من قادة المليشيات السوداء الذين يعتبرون ممارستهم سلطة القانون في الاعتقال والاحتجاز والتغييب حقا مكتسبا لهم! 
وإذا كان الكاظمي بالفعل هو "الشاهد الذي ما شافش حاجة"، فثمّة عشرات غيره من رجال الحكم من أقرّ علانية بمعرفته بوجود سجون سرّية في أكثر من مدينة عراقية وحي، ومن هؤلاء وزراء سابقون ونواب حاليون ورجال إعلام وناشطون سياسيون، وهناك منظمات دولية كشفت عن وجود هذه السجون، وطالبت بإغلاقها.
أكثر من ذلك، ثمّة من كانوا "ضيوفا" على تلك السجون سنوات عدة، خرجوا بعدها، بقدرة قادر، مرضى بأدواء حادّة أو معوّقين على نحوٍ لا يتيح لهم إمكانية الحياة الطبيعية، أو مستنزفين بما توحي لك رؤيتهم، إن قدر لك ذلك، أنهم لم يكونوا يوما ما بشرا أسوياء، وقد أفصح بعضهم عما عانوه من تعذيبٍ أو انتهاكٍ لأدميتهم أو سوء معاملة ارتكبت في مواجهتهم. وفي تقارير لمنظمات دولية، وحتى محلية معنية بحقوق الإنسان، وثائق وأسانيد كثيرة تستوجب المساءلة وفرض العقوبة المناسبة، لكن لا أحد من رجال حكومات ما بعد الاحتلال من تطوع لتلك المهمة، أو تجرّأ على القيام بها.
ما هي العقدة التي لم تحل، والتي جعلت مسؤولين عديدين يحجمون أو يعجزون عن مراجعة 
مسألة "السجون السرية" وارتكاباتها؟ أجاب من طرحت عليه السؤال، وقد كان، إلى أمد قريب، من الأعضاء الفاعلين في أحد الأحزاب الحاكمة في العراق اليوم، لكنه انسحب من الميدان مجبرا أخاك لا بطل، وهو من العارفين بما خلف الأسوار وما يتقدّم أمامها، قال: العقدة ليست في العراق .. إنها هناك في إيران، لأن سجون العراق السرّية كانت تدار في البداية من واحدة من ثلاث جهات: الحرس الثوري الإيراني أو وزارة الاستخبارات (اطلاعات) أو المليشيات الولائية. ولا يستطيع أي مسؤول عراقي أن يتحرّش بهذه الجهات، وإلا أصبح عرضةً لغضب طهران.
أردف محدّثي: لكن الحال تغير بعد غياب قاسم سليماني، وظهور عوامل دولية وإقليمية فرضت تخلي الحرس الثوري و(اطلاعات) عن تلك السجون. ونتيجة ذلك، تقلص عددها، وأطلق كثيرون من نزلائها، أو نقلوا إلى سجون رسمية، ولم يبق منها سوى ما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة تكفلت بمواصلة الإشراف عليها مليشيات معروفة، وهكذا تحرّك الكاظمي لإخضاعها لسلطته، بعد أن أصبح أمرها مفضوحا، ويقال إن المسؤولين عنها حصلوا على وعد بعدم مساءلتهم عما ارتكبوه.
يبقى أن جرائم الاختطاف والقتل والاغتصاب والتعذيب لا تسقط قانونا بالتقادم، ويمكن أن يخضع مرتكبوها للمساءلة في أي وقت، وهذا ما يطالب به اليوم الضحايا الناجون وذووهم، وكذلك المعنيون بحقوق الإنسان الذين يدخل في صميم عملهم مراقبة معاملة المعتقلين من جهاتٍ لا تملك سلطةً أمنية، وفي غياب أية ضمانة قانونية تحميهم، وهذا ما طالبت به جينين هينيس بلاسخارت، ممثلة الأمم المتحدة في العراق، التي رصدت في تقريرها أخيرا اختفاء 123 ناشطا، ومقتل 490 واصابة 7783 منذ بدء انتفاضة تشرين فقط، وقد وجهت إصبع الاتهام إلى "مليشيات وجهات مسلحة ذات مستويات عالية من التنظيم والموارد والإمكانات".
السؤال الأكثر إثارة: هل سينجح الكاظمي في ما فشل فيه سابقوه؟ الجواب في طهران.
تعليق: