الطائفية تقتلنا في مصر أيضاً

29 ديسمبر 2016
الصورة
+ الخط -
لحظات استثنائية تلك التي تختفي فيها مظاهر الطائفية، حين تتحد الشعوب أمام تحدٍّ خارجي، كالحروب، أو تحدّي سلطة تحكمها بالحديد والنار. ساعتها تصبح الوحدة ضرورةً يقودها الوعي الجمعي، بخلاف تلك اللحظات، تعلو سحب الدخان الوطن العربي، وتمزقه الطائفية، وتعطّل إمكانيات تقدمه. منذ عشر سنوات، تصاعدت مظاهر الطائفية، مع تعمق الأزمة الشاملة التي أصابت أغلب دول المنطقة. النخب والدولة وطبقات المجتمع تمارس ألواناً شتى من الطائفية، تنمو على أرضية أولى هي ثقافة التمييز، بينما يؤدي غياب دولة القانون والدستور والمواطنة إلى توسيع ظاهرة الطائفية، ويجعلها حاضرةً مستقبلاً. ثمّة علاقات متداخلة بين البناء السياسي (والاقتصادي والثقافي) والطائفية. لذا، لا يمكن أن ندين الثقافة بوصفها المنتج الأساسى للظاهرة، كذلك نرى الإخفاق المتتالي لمحاولات التنوير المحمول جوا أو التنوير الحكومي، وتصبح مقولات تجديد الخطاب الديني فارغةً من مضمونه، ويصبح التنوير المرتبط بالسلطوية مجرّد أكذوبة، فلا تنوير في ظل بيئةٍ من القمع، ولا تنوير بلا ديمقراطية. وذلك لأن النظم الاستبدادية تتغذّى على الجهل، ولا تسعى إلى تنوير المجتمع، لأنها تعلم أن ذلك سينشئ مجتمعاً متحرّراً بعيداً عن سطوتها وهيمنتها، بل تعتمد الدول الاستبدادية على البنى الاجتماعية التقليدية في حكم المجتمع والسيطرة عليه، كسلطة القبيلة والعائلة والمؤسسات الدينية التي تمثل أدوات تطويع للمجتمع في مقابل سلطة القانون.
كما أن النمط الاقتصادي المتخلف، غير المنتج، لا يُحدث تنويراً، بل يكون أرضيةً لنمو أفكار الرجعية والتعصب والتمييز الديني والاجتماعي، بما يسبّبه من تهميش وإفقار من جانب، وإثراء ونهب من جانب آخر، فإذا أردنا إيجاد تنوير حقيقي لا يمكن وحسب الاستناد إلى تغير نظام التعليم أو الاكتفاء بالتأثير في البناء الثقافي، على الرغم من أهمية ذلك شرطاً لمواجهة الإرهاب والعنف الطائفي. لكن، يجب البدء بتحديث كل هياكل المجتمع الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ومع التسليم بأن التمييز والطائفية ثقافة، إلا إننا لا يمكن إهمال أسس التمييز والطائفية
والمصالح المرتبطة بتسيد هذه الثقافة، وكيف يتم إنتاجها عبر البنية السياسية المغلقة، أو البنى الاقتصادية المفقرة. إذ تستفيد النظم من إيجاد حالة صراع طائفي، أو إثني، لخلخلة بنى المجتمع، وإحكام سيطرتها. ومن جانبٍ آخر، تستفيد قوى اجتماعية وسياسية من ذلك الوضع.
استطاعت قوى الإسلام السياسي، في مصر، الاستفادة من ثقافة التميز والطائفية لحشد فئات مفقرة ومهمشة اجتماعياً ضد الأقباط، بل كانت أفكار التميز المستندة إلى تفسيراتٍ دينيةٍ أحد مكونات الخطاب الدعائي لها، ومارست أيضاً قوى الاستعمار قديماً هذه اللعبة، لتفريق الصفوف التي واجهتها، أو استمالة الشعب بمفاهيم وصيغ دينية. لكن، في كل مختبر حقيقيٍّ، كانت الشعوب تتماسك ضد هذه الاستراتيجية الاستعمارية التي مورست قديماً، وعادت مع احتلال العراق في 2003. وفى خضم الصراع السياسي بعد الثورات العربية، تصاعد في الوطن العربي الخطاب الطائفي لتتم عبره تغطية أصل الصراع، ليبرز على السطح صراع إسلامي مدني في مصر، أو صراع سني علوي في سورية، واستفادت أطرافٌ عدة من هذا الخطاب الذي وضع الثورات، بل ومستقبل هذه الدول، في أزمة. وبدلاً من أن يكون الصراع بين نظام استبدادي مفقر وشعب يريد التغيير، أصبح للصراع طابع طائفي. ومع الوقت، ساد هذا الخطاب ليتحوّل من مقولاتٍ إلى قانون ومكون للصراع، فيتحوّل النضال الوطني بهذا المنطق إلى جهادٍ ضد سلطة الكفرة الطواغيت، ويصبح المختلفون في الدين أو العرق أو الثقافة مستهدفين وضحايا لعمليات العنف والإرهاب، وتصبح السلطة تبرّر قمعها باسم مواجهة الإرهاب.
منذ حادثة الكشح في سوهاج عام 1998، تكرّرت حوادث العنف الطائفي في مصر ضد مواطنين أقباط لأتفه الأسباب، ولم يحاسَب المتورطون في الاعتداء على الأنفس والكنائس، وانتهت أغلبها بصلحٍ عرفي، تم فيه استبدال القانون بجلسات تطييب الخاطر، والضغط على الضحايا للتنازل، وهو العلاج الذي مازال متبعاً. وشهد صعيد مصر توترات عديدة منذ حادثة الكشح، وصولاً إلى أحداث العنف الطائفي في قنا في 2010، ثم تصاعدت أعمال العنف الطائفي. وعلى أثر أحداث العنف في أسوان عام 2011، أقيم اعتصام أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، بينما شارك آلاف المصريين في مسيرة انتهت بمواجهاتٍ عنيفة بين الشرطة العسكرية والمتظاهرين. وبعد "30 يونيو" في 2013، عانى الأقباط اعتداءاتٍ متنوعة، قتلا وحرقا للكنائس وتهجيرا قسريا، وكان للصعيد النصيب الأكبر من الحوادث، حيث تركّزت في محافظات قنا والمنيا وأسيوط.
وخلال ست سنوات، شهدت مصر ما يزيد عن مائة حادث عنف طائفي، كان أبشعها حادثة
كنيسة القدسيين في نهاية 2010 والحادثة الإجرامية، أخيراً، في كنيسة الكاتدرائية، وهما الحادثان الأكثر بشاعةً ودمويةً، في ساحة العمل الإرهابي المنظم، وتختلفان عما دونهما بأنهما لم تحدثا بسبب خلاف بين أقباط ومسلمين، وإنما استغلت فيهما الثقافة الطائفية والصراع السياسي معا.
وضعتنا ثورة يناير، بوصفها حدثاً تاريخياً فارقاً أمام فرصة مواجهة الطائفية، وإصلاح بنى المجتمع، فالكل توحد أمام النظام، وخرج الأقباط بوضوح عن سلطة الكنيسة، وتجاوزوا مقولة شعب الكنيسة التي أرادت أن تحبسهم تحت سلطة الدين والنظام، لكن الدولة اختارت إهمال مطالبهم العادلة، ومطالبات القوى الوطنية بمحاسبة منفذي الجرائم الطائفية، وإقرار قانون موحد لدور العبادة. وحين تكرّرت حوادث مشابهة، لجأت السلطة الانتقالية إلى اللجوء إلى مشايخ السلفية لتهدئة الأوضاع، فكان الناصحون أحد أبرز من يتبنى الخطاب الطائفي. ومع تصاعد المواجهة مع المجلس العسكري، نصب فخ تدين الصراع، لتصبح المواجهة بين تيار مدني وآخر إسلامي، ليغرق الجميع في الأكذوبة، وتبقى قوى الثورة المضادة محصّنةً، وليدخل البعد والفرز الطائفي الديني محدّداً أساسياً في الصراع، وتتم إعادة إنتاج الطائفية، وتتكرّر حوادث العنف في أحياء ومدن أغلبها مفقر ومهمش، يقع في الأطراف.
خطورة العنف الطائفي والإرهاب تشمل، إلى جانب حرمة الاعتداء على الأنفس والممتلكات، أنه يعوّق تطوّر المجتمع وسلامته وأمنه، ويحوّل الصراع السياسي عن مساره، ويخدم قوى القمع والاستبداد، ويزيد سطوتها، ويهدّد، إذا تصاعد أكثر، مستقبل الوطن.