الضالع في معادلة الوحدة والانفصال باليمن

23 مايو 2019
الصورة
معظم شبان المحافظة التحقوا بتشكيلات مدعومة إماراتياً(وائل شايف ثابت/الأناضول)
قبيل الذكرى الـ29 لإعلان الوحدة اليمنية، التي صادفت يوم أمس، 22 مايو/ أيار، كانت المعارك العسكرية في اليمن تنتقل إلى الحدود الشطرية السابقة التي شهدت اشتباكات مسلحة قبل وبعد إعلان توحيد الشطرين (الشمالي والجنوبي لليمن) في مايو 1990، وكانت الوحدة عنواناً لها في كل مرة. اليوم وعلى الرغم من السياق المختلف للحرب القائمة، إلا أنها استدعت فكرة الوحدة وأعادت النقاش حولها وفق معطيات اللحظة.

مع اندلاع معركة قعطبة في محافظة الضالع، قالت قيادات جنوبية ونشطاء وإعلاميون يؤيدون انفصال الجنوب عن الشمال، إنها حرب جديدة بين الشطرين، كالكاتبة هدى العطاس في صفحتها على "فيسبوك"، بينما قال ناشطون وإعلاميون يؤيدون الحوثيين كعلي العماد، إن التوجّه في المعركة نحو قعطبة سيتواصل نحو أبين، رداً على مشاركة مقاتلين جنوبيين في القتال ضد الحوثيين في جبهتي الساحل الغربي وصعدة.
ومع مهاجمة الحوثيين لمنطقة قعطبة، اجتمع رئيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" عيدروس الزبيدي مع قيادات عسكرية جنوبية باعتباره "القائد الأعلى لقوات المقاومة الجنوبية"، وناقش معها ما وصفه بـ"التصعيد الحوثي في الجبهات الحدودية بين الجنوب والشمال". ودعا في بيان صحافي، إلى تشكيل غرفة عمليات موحّدة للقطاعات العسكرية و"المقاومة الجنوبية"، وتحرير مناطق الجنوب، بما فيها وادي حضرموت الذي قال إنه يعاني من "الإرهاب والاحتلال".

عقب حرب 1972 بين عدن وصنعاء، وقّع زعماء الشطرين اتفاقية إعادة توحيد الشطرين، وعقب حرب 1979 التي كان مسرحها الجغرافي هو نفسه مسرح المعركة الجارية اليوم في محيط قعطبة، وقّع عبد الفتاح إسماعيل (رئيس الجنوب الشمالي)، وعلي عبد الله صالح الذي كانت حكومته تضم وزراء جنوبيين كعبد الله الأصنج ومحمد سالم باسندوة، اتفاقية الكويت التي تضمّنت بنوداً عملية للتسريع بتوحيد الشطرين.
كما أن جحافل جيش صالح التي قاتلت لفرض الوحدة اليمنية حسب رؤية صالح وقوى الشمال في حرب 1994، مرت من تلك المناطق نفسها التي تمردت على صنعاء وقاتلت ضدها في ما عُرف بحرب المناطق الوسطى (كانت ذروتها بين 1979 و1982)، بين صنعاء وقوى يسارية بقيادة الجبهة الوطنية المدعومة من عدن، بهدف فرض الوحدة حسب رؤية الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في عدن.

في مساعٍ بذلتها السلطات في صنعاء بعد حرب 1994 لدمج الشطرين بشكل يذيب خطوط الحدود الشطرية السابقة، تم إعلان محافظة جديدة هي محافظة الضالع، وضمّت مناطق من محافظات إب وتعز والبيضاء ولحج. لكن ذلك كله لم ينجح في إزالة الشعور بآثار الحرب، وترميم جسد البلاد، فقد أدت السياسات التي مارستها صنعاء إلى اندلاع ما سمي لاحقاً بالحراك الجنوبي (2007) من محافظة الضالع ذاتها التي كان يُفترض أن تتحوّل إلى بوتقة تذوب فيها الهويات الشطرية.

تتمتع الضالع بكثافة بشرية وطبيعة قتالية وحياة سياسية حادة، فقد كانت المحافظة الوحيدة التي تمكّن الحزب الاشتراكي اليمني من تقاسم هيئتها الإدارية الناتجة عن الانتخابات المحلية الأخيرة (2006) مع حزب المؤتمر الحاكم، وفي انتخابات المحافظين التي جرت عام 2008، كانت هي المحافظة التي تم رفض نتائج انتخاباتها وتعيين محافظ بديل من قبل صالح.

ومثّلت الضالع تقليدياً إحدى زوايا مثلث القوة العسكرية للجنوب (الضالع، يافع، ردفان)، وهذا المثلث بدوره شكّل تياراً مناهضاً لتيار أبين-شبوة الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي. وفي أحداث يناير/ كانون الثاني الدموية عام 1986 انتصر التيار الأول على الثاني، لكنه لم يمسك بزمام السلطة بعدها، إذ هيمنت عليها حضرموت التي تمثّل التيار الثالث في المعادلة الجنوبية ولكن بتمثيل عسكري أقل، وتمثيل سياسي أبرز، بقيادة علي سالم البيض للحزب الاشتراكي الحاكم، ورئاسة حيدر أبوبكر العطاس لهيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى، لكن الجيش ظل من نصيب التيار الأول، وهو الذي خاض حرب صيف 1994 مع صنعاء بقيادة هيثم قاسم طاهر.
حرص صالح على استخدام القوة لإسكات الضالع ومطالبها المتصاعدة بفك الارتباط مع صنعاء، ومارس القائد العسكري المعروف بالعنف، عبد الله ضبعان، قمعاً مشهوداً ضد أبناء المحافظة، فعزز ذلك من مواقفهم السلبية تجاه الوحدة.

مع بداية الحرب الراهنة، ظهرت الرموز العسكرية للتيار الأول (الضالع، يافع، ردفان) مجدداً، وعاد هيثم قاسم طاهر، وزير الدفاع في حرب 1994، إلى اليمن، ليقاتل في صفوف الشرعية والتحالف الذي تقوده السعودية. وقبله عيّن هادي محمود الصبيحي، وهو أحد قادة الجيش الجنوبي السابق، وزيراً للدفاع، وما زال في قبضة الحوثيين حتى اليوم، بعدما وقع أسيراً في معركة العند عام 2015.
في 2015 ومع تقدّم الحوثيين باتجاه عدن، كانت الضالع هدفاً ومحطة عبور صوب عدن، لكنها قاتلت بشراسة ضد الحوثيين، وأخرجتهم منها باتجاه الشمال في وقت مبكر، ثم نصبت مجسماً كبيراً لسلاح كلاشينكوف على قمة الجبل المطل على مدينة الضالع، وجعلت فوهته باتجاه الشمال، ولا يزال قائماً حتى اليوم.


منذ خروج الحوثيين من عدن ومحافظات الجنوب، كانت نقطة التفتيش الأولى لقوات "المقاومة الجنوبية" في مدينة قعطبة، شمالي الضالع، التي تشهد معركة شرسة اليوم. ومن تلك النقطة حتى عدن، ارتفعت أعلام دولة الجنوب قبل الوحدة في كل النقاط، وغاب العلم اليمني كلياً عن المشهد على طول الطريق، وكانت هي النقطة الأكثر تشديداً على القادمين من الشمال باتجاه عدن، قبل أن تنتقل إلى نقطة الجبلين في محافظة لحج.

إعلان الضالع محافظة بخليط من مديريات كانت تابعة لتعز وإب ولحج والبيضاء، لم ينجح في صهر هذا التنوع في خليط متجانس. وفي مثال واضح على ذلك، وخلال دورة تدريبية لصحافيي المحافظة أواخر عام 2018، برز أن المشاركين قسموا أنفسهم لمجموعات بشكل مناطقي، فشكّل الصحافيون القادمون من المناطق التي كانت تابعة للشمال قبل الوحدة غالبية في مجموعات، وشكّل الصحافيون من أبناء المناطق الجنوبية الضالعية غالبية المجموعات أخرى. وقامت المجموعات الأولى بمناقشة قضايا متعلقة بالصراع في صنعاء بين الحوثيين وصالح، بينما ناقشت المجموعات الأخرى مواضيع متعلقة بالقضية الجنوبية. ولكن على الرغم من هذا التمايز الذي أظهر أن لكل منها قضية مختلفة عن الأخرى، إلا أن الاختلاف ظل محدوداً في التعامل الشخصي، وكان كل مشارك قادراً على التعبير عن رأيه، في جو من تبادل التعليقات الساخرة، خصوصاً بين الصحافيين الذين ينتمون لـ"المجلس الانتقالي"، وزملائهم المنتمين لحزب "التجمع اليمني للإصلاح".

أما بالنسبة للوضع في الفترة الأخيرة، وبسبب تحدر عيدروس الزبيدي من الضالع، التي يحظى فيها بشعبية مرتفعة مقارنة بالمناطق الأخرى من الجنوب، فقد دفع ذلك معظم شبان المحافظة للالتحاق بالتشكيلات العسكرية والأمنية المشكّلة أخيراً بدعم إماراتي، كـ"الحزام الأمني" الذي تتبع قياداته لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"، وخاضت اشتباكات مسلحة مع قوات الحماية الرئاسية الموالية لهادي العام الماضي.

اليوم فإن مشروع استعادة دولة الجنوب الذي يتبناه "الانتقالي الجنوبي" بقيادة الزبيدي، له أنصاره وله مناهضوه، وكون رئيس "الانتقالي" وأغلب قواته ينتمون لمحافظة الضالع، فقد كان ذلك أحد محددات بناء الموقف منه على مستوى الجنوب، بينما لم تعد هذه أولوية للنقاش شمالاً منذ بداية الصراع الراهن، فقد انشغل الشمال بقضاياه بعدما أصبحت جغرافيته هي ميدان المعركة.
وبناء على خريطة القوى الجنوبية الموزعة مناطقياً، فإن أغلب الرأي العام في حضرموت لا يناصر إقامة دولة جنوبية يقودها "الانتقالي الجنوبي"، وشكّلت حضرموت إطاراً خاصاً بها كرافعة لتمثيلها وتبنّي قضاياها وهو مؤتمر حضرموت الجامع، وعلى الرغم من وجود "الانتقالي" فيها إلا أن القوة على الأرض والحضور الشعبي ما زال يرجّح كفة مؤتمر حضرموت.

يؤكد الحضارم، حسب نقاشات كثيرة، أن لهم هوية حضرمية خاصة، متمايزة عن الجنوب والشمال معاً، وأن من المخاطرة خوض تجربة جديدة مع عدن أو صنعاء ما لم تكن في إطار دولة اتحادية متوافق عليها بشكل واضح، وأن صراعات القيادات الجنوبية قبل الوحدة على خلفيات مناطقية لا تشجع على إعادة التجربة، ويستشهدون بالطبيعة القتالية لأبناء الضالع ولحج (يافع وردفان)، وعدم توافقها مع الطبيعة السلمية لأبناء حضرموت، كما أن تجربتهم في ظل الوحدة لم تكن أفضل حالاً، ويستشهدون بالصراعات القائمة منذ 1994.

في أبين وشبوة، هناك هواجس أخرى تعيق جهود "الانتقالي الجنوبي" لاستعادة دولة الجنوب، فأحداث يناير/ كانون الثاني 1986 أخذت طابعاً مناطقياً، بينها من جهة، وبين (الضالع وردفان ويافع) من جهة أخرى، على الرغم من تمايز الأخيرة نسبياً، وجددت أحداث يناير 2018، بين قوات هادي وقوات "الانتقالي"، ذلك الإرث غير الودي بين الطرفين، وبالتالي فإن هناك قوى رافضة لـ"الانتقالي"، خصوصاً أن هادي حالياً هو ممثل أبين بدرجة أو بأخرى.

عملياً لم تعد الوحدة اليمنية قائمة على الأرض، ولا يستطيع هادي كرئيس لليمن العودة إلى عدن للاحتفال بذكرى الوحدة منذ بداية الصراع الحالي، ويتوقف أمر الوحدة بشكلها الحالي، أو بشكلها الفيدرالي المقترح، على نتائج الصراع القائم، وموازين القوى عند توقفه، ومواقف الدول الإقليمية والدول الكبرى، أكثر مما يتوقف على الإرادة اليمنية المحلية. وفي كل الأحوال تمثّل الضالع شوكة ميزانه استقراراً واضطراباً، خصوصاً أنها كقوة لا تتوقف على حدودها الإدارية، بل تمتد إلى عدن برمزيتها للجنوب ولليمن ككل.