الشباب العربي.. "جيل الخلاص"؟

14 يناير 2020
الصورة
سبق أن ناقش الكاتب في مقالات سابقة، في "العربي الجديد"، دراسات وكتبا صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية عن موضوع الشباب في العالم العربي الذي أصبح يشكّل متغيّراً مهمّاً في ترسيم معالم الأحداث والتطورات السياسية والمجتمعية، فهو، من جهةٍ، متغير مستقل في عملية الانتقال والتحول الديمقراطي، وهو، من جهةٍ، متغير تابع لجهة تأثره بالسياسات المحلية والإقليمية والدولية والتحولات البنيوية المجتمعية والثقافية التي قلبت مفاهيم الحياة بالنسبة له رأساً على عقب.
من ضمن تلك الدراسات المهمة التي تحدّثنا عنها كتاب سياسات الشباب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (إصدار مشروع الشرق الأوسط التابع لجامعة جورج واشنطن)، وتناول تجارب العمل الشباب في المنطقة، خصوصا في الجانب السياسي - الاحتجاجي.
ومن الكتب أيضاً "مأزق الشباب العربي" (صادر عن دار الساقي، وفي الأصل من إعداد وإنتاج مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية مع مؤسسات بحثية متعددة)، وهو مجموعة دراسات وأبحاث لعدد كبير من الخبراء والمتخصصين في الاجتماع والشباب، وبإشراف من سوسيولوجيين كبار، مثل آصف بيات، الذي له هو الآخر مساهمة مهمة في موضوع الشباب والسياسة في العالم العربي في كتابه "الحياة سياسة.. كيف يغير بسطاء الناس الشرق 
الأوسط"، وقد بذل مجهوداً نظرياً لافتاً فيه، في محاولة تأطير جيل الشباب مفاهيمياً ونظرياً، كمتغير مستقل في الحياة السياسية العربية اليوم. ثمّ يصدر أخيرا كتاب لا يقل أهمية عمّا سبق من كتب ودراسات، وهو "الشباب والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية" (المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات)، وفيه قيمةٌ مضافةٌ نوعية تتمثّل بالتركيز على مفاهيم نظرية ومنهاجية مفتاحية لدراسة دور الشباب في الاحتجاجات وثورات الربيع العربي، وثانياً بتقديم عدد كبير من دراسة حالات معمّقة لدور الشباب في أقطار عربية عديدة، وإنْ كان واضحاً أنّ تركيز جلّ الأبحاث على شمال أفريقيا (باستثناء محدود للبنان)، خصوصا المغرب وتونس ومصر، مع دراسات عن السودان والصومال.
المهم أنّ هنالك دراسات وأبحاثاً ومساهمات نظرية وميدانية تتراكم في حقل الدراسات الشبابية اليوم في العالم العربي، وهو حقلٌ مهم لفهم التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والاحتجاجات الشعبية العربية، كما يثبت الكتاب الجديد، بوصف جيل الشباب عاملاً مستقلاً مؤثراً في عملية الانتقال الديمقراطي، بوصفه جيلاً له خصائص مشتركة على أكثر من صعيد، ديمغرافي، تاريخي، اجتماعي، الموضوع الذي يسلط عليه الضوء بصورةٍ معمّقة الباحث المصري، أحمد تهامي عبد الحيّ، مستعيناً بمناهج ونظريات متخصصة في مفهوم جيل الشباب، بخاصة لكارل مانهايم.
يصل الحفر النظري والمنهاجي إلى نتيجة أنّ هنالك بالفعل جيلاً شبابياً عربياً يقود الثورات،
 ويتوفر فيه عاملان رئيسان: التقارب العمري (وهنا يتم استخدام حزم عمرية أيضاً)، وأحداث اجتماعية وتاريخية ساهمت في صوغ رؤية هذا الجيل ومواقفه، وإن كنا لا نستطيع أن نضعه في خانة أيديولوجية وسياسية واحدة، لكن بالضرورة ثمّة "نواة صلبة" قامت بدور فاعل وحيوي في تصعيد الاحتجاجات والدعوة إلى التغيير والخروج من الوضع الراهن.
بالفعل، هذا الاستنتاج مهم، ولا يعدم أي زمن أن يكون هنالك دور فاعل لجيل الشباب في صناعة التغيير وحمل الأيديولوجيات على أكتافه، والقيام بالمغامرة، ليس فقط عربياً، بل عالمياً، فجيل الشباب، في العادة، هو الذي يبحث عن التغيير، وبدرجة أعلى بمعناه الثوري وليس الإصلاحي، فما الجديد لنركّز اليوم على "مفهوم الجيل"، ضمن ديناميكيات الثورات العربية الراهنة، هذا ما لم تجب عليه دراسات الكتاب وأبحاثه بصورة خاصة، وإن كانت قرّبته كثيراً للنقاش والنظر. بمعنى إذا كان جيل الشباب هو العامل المشترك، كقوى فاعلة ومؤثرة وكتلة كبيرة في أغلب الأيديولوجيات والثورات، فلماذا نبحث اليوم عن "مفهوم" أو "نظرية" مرتبطة بالجيل لنتعامل مع "الشباب" بوصفهم متغيّراً مستقلاً أو فاعلاً كشباب، أي كجيل، ولا نعطي مثلاً الظروف أو الأيديولوجيات الدور الأكبر كمتغير مستقل، عندما نتحدث عن ثورات الشعوب العربية؟
الجواب مرتبط بطبيعة التحولات والتأثيرات الاجتماعية والتاريخية التي أشار إليها الكتاب، ولكن مع الفرق أنّ هذه التحولات موجودة على مرّ الأزمنة، لكنّها في الوقت الراهن تفرض بطبيعتها على جيل الشباب أن يفكّر من المنظور العمري- الجيلي في ثوراته واحتجاجاته أكثر من المنظور الأيديولوجي أو السياسي مثلاً، كيف؟
تتعلق المتغيرات التاريخية بجيلٍ جديدٍ مرتبطٍ ومتأثرٍ ومتشكّلٍ بصورة خاصة بالثورة
 التكنولوجية، هي ليست أداةً استطاعت إعادة هيكلة الأيديولوجيات وأساليب التجنيد والتنشئة السياسية في العالم، بل هي تؤدي دوراً كبيراً في تشكيل البنية الثقافية والنفسية للجيل الجديد، "الآيفون" أصبح عالماً كاملاً، وألغى المسافات الجغرافية والزمنية، بل أصبح العالم الافتراضي أحد المكونات، وربما أبرزها، في العالم الواقعي، وباتت الشخصيات الرقمية للأفراد (في عالم الإنترنت) تتغوّل على السمات الواقعية وتظهر أبعاداً وأفكاراً أخرى. وباتت "السوشيال ميديا" تتحكم اليوم في المناظرات الوطنية، وتعيد صياغة سياسات الحكومات، بدلاً من المؤسسات الرسمية، وحتى الإعلام التقليدي، وربما يحدث حالياً العكس تماماً في أنّ الجيل الجديد هو الذي يستدخل الجيل السابق إلى عالمه الرقمي، ويمنحه المثاقفة الجيلية وليس العكس، في أحيانٍ كثيرة.
البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي كلها تضغط على جيل الشباب أكثر من غيره، والشعور بغلبة ثقافة الجيل السابق ليس فقط في النخب الحاكمة، بل حتى لدى أحزاب المعارضة هو الذي يجمع الشباب أيضاً، وبالتالي أصبح ملحّاً لجيل الشباب أن تكون الانتفاضة كاملة على الأساليب السياسية والأيديولوجيات والأدوات الفكرية، والطرق الهرمية في التفكير والتغيير، والاتجاه نحو الشبكية والتيارات بدلاً من الأحزاب التقليدية، وهي القناعات التي وجدناها في ثورات الربيع العربي واحتجاجاته، بنسختيها، الأولى والثانية.
هنالك جيل شبابي مخنوق بثقافة قديمة، يحمل ثقافةً جديدة، يسعى إلى أن يتحرّر من المرحلة الراهنة التي أوصلته إلى حالة الإحباط أو حلم الهجرة أو الداعشية، وهذا الجيل لا يمكن أن يبقى صامداً صابراً تحت رحمة الظروف الحالية من دون وجود أجوبة أو حلول أو حتى آفاق تقدّمها وصفات الأجيال الحالية، سواء بالحكم أو المعارضة، لذلك هو يتحرّك (كجيل) بحثاً عن مفتاح الخلاص.
تعليق: