السعودية تميّز بين نسائها

03 مارس 2019
الصورة
هل تخضع لنظام الولاية؟ (فايز نور الدين/ فرانس برس)

يبدو أنّ السعودية تميّز بين نسائها. وفي حين تبقي على ناشطات حقوقيات في معتقلاتها، تعمد إلى تعيين واحدة من الأميرات سفيرة إلى واشنطن... مفارقة تدعو إلى التوقّف عندها

أثار تعيين الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرة للسعودية إلى الولايات المتحدة الأميركية، فتصير بذلك السفيرة السعودية الأولى في تاريخ البلاد، سخرية ناشطين وحقوقيين سعوديين رأوا في ذلك التعيين مجرّد "إجراءات تجميلية" يقوم بها النظام السعودي، فيما تكثر القوانين التي تضطهد المرأة داخل البلاد، لعلّ أبرزها نظام ولاية الرجل عليها.

والأميرة ريما سبق أن تقلدت عدداً من المناصب المرتبطة بالشؤون النسائية، فعُيّنت وكيلة لرئيس الهيئة العامة للرياضة للقسم النسائي، وأشرفت على وضع المناهج الرياضية للنساء في المدارس للمرة الأولى في تاريخ البلاد، بعدما كانت المرأة ممنوعة من ممارسة الرياضة في المدرسة أو في الجامعة. كذلك استخدمت الحكومة السعودية الأميرة ريما التي تجيد اللغة الإنكليزية، وجهاً دعائياً لها في عدد من المؤتمرات العالمية، آخرها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وقد قالت الأميرة إنّ المجتمع الغربي يحاول الانتقاص والتشكيك في الخطوات التي يقوم بها وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان تجاه المرأة، قبل أن يصدر قراره بتعيينها سفيرة للبلاد إلى الولايات المتحدة الأميركية، خلفاً لأخيه الأمير خالد بن سلمان الذي صار نائباً لوزير الدفاع.




في تغريدة لها على موقع "تويتر"، كتبت الباحثة والناشطة الحقوقية النسوية المقيمة خارج السعودية هالة الدوسري، عقب تعيين الأميرة ريما سفيرة: "طالما بقيت شخصيات المجتمع المدني من الإصلاحيين والناشطات والكتاب والاقتصاديين في السجون، فليس هناك دعم حقيقي من القيادة لدور المجتمع وأحقيته في قيادة التغيير، أي إصلاح اجتماعي في ظل تقييدهم سيبقى محدوداً وانتقائياً ولا يمثّل مصالح الجميع". والناشطة التي فازت بمنحة زمالة بحثية وصحافية باسم الصحافي السعودي المغدور جمال خاشقجي، أطلقتها "واشنطن بوست"، لتخلفه في عموده، أضافت: "يمكن النظر لموضوع الولاية على النساء كمثال واضح على الفرق بين مطالبات الناشطات والشخصيات التنفيذية، وأيضاً الاحتفاء برفع حظر القيادة من كافة النخب بعد إقرار الدولة له مقابل تجريمه من الدولة وتجريم الناشطات من هؤلاء النخب خلال عام واحد".

من جهتها، تقول ناشطة سعودية مقيمة في بلادها، فضّلت عدم الكشف عن هويتها خوفاً من اعتقالها، لـ"العربي الجديد"، إنّ "قرار تعيين الأميرة ريما هو إقرار من الدولة بقوّة الضغوط التي تتعرّض لها في ما يتعلق بشؤون المرأة أوّلاً، وكذلك هو دلالة على التناقض ما بين الصورة التي تحاول الدولة ترويجها لنفسها في الخارج وبين الصورة الحقيقية في الداخل". وتشرح الناشطة نفسها أنّ "حصول أيّ مواطنة سعودية على وظيفة حكومية أمر مشروط بموافقة وليّ أمرها، وفقاً لنظام الولاية. أمّا إذا كانت الوظيفة في الخارج، فإنّ الوضع يكون أكثر صعوبة لأنّها تحتاج أوّلاً إلى تصريح سفر من وليّ أمرها، ثمّ إلى إثبات وجود محرم لها في الخارج كي تصرف رواتبها، مثلما هي الحال مع البعثات الدراسية في الخارج. وفي حال مغادرة محرمها للبلد الذي انتقلت إليه، فإنها تحصل على تحذير إلكتروني. لكنّني لا أظنّ أنّ السلطات سوف تطبّق أياً من ذلك على الأميرة ريما، لأنّ قوانين الولاية مخصّصة للنساء العاديات". تضيف الناشطة نفسها: "شاهدنا كلنا ما حدث مع الناشطات الحقوقيات اللواتي طالبنَ بحقوق المرأة وكيف اعتقلتهنّ السلطات واحدة بعد واحدة، واتهمتهنّ بالعمالة والتواصل مع منظمات خارجية".

في هذا الإطار، تشرح معيدة في إحدى الجامعات السعودية فضّلت عدم الكشف عن هويتها أسوة بالناشطة زميلتها، لـ"العربي الجديد"، الصعوبات التي واجهتها للدراسة في الخارج على نفقة الجامعة السعودية، بسبب نظام الولاية على المرأة. تقول: "حصلت على بعثة لإكمال دراسة الماجستير والدكتوراه من إحدى الجامعات الكبيرة هنا في السعودية، بسبب تفوّقي في مجال دراستي، وهو مجال علم الأحياء الجزيئي. لكنّ هذه المنحة الكاملة اصطدمت برفض وليّ أمري (أخي الأكبر سنّاً) سفري، بحجّة مخالفة العادات والتقاليد وعدم وجود محرم معي، فإخوتي الذكور جميعهم غير متفرّغين وأنا غير متزوجة. وهو ما يعني أنّ القانون السعودي يحرمني المنحة". تكمل المعيدة نفسها سردها: "بقيت طوال عام كامل أعيش هاجس فقداني تلك المنحة المهمة لي، وفي اللحظة الأخيرة وافق أحد إخوتي الصغار على مرافقتي، الأمر الذي مكّنني من الحصول على الماجستير والشروع في الدكتوراه. واليوم، يراودني سؤال: هل تعرّضت الأميرة ريما لهذا الموقف؟ إذا لم تتعرض له، فهذا يعني أنّ ثمة عدم مساواة بين الأميرات والمواطنات. أما إذا تعرّضت له، فهل يُعقَل منطقياً أن تستأذن سفيرة البلاد إلى القوّة العظمى في العالم والدها، قبل قيامها بمهامّ رسمية قد يكون بعضها سرّياً؟".

على الرغم من أنّ وليّ العهد أقرّ إجراءات إصلاحية عديدة تخصّ حقوق المرأة في البلاد، فإنّه بخلاف ذلك أطلق حملة اعتقالات استهدفت ناشطات نسويات، كنّ يطالبنَ بتحسين أوضاع المرأة والضغط لإسقاط نظام الولاية، الذي يمكّن والد المرأة أو أشقاءها أو زوجها أو حتى أبناءها من التحكّم في حياتها وتنقلاتها، ويهدفنَ إلى إقرار قوانين لحماية المرأة من العنف. وقد تعرّضت الناشطات الحقوقيات، وفي مقدّمتهنّ الناشطتان لجين الهذلول وإيمان النفجان، للتحرّش الجنسي والتهديد بالاغتصاب والقتل على يد المستشار السعودي السابق سعود القحطاني، الذي وُجّهت له تهم أخرى تتعلق بتورّطه في مقتل الصحافي المعارض جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول".




في السياق، يقول المعارض السعودي المقيم في لندن عبد الله الغامدي لـ"العربي الجديد"، إنّ "تعيين الأميرة ريما هو مجرّد حملة علاقات عامة، للتغطية على تورّط السفير السابق شقيق وليّ العهد خالد بن سلمان في مقتل جمال خاشقجي، بالإضافة إلى تصوير السعودية جنّة للمرأة، لدرجة تعيين واحدة من نسائها سفيرة إلى واشنطن. لكنّ بن سلمان لو كان جادّاً في دعم المرأة وحقوقها، لأفرج عن الناشطات في السجون السعودية اللواتي يعانينَ من جرّاء التعذيب والتحرّش والاغتصاب".