السخنة... مدينة سورية منسية خسرت أهلها ودمرتها الحرب

27 يوليو 2017
الصورة
يعيش أهالي السخنة أوضاعاً صعبة (فيسبوك)


تبدو مدينة السخنة السورية، التي تخضع اليوم لسيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي، خالية من أهلها المشردين في أصقاع البلاد، في حين يسعى النظام مدعوما بالمليشيات الإيرانية و"حزب الله" وروسيا، للوصول إلى المدينة التي تشكل بوابة الدخول إلى دير الزور الخاضعة للتنظيم الإرهابي أيضاً.

والسخنة تابعة لمدينة تدمر، وتبعد عنها بـ70 كلم باتجاه الشمال الشرقي، على طريق دير الزور بنحو 110 كلم، في حين تبعد عن مدينة حمص التي تتبع لها بـ250 كلم، وكان يسكنها قبل الثورة نحو 30 ألف نسمة عام 2011.

وقال ابن المدينة والناشط عبد الحسيب معشي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "سكان السخنة يعيشون على الرعي وزراعة الحبوب، وجانب تجاري نشط جراء البدو الذين يأتون للاستقرار في محيطها أيام مواسم الرعي، وخلال الـ25 عاما الأخيرة كان اعتماد معظم سكانها الأساسي على تحويلات المغتربين"، لافتا إلى أن الصناعة تغيب هناك باستثناء بعض الحرف اليدوية والورش الصغيرة.

وأوضح أنه "في تسعينيات القرن الماضي، كان أكثر من 90 بالمائة من السكان يعتمدون في معيشتهم على الزراعة البعلية (التي تعتمد على الأمطار)، وذلك قبل قرار الحكومة بمنع الفلاحة الخاصة بالزراعة البعلية، لكن بالمقابل لم يعطِ القرار الفلاحين أي تعويضات تذكر ولم يعمل على حفر الآبار ليتحول الفلاحون للزراعة المروية، وأصبح كل مواطن يتعرض للسجن مقابل كل خط فلاحة لشهر كامل، وسجن العديد من الناس الذين حاولوا التمسك بمصدر رزقهم الوحيد، وحاول البعض الاعتماد على الرعي والتجارة مع البدو، إضافة إلى بعض البساتين والبيارات المروية، لكنها بقيت مصادر رزق محدودة".     


وتابع "تدهورت أوضاع الناس الاقتصادية وبدأت الهجرة للعمل، بدءا من الأطفال في سن الـ15 عاماً إلى 18 عاماً للمدن السورية الكبرى ولبنان، وبعدها كانوا يعودون لتأدية الخدمة العسكرية الإجبارية، العقبة الأكبر في حياة الشباب السوري، ثم يتجهون بعدها إلى دول الخليج وخاصة السعودية، ودول أوروبا وأميركا الجنوبية وغيرها".

واستدرك قائلا "في العديد من المدن السورية أصبحت هناك أحياء كاملة تنسب إلى المهاجرين من مدينة السخنة، منها أحياء في حماة ودير الزور وحلب".

وأكد الناشط أن ما يثير سخط الأهالي على النظام، إضافة إلى منع الفلاحة وغياب التنمية بشكل كبير "سعيه الدائم لإثارة النعرات القبلية، وتعميق شعورهم بأنهم مهمشون ومهملون، ومسرحية الانتخابات ودورهم فيها على مختلف مستوياتها، التي كانوا يسخرون منها كثيرا".

وبيّن أن "التعليم ظل لعقود مهملا لدرجة كبيرة في السخنة، حيث كانت توجد فيها مدرسة ابتدائية وحيدة، والطالب الذي يرغب بإكمال تعليمه في المرحلة الإعدادية عليه التوجه إلى تدمر وقطع مسافة 140 كلم ذهابا وإيابا، أو أن يقيم في حمص أو غيرها من المدن، ما يعني كلفة مادية مرتفعة تعجز عنها غالبية العائلات، ما جعلها تعزف عن إرسال أبنائها، وهذا انعكس تراجعا في مستوى الثقافة بين أبناء المدينة".

وأوضح أن "غالبية الناس كانوا بعيدين عن السياسة بشكل كامل، بالرغم من وجود حزب البعث العربي الاشتراكي وهو الحاكم والمهيمن، كما كان هناك بعض الأهالي المنتمين إلى التيار الناصري تربطهم علاقات مع الناصريين في العديد من مناطق البلاد، في حين لم يكن يلحظ وجود تيارات أخرى.

وقال معشي "الأهالي متدينون بالفطرة، فلم تكن تجد في السخنة أي طرق صوفية أو سلفية، كما لا تبدو عليهم مظاهر التدين، وحتى النشاطات الدينية كانت محظورة من قبل النظام، ومن درسوا الشريعة في دمشق أو حمص لم يشكلوا حالة أو تيارا متدينا".



وأوضح أنه "بين عامي 2003-2011، كانت الأوضاع في السخنة تتحسن، وخاصة مسألة التعليم والوعي، وازداد عدد الحاصلين على الشهادات، وكان هناك عدد لا بأس به يدرس في دول أوروبا الشرقية، حتى المغتربين في السعودية ودول الخليج كان أبناؤهم يتابعون دراستهم في الجامعات السورية، ولوحظ الإقبال على دراسة الطب البيطري بسبب طبيعة المنطقة، كما كان هناك عدد جيد من المهندسين والمعلمين".

وعن بداية الحراك الثوري في السخنة عام 2011، قال "أول مظاهرة كانت في 11 إبريل/نيسان 2011 على خلفية استشهاد مجند في تدمر جراء رفضه إطلاق النار على المتظاهرين في درعا، كانوا حينها عشرات الأشخاص، لكن سرعان ما تعاطف الأهالي مع الثورة ومطالبها، وأثارهم بشكل رئيسي وضع أبنائهم في الجيش حيث سيتحولون إلى مجرمين أو قتلى؛ وفتح عدم وجود قوة عسكرية كبيرة داخل السخنة المجال لمشاركة أعداد أكبر في المظاهرات، حتى تحولت إلى طقس معتاد يوم الجمعة، يزيد من زخمه وقوع بعض الحوادث".

وتابع "وفي الشهر الخامس من عام 2011، تسبب مقتل ضابط برتبة نقيب من تدمر أثناء خدمته على يد ضابط آخر محسوب على النظام جراء خلاف في النقاش حول الحراك، بزيادة زخم المظاهرات بشكل كبير جدا؛ بدأت الاعتقالات تزداد بين أبناء المدينة، وأصبحت السخنة تهمة تقود أبناءها إلى فرع البادية التابع للأمن العسكري، ومنهم من يحول لدمشق للتحقيق معه، واستمر الحال كذلك حتى اقتحمت القوات النظامية السخنة للمرة الأولى في الشهر الثاني من عام 2012". 

ولفت إلى أن "الثوار دخلوا السخنة في الشهر الخامس من عام 2013، دون قتال بعد أن كانوا استقروا في الطيبة وقصر الحيرة الشرقي، ولم يقيموا في المدينة حينها، فبقيت خارج القصف، ولم يقطع عنها النظام الوقود والطحين وغيرها من المواد الغذائية، فقد دخل الثوار دون أن يتعرضوا لأحد بمن فيهم أعضاء حزب البعث واكتفوا بإغلاق مقرهم، لكن في رمضان عام 2013، قامت جبهة النصرة المتواجدة حينها في مدينة البوكمال بتفجير سيارتين مفخختين في مفرزة أمن وحاجز على أطراف المدينة من جهة النظام".

وتابع "تسبب ذلك في اقتحام المدينة من قبل القوات النظامية والمليشيات الشيعية بطريقة بشعة ودموية، مرتكبين مجزرة وثق فيها مقتل 26 شخصا، إضافة إلى عدد من المفقودين، وجميعهم من المدنيين، وفي هذه المجزرة قتل أشخاص بالسلاح الأبيض وتم حرق عائلات كاملة قبل عيد الفطر بـ3 أيام، بعد أن استطاع الأهالي أن يقاوموا ليوم واحد، ما أصابهم برعب شديد وانسحبوا إلى بلدة الطيبة".

ولفت إلى أنه "في بداية عام 2014 بدأ تنظيم داعش الإرهابي يتمدد في الرقة ومحيطها على حساب الثوار، وفي الشهر الخامس من عام 2015، سيطر النظام على السخنة وتدمر، وعندما عاد ودخل تدمر بعد عدة أشهر لم يكمل إلى السخنة التي يبعد عنها بنحو 50 كلم، واليوم لا توجد أمامه مقاومة تذكر، وقد يصل إلى السخنة مستغلا ضعف داعش وعدم مقاومته، في حين النظام يتقدم من ثلاثة محاور".

وأوضح أن "نسبة الدمار في المدينة تفوق اليوم 60 بالمائة، في حين نحو 90 في المائة من أهالي السخنة وخاصة من كانوا يسكنون الرقة، حاليا يسكنون البراري المحيطة بها، في ظل وضع إنساني غاية في السوء، حيث لا تتوفر المواد الغذائية والطبية ومياه الشرب، ويتقاضى المهرب نحو 5 آلاف دولار أميركي من الشخص لإدخاله إلى تركيا، وحظهم العاثر الذي أوجدهم في مناطق سيطرة التنظيم حرمهم من جميع حقوقهم كبشر وجعلهم في دائرة الاتهام بالإرهاب".