السترات الصفراء.. حقيقة اجتماعية وإنكار ثقافي

28 فبراير 2019
الصورة
جدارية أنجزها باسكال بويار في باريس (كيران ريدلي)
+ الخط -

منذ صعودها، أصبحت حركة "السترات الصفراء" موضوع الحديث الأبرز في الفضاء العمومي الفرنسي، غير أننا نلاحظ أن التناول المعتمد اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ في معظمه، فيما تغيب القراءات الثقافية حوله. في هذا المقال، الذي كتبه لـ"العربي الجديد"، يرسم الناقد لوران كوفيه المشهد الفرنسي ويحلّله من منظور ثقافي.



منذ 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، تاريخ الفصل الأول من حركة ما بات يُعرف بـ"السترات الصفراء"، وأمام الغضب الشعبي، لم تكن للحكومة من إجابة سوى القمع العشوائي. أخذ العنف يتمظهر بشكل سافر أكثر فأكثر: ضَرب المتظاهرين بالعصيّ، وإلقاء الغاز عليهم ومقذوفات أخرى لتفرقتهم بالقوة. لم يعد ممكناً لنا أن نحصي عدد الجرحى، بعضهم تشوّهت وجوههم، وآخرون أصيبوا في أطرافهم، وآخرون في أعينهم.. تعدّدت مشاهد التعنيف والإذلال، مؤكدة أن الدولة الفرنسية مستعدّة لخوض حرب ضد الشعب الذي "يعيش" في أرضها، منذ محاولته جعل صوته مسموعاً.

هناك أرقام تتكلم، ولا تحتاج إلى تأويل: خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحِراك اعتقل 6000 شخص، من بينهم 1000 شخص جرى نُطق أحكام بحقهم. هكذا، فنحنُ معرّضون جميعاً للسجن، لكوننا نحمل نظارات نقي بها أعيننا من المقذوفات، أو قناعاً مضاداً للغازات. يمكن أن نُحبس فقط لأننا كنّا نسير في مظاهرة.

لعلّ أكثر المشاهد الصادمة التي رأيناها وقت أن صُفِّف 153 تلميذاً في ضاحية مانت لا جولي. كانوا على ركبهم، وأيديهم وراء رؤوسهم، معرّضين لفوهات أسلحة فرقة بوليسية. شاهدنا أطفالاً يعاملون كأسرى حرب، وقد قرّر "المنتصرون" أن يستمتعوا بإذلال "المهزومين". رأينا أيضاً عناصر بوليسية تطارد مُقعداً وصولاً إلى سقوطه من كرسيّه، أو يضربون أشخاصاً مصابين، من بينهم مراهقون ومُسنّون، كما رأينا دخول مجنزرات إلى وسط مدن كبرى: باريس وبوردو ونانت ومرسيليا.

أمام هذا العنف، يدّعي معظم نوّابنا، من اليسار كما اليمين، أنهم فهموا غضب "السترات الصفراء"، لكنهم في الوقت نفسه كثيراً ما أيّدوا العنف البوليسي، مؤكّدين أن ذلك يحدث باسم الجمهورية وباسم الديمقراطية، وهو خطاب سرعان ما تنشره على مدى أوسع صحافة خانعة سرعان ما تمتثل للأوامر.

باسم الديمقراطية، إذن، يُصبح العنف شرعياً. يُضرب ويُصاب وربما يُقتل أناس من الشعب، ويصنّف ذلك كفعل ديمقراطي. كيف نتصوّر ردود فعل هؤلاء النوّاب، وغيرهم من الشخصيات السياسية ومن الإعلاميين، لو أن المشاهد نفسها كانت آتية من بلد أفريقي مثلاً.

هذا العنف، والذي كان مقتصراً عادة على الأحياء الشعبية - فقد كانت دائماً مختبر التجارب القمعية - ها هو يصل إلى فئات شعبية أوسع، باسم الديمقراطية، وهذا يشير إلى أن الفاشية لا تزال تسري في عروق الأنظمة السياسية الغربية. ألم يقل برتولد بريشت إن "الفاشية ليست ضديد الديمقراطية، وإنما أحد أشكالها زمن الأزمة".

في كانون الثاني/ يناير الماضي، اقترح لوك فيري، وهو وزير تربية سابق، و"فيلسوف سابق" أيضاً، أن عناصر الشرطة يحتاجون إلى مزيد من الحماية، ثم يقول إنه من الممكن لهم أن يطلقوا الرصاص على المتظاهرين. هذا المقترح الذي "نطق" به فيري عَرَضاً ضمن حوار إذاعي، يقول الكثير عن طريقة تفكير "القادة الفرنسيين". فإذا كان عنف شخص واحد عبارة عن كلمة معزولة، فإن عنف جماعة يتحوّل إلى بناء لغوي. حيث إنه حين ينتقل العنف من فكرة شخصية ليشترك فيها آخرون، سرعان ما يتحوّل إلى لغة في حد ذاته.

ومع تجاهل السلطة للصعوبات التي تعانيها شريحة تتوسّع أكثر فأكثر من الشعب، فإن الخاسرين ضمن هذه المعادلة، مثل العمّال الوقتيين، والمتقاعدين، والعاطلين من العمل، والشبّان من أصحاب الخبرات المهنية القصيرة، قد التحق بهم جزء مما كان يُحسب على الطبقة المتوسطة، فليس من النادر أن نسمع الاحتجاجات نفسها على صعوبة العيش من مدرّسين وحرفيين وفلاحين وفنانين، بل حتى من مطلقي مشاريع. كل هؤلاء لديهم أسباب للخروج إلى الشارع، وحين يجدون أمامهم عنف الدولة لا يتورّعون عن تنظيم أنفسهم حين يقتضي الأمر، في ما يمكن أن نسميه بـ"الدفاع الشعبي".

عرفت فرنسا العديد من التحرّكات الشعبية سابقاً، ولكنها لم تعرف السبيل لتوحيد خطاب كل هؤلاء المسحوقين. وهذا ما نجحت حركة "السترات الصفراء" في إنجازه، حيث وضعت في الصف نفسه أبناء الأرياف وشوارع باريس والمدن الأخرى. جبناً إلى جنب، نجد كل من بات الغضب واليأس يخنقهم.

وإذا كان هناك حدث قد هزّ الرأي العام في فرنسا في الفترة نفسها التي تبلورت فيها حركة "السترات الصفراء"، فهو انهيار عمارتين في مرسيليا في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، ما خلف ثمانية قتلى. هؤلاء، ممن يقطنون مباني غير مؤهلة للسكنى، هم شباب لا يجدون عملاً ثابتاً، وهم من أصول أجنبية. كثيرون قد اعتبروا أنهم معرّضون لمثل هذه المأساة مثلهم مثل ضحاياها. لقد كان انهيار العمارتين، والأشخاص الذين ماتوا، عبارة عن استعارة ترمز لواقع العالم اليوم: حضارة تنهار وتسحب في انهيارها الأشخاص أنفسهم: أولئك المهمشين الذين يلهثون للبقاء على قيد الحياة.

ربما توجد حادثة رمزية أخرى، في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2019، فبعدما كان ضمن مظاهرة جرى تفريقها بالغاز، قام الملاكم السابق كريستوف ديتنغر، والذي أطلق أحد أفراد الشرطة الغاز في وجهه مباشرة، بمهاجمة المعتدين عليه معتمداً على مهاراته كملاكم رغم أنه أعزل فيما البوليس مسلح ويرتدي ملابس فائقة الحماية.

هكذا تحوّل الغضب المنفلت لرجل واحد إلى حالة معمّمة تبناها أشخاص كثر. وقتها، حاول شِقٌّ من الطبقة السياسية العمل على تجريم الرجل، باثين مقولات عرقية، مثل الإشارة إلى أصوله الغجرية أو الإشارة إلى أن ما فعله يسيء للحركة ورهاناتها السياسية، غير أن معظم المتابعين وجدوا في ما أقدم عليه ردة فعل طبيعية وحركة حرّة.

كانت هذه الحادثة تشير إلى أن الخوف قد انتقل من معسكر إلى آخر: لم تعد العامة هي التي ترتعد أمام الترهيب السلطوي، بل إن الدولة باتت ترتجف من غضب الناس.


■ ■ ■


هذه الفئة الشعبية التي تعبّر عن غضبها والتي تقوم بتجديد خطابها، يبدو وكأنّما لا صدى لها في الوسطين الثقافي والفنّي - ناهيك عن السياسيين السلبيين - حيث يبدو أن ثمة فصل، بالنسبة لهؤلاء، بين مجال النقد الاجتماعي ومجال الإبداع الفنّي ولا صلة بينهما، فهؤلاء المثقفون يجعلهم القلق على امتيازاتهم يبتعدون عن الشارع وكلّ ما يحدث فيه. بيد أنّ الوضع معقّد أكثر من ذلك.

فما تعمل عليه "المؤسسة" إنما هو القولبة والدفاع عن ثقافة غربية تمزج بين التسلية والضمير الحي. إنها تعمل على نشر التعبيرات الفنية الخاوية من أي نقد سياسي، ناشرة فناً وفكراً احتفاليين، على قواعد تجارية متفق عليها، من تركات الثقافة الإنسانوية مغلّفة بجماليات مبهرة. المطلوب: فن وثقافة مسالمان قبل كلّ شيء...

ينعكس الفن بعد ذلك على الاستراتيجيات التواصلية للسلطة، بطريقة تمتدّ إلى وسائل الإعلام التي تقدّم لعامة الناس مشهداً سجالياً مفتوحاً على كلّ المواضيع يدعون له خبراء (مؤهلين من السلطة) يتصدّون للدفاع عن كل الاحتمالات المتوقعة، والهدف من ذلك هو إيهام الشعب بأنّ حرية التعبير مكفولة ولا وجود لمواضيع محرمة في الديمقراطية. ما بقي لكل واحد منا بعد ذلك هو أخذ فكرة يختارها ضمن الخيارات المقترحة.

حين كان الخبراء يتساجلون على شاشات التلفزيون، حول الشعب ومتطلباته، كانت مؤسّسة "ريكار" في مقرها الباريسي، تقيم حفل افتتاح معرض بعنوان "قصائد بروليتارية". نستشعر هنا ذلك التردّد في استعمال مصطلح "البروليتاري" ونحن نعرف أن الهوة قد اتسعت بين الوسط الفني وهذا الذي يسمّى بالبروليتاري، والذي يجد نفسه وقد دعي لتسلية مجموعة تنفصل عن الشعب بالتدريج. ما يجري هنا هو انحراف عن هدف الفن. إذ يتوقف عن الوصول إلى عامة الناس ليقتصر على الذين يشتغلون فيه، يتمتعون به ويُطمئنهم إلى قيمهم المشبوهة المتعلقة بالمقاومة والحريّة، تلك التي تفترضها مواقعهم كمحترفين للفن أو كهواة له.

لا شكّ أنّ السخرية ستكون حادة أكثر حين نتذكّر أن عبارة "قصائد بروليتارية" مقتبسة من عنوان مجلّة "بُويزي بروليتار" (شعر بروليتاري)، الصادرة سنة 1998 بمبادرة من مجموعة من الشعراء والفنانين لم تكن لهم موارد عيش ثابتة ولا أي صدى مؤسساتي.

مثال آخر لهذا الاستعمال "الساخر" نجده حين نلاحظ أن "الرعب الذي يعيشه المهاجرون" قد أصبح موضوعاً أساسياً يجد الحفاوة والترحاب أينما حلّ. موضوع "مدعوم" (بالمعنى المادي) شريطة ألا تستدعي معالجته بعداً نقدياً، خصوصاً في استحضار السياسة الاستعماريّة (ماضياً وحاضراً) للحكومة الفرنسية.

فكلّ مشهد يعتبر جيداً إذا ما شدّ وأمتع المتلقي وطمأنه على إنسانيته: إذ إنه حين تكون متعة استهلاك المنتج الثقافي قد قدّمت بموازاة التضامن مع الضحايا، فإنّ الربح الرمزي يكون مزدوجاً. سندفع ثمن تذكرة دخول معرض بكلّ فخر وفرح، ثمّ نعود إلى بيوتنا دون التفاتة للذين يموتون على الرصيف. ذلك أن المأساة خارج المشهد ليس لها اعتبار. في الوقت نفسه، يجد بعض المواطنين الفرنسيين - ممن لا يعرفهم أحد - أنفسهم تحت طائلة المحاكمة بتهم توفير المسكن والغذاء للأجانب المقيمين دون ترخيص من المؤسسة الرسمية.

هكذا نرى أن الدولة الفرنسية تلعب على واجهتين: من جهة، تدفع بالشرطة كي تتعقّب، تهين، تضرب وتسجن المهاجرين غير القانونيين، ومن جهة أخرى تعتمد سياسة ثقافية قوامها التعاطف مع هؤلاء. ها هي "مؤسسة بوبور" Beaubourg مثلاً قد عرضت منذ أشهر تمثالاً لـ غودييه بريشكا Gaudier Breska في مركز إيواء للمهاجرين في ضاحية "إيفري سير سين" الباريسية. تهدف هذه الحركة، في نظر مدير المؤسسة سارج لافيني، إلى "لفت نظر فئة لا تأتي إلى المركز وربط علاقة معها".

أن تضع هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا تجارب مريرة أمام تمثال هو عبارة عن منحوتة لطائر يلتهم سمكة داخل قفص بلوري فوق قاعدة عملاقة، فذلك من أكثر المواقف سخرية. فالزائرون هم سودانيون، وأفغان، وإريتريون، وسنتساءل: أي ذكرى سيثيرها هذا المشهد لدى هؤلاء؟
مرة أخرة نتأكّد أن "المؤسسة" لا تسمح إلا بالعمل الذي لا يحتوي على نقد حقيقي، ولذلك فإنه من الضروري على المبدعين، من جهتهم، أن يسعوا إلى التحرّر من البروليتارية الإلزامية التي تمليها عليهم المؤسسة.

ما يحدث حالياً شيء معقّد، يدعو هو الآخر بلا شكّ إلى حراك فوري من المبدعين الذين يحبذون الوقوف إلى جانب من يقاومون في الشارع، عوض الاعتكاف داخل ذواتهم المُريحة في الوسط الثقافي ومن ثم الانصهار في الذات العامة للجماهير. هؤلاء ينبغي لهم دخول حالة من الصمت الفاعل، صمت الاستماع.

شهران بعد بداية حراك "السترات الصفراء"، صدر بيان مُوقّع من آلاف المثقفين والفنانين تضامناً مع الحراك. وإذا كنا نهنّئ أنفسنا، بداية، بأن شيئاً تحرّك في مجتمعنا، إلا أنه توجد ملاحظتان لا بدّ منهما عند قراءة هذا البيان. أوّلاً، في الوقت الذي تجمّع فيه الناس في الشارع بعيداً عن أي عقليّة فئوية، أبدى الفنانون والمثقفون حاجة إلى التجمّع في إطار المشترك بينهم. ثانياً، يبرز شكل من الأبوية يؤمن بحاجة الشارع لخبرة المثقفين والفنانين، وكأننا لم نستطع، في فرنسا، التخلّص من متلازمة إيميل زولا الذي يجعل المثقف صاحب رسالة عليا: العمل على توفير المعرفة التي يحتاجها الشعب.


■ ■ ■


الدولة الفرنسية في حالة اختناق، إنها تعاني من مرضين: أولهما الاحتقار الطبقي، والذي يتمظهر في إصرارها على تجاهل معاناة أكبر عدد من الناس ورفضها تناول المسألة الاستعمارية بجدية، وهو ما يجعلها تواصل سياسة الحرب الاجتماعية ضدّ فئات مهمّشة من المهاجرين. هي نفسها سياسة المطاردة والقمع التي اتبعت في البلدان التي يتحدر منها هؤلاء ودمّرها الغرب.

مثل الدولة التي تموّله، فإن القطاع الفنّي يعتمد الطرق نفسها: ينفصل عن الناس، ثم يسهر على تبييض الجانب الاستعماري. بذلك فإن الساحة الفنية هي الانعكاس الحقيقي للسلطة، ولا فرق سوى أن الأسلحة تختلف هنا وهناك، حيث تُستعمل بدل الهراواتِ الخطاباتُ المهدئةُ من تلك التي يطلقها الخبراء متضمنة لشيء من المغريات الفنيّة والأجواء الاحتفاليّة.

حيال المسألة الاستعماريّة، يتحوّل الوسط الثقافي إلى ما يشبه الحاجز الواقي بين الأحياء الشعبية وبقية فرنسا، إلى درجة أنّ العديد من متساكني وسط المدن لا يعرفون شيئاً مما يحدث في الضواحي، في ما عدا القليل من الفلكلور والأعمال المنتقاة، مثل أغاني الراب، والهيب هوب، وفنون الشارع وما إلى ذلك... وهذه أعمال تصل إلى مؤسسات الفن الرسمي لتسلية العدد الأكبر من الجمهور.

بيد أن هذه الأحياء تبقى غنية بمختلف أنواع الابتكار الفني، ليس فقط بوجود مشهد لفن الراب خلاق ومختلف لا ينصاع للإملاءات الإعلامية، وإنما أيضاً لوجود نزعة إتقان فني داخل أشكال عديدة، مثل فنون المسرح، والتصوير الفوتوغرافي، والفنون التشكيلية والسينما. غير أن هؤلاء الفنانين لا يعتمدون على مسالك التسويق المعهودة وينتهجون سياسة الاعتماد على الذات. ولكي نتعلّم منهم أو نعرفهم، علينا أن نتوجّه إلى حيث ينجزون فنهم: خارج المؤسسة.


■ ■ ■


الانفتاح على هذا المشهد، والذي يمكن نعته بـ"المتحرّر من الاستعمار"، يتيح لكلّ شخص في أي مكان كان أن يختار (أو لا يفعل ذلك) العمل ضدّ هذه التفرقة، وهو أمر ليس باليسير مثلما تدلّ على ذلك العديد من الهجمات التي تعرضّ لها الناشطون ضمن مشروع "تحرير الفن من الاستعمار" الذي انطلق منذ أربع سنوات، وهي تجربة كثيراً ما كانت محلّ انتقاد وازدراء من الأكاديميين والفنانين بحجة أنها تقوم على بث خطاب عنصري أو محليّ أو فئوي، وكأن الثقافة الرسمية للرجل الأبيض بعيدة كلّ البعد عن هذه الاتهامات.

على مستوى آخر، وضمن التهجّم على "تحرير الفن من الاستعمار"، جرى تهميش وتعطيل إحدى ممثلاته، الباحثة والناشطة حورية بوثلجة، إثر إصدار كتابها "اليهود، البيض، ونحن"، سنة 2015، وهو عمل يدعو إلى فهم أحسن للصراعات ما بعد الاستعمارية. سرعان ما اتهم العمل بمعاداة المثلية الجنسية والسامية وكراهية المرأة دون أن يقدّم أي دليل على ذلك، لكن أصبح من الصعب التخلّص من الصورة التي كرّستها هذه "الانتقادات".


■ ■ ■


على شاكلة العامة التي تهجر الأحزاب والنقابات وتنزل إلى الشارع للتعبير عن ذاتها وتجديد فكرها، ينبغي على المثقفين والفنانين أن يعيدوا اختراع أفعالهم وأفكارهم. خارج الأسوار، في الشارع، بعيداً، دائماً بعيداً، من أجل حرية أن نكون في مكان آخر غير الذي نجبر أن نكون فيه. أن لا نُمثّل أية سلطة كانت. أن نبقى مبتدئين على الدوام.

علينا أن لا ننظر إلى حاضرنا في ظلّ عَلَم، ولا سلطة، بل نتعلّم النظر إلى ما حولنا دون اعتبار الجنسية، وأن نفكّر مع سلوى بولبينة وهي تقول: "لا نستطيع المقاومة (التفكير، الخلق) ونحن نحترم المواضعات. لا توجد أصلاً فلسفة دون أخطاء تقدير. لا نستطيع أن نقاوم ونحن منصاعون لكبار الشخصيات. لا نستطيع أن نقاوم حين نحترم المواقع والمستويات والتسلسل الهرمي. المقاومة، فنياً وفلسفياً بالخصوص، صعبة سياسياً واجتماعياً. هي الاجتهاد للتقدم ضدّ التيار. يمكننا بالتالي تعريف الشجاعة كشيء من عدم الحذر".


* Laurent Cauwet، كاتب وناقد وناشط ثقافي فرنسي، والمقالة خاصة بـ"العربي الجديد"
** ترجمة عن الفرنسية: شوقي بن حسن

المساهمون