الزبداني "لبّ الخير".. حكاية قهر وجوع وتشريد سوريّة

الزبداني "لبّ الخير".. حكاية قهر وجوع وتشريد سوريّة

02 فبراير 2017
الصورة
هنا، في مضايا، تعيش وقد هُجّرت من الزبداني(غيث عيسى)
+ الخط -

لكلّ مدينة من مدن سورية حكايتها وتاريخها. ونتذكّرها إذ ساءت أحوالها. الزبداني واحدة منها. هي تقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شمال غرب العاصمة دمشق، وتمتد بمحاذاة سفوح جبال لبنان وتشرف على سهل تكثر فيه الأشجار المثمرة.

عمرها من عمر دمشق التي يقال إنّها من أقدم المدن المأهولة في العالم... نحو 11 ألف عام. هي "زابادوناي" أو "لبّ الخير" في الأرامية والسريانية، وقد تحوّلت إلى "الزبداني". قبل عام 2011، كان يأهلها 42 ألف نسمة. أمّا اليوم، فسكّان المدينة المدمّرة هم دون 160 نسمة ومحاصرون في مساحة لا تزيد عن كيلومتر مربّع واحد.

لطالما كانت الزبداني "مركز المنطقة" بحسب ما يقول رئيس الهيئة الطبية فيها عامر برهان. يضيف لـ "العربي الجديد" أنّها "اشتهرت بالسياحة والزراعة. ففيها سهل غنيّ بالأشجار المثمرة المتنوّعة، خصوصاً التفاح الذي ذاع صيته المميّز في البلاد وخارجها. كذلك، كان التهريب جزءاً مهماً من حركتها الاقتصادية، نظراً إلى موقعها القريب من الحدود اللبنانية، شأنها شأن مناطق حدودية كثيرة في مختلف البلاد". ويلفت برهان إلى أنّ "تهجير أهالي الزبداني بدأ في عام 2012، عقب تكثيف القصف على المدينة واقتحامها، الأمر الذي تسبّب في مقتل واعتقال عشرات من أهلها. وفي عام 2015، شنّت قوات النظام وحلفائه حملة مكثفة استخدم خلالها كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرّمة دولياً، لينخفض عدد سكانها من خمسة آلاف نسمة إلى أقلّ من 160، حوصروا في نحو كيلومتر مربّع واحد".

انتعاش انعدم

ويوضح برهان أنّ "الزبداني كانت مدينة منتعشة اقتصادياً بالمقارنة مع المدن السورية. لذلك، كان النظام حاضراً بقوّة فيها بكلّ مؤسساته، لا سيّما الأمنية منها. فهي كانت كالدجاجة التي تبيض ذهباً، من جرّاء الوفرة المادية الناتجة عن الزراعة والسياحة والنهضة العمرانية والتهريب. وذلك عبر إتاوات وسياسات تضييق وابتزاز على مختلف الصعد. لقد كان النظام شريكاً غير رسميّ لنا، يقاسمنا كلّ شيء من إيرادات الزراعة والسياحة إلى التهريب الذي كان يرعاه بطريقة مباشرة وغير مباشرة". ويتابع، إنّ "نتيجة طبيعة العلاقة السيئة مع النظام وتراكم سنوات من القهر والظلم، وعقب قيام تحرّكات احتجاجية في محافظة درعا، خرج أبناء الزبداني في تظاهرات سلمية. فنفّذوا أوّل إضراب عام في سورية. وفي عان 2012، إزاء العنف المفرط، أجبرنا على التصدي للقوات النظامية. وهو مما شكّل دفعاً كبيراً للثورة في البلاد".

عن واقع التعليم في الزبداني، يقول برهان إنّ "نسبة المتعلمين هي من النسب المرتفعة في سورية، إذ لا نجد فيها أميّة. ومن بين أبنائها، نحصي نحو 700 طبيب وعدداً أكبر من المهندسين، بالإضافة إلى آلاف من حملة الشهادات الجامعية في مختلف الاختصاصات. وعلى الرغم من الحصار المستمرّ، في الزبداني وكذلك في مضايا التي لجأ إليها كثيرون من أبناء الزبداني، لطالما عُدّ التعليم من أبرز أحد المسائل التي اهتمّ بها الناشطون، في محاولة منهم للحؤول دون انقطاع الأطفال عن الدراسة".

ويتحدث برهان عن توجهات الأهالي السياسيّة في الزبداني التي "كانت تضمّ عدداً من الأحزاب والتوجهات السياسية إلى جانب حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم. فكنّ نجد الناصرية والشيوعية وغيرهما". ويلفت إلى أنّه على الرغم من الطابع الديني الملتزم للأهالي، إلا أنّ المدينة لم تكن تضمّ تيارات إسلامية سياسية أو سلفية. قلّة فقط من الأشخاص كانت تنتمي إلى ذلك التوجّه، وكانت تتعرّض لمداهمات واعتقال من السلطة بين الحين والآخر. وبعدما كان هؤلاء الأشخاص قد اختفوا قبل الثورة من المدينة، إلا أنّ توجّههم عادة بقوّة أخيراً، مع تحوّل الثورة إلى ثورة إسلامية كما يقال". إلى ذلك، يقول إنّ "بعضاً من أبناء الزبداني كان من موظفي مؤسسات الدولة على اختلاف اختصاصاتها، فيما عددهم في المؤسسة العسكرية كان قليلاً جداً".




صامدون في المدينة

في سياق متّصل، يؤكّد برهان أنّ "وضع آخر الذين تمسكوا بالبقاء في المدينة، سيّئ جداً. فهم عانوا من الجوع وعاشوا لأشهر على الماء وورق الشجر والحشائش، قبل أن تدخل الأمم المتحدة مساعدات إنسانية، بالاستناد إلى ما يسّمى اتفاق المدن الأربع (الزبداني ومضايا والفوعة وكفريا) بين الإيرانيين وجيش الفتح. وُضع تحت حصار خانق أكثر من 40 ألف مدنيّ معظمهم من الأطفال والنساء. وذلك للمساومة على حياتنا وطعامنا في مقابل ضمان إدخال المواد الغذائية إلى كفريا والفوعة في ريف إدلب المحاصر من قبل جيش الفتح".

ويشير برهان إلى أنّ "المدينة محاصرة من 70 حاجزاً تابعاً للقوات النظامية وحلفائها، مدعومة بمدرّعات ومدفعية ثقيلة. أمّا نحن في قلب المدينة، فتحوطنا الجبال الخاضعة لسيطرتها. والزبداني كانت أول مدينة وصفت بعاصمة البراميل المتفجرة، بالإضافة إلى أنّها كانت من أولى المناطق التي استُخدمت ضدّها صواريخ أرض أرض المدمّرة". يضيف أنّ "الزبداني قدّمت 780 شهيداً. وأوّل من مات جوعاً في مضايا من جرّاء الحصار المطبق، كان من الزبداني. هي كانت سباقة في كثير من الأمور، حتى الجوع".

إلى ذلك، يذكر برهان أنّ "المدينة خالية اليوم من النساء والأطفال، إذ لم يبقَ فيها سوى الشباب وكبار السنّ، نصفهم من المدنيّين. وقد لا يكون لحالها شبيه بين المدن في العالم. وجميع المسلّحين هم من أبناء المدينة، ولا يوجد بينهم أيّ غريب، وهم ينتمون إلى حركة أحرار الشام". ويشدّد على أنّه "مذ بدأ العمل المسلح لم يكن فيها أيّ فصيل آخر كالنصرة (جبهة فتح الشام حالياً) أو داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)".

وفي وصف حال المحاصرين في الزبداني ومضايا، يقول برهان إنّ "وضع المحاصرين خصوصاً الشباب، مأساويّ، لا سيّما حالتهم النفسية من جرّاء الحصار وغياب الأمل بالمستقبل. الجميع تخلّى عنهم، وقد مرّت خمس سنوات من حياتهم من دون دراسة ولا عمل، الأمر الذي دفع بعضاً منهم إلى محاولة الانتحار".

تجدر الإشارة إلى أنّه بعد سيطرة "جيش الفتح" على إدلب وحصاره بلدتَي الفوعة وكفريا المواليتَين للنظام وإيران في أواخر عام 2015، هجّرت القوات التابعة لهما مئات العائلات التي سبق ونزحت من الزبداني - هرباً من العمليات العسكرية - إلى المناطق المجاورة لمدينتهم والخاضعة لسيطرة النظام مثل مزارع سهل الزبداني أو التي سبق أن هادنت النظام مثل بلودان. تلك العائلات نزحت إلى مضايا التي تُعَدّ اليوم أكبر تجمّع لأهالي الزبداني الذين شُرّدوا من أرضهم.