الرئاسيات الجزائرية.. الصدقية ورهانات المستقبل

02 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
انتهت آجال الترشّح للرئاسيات المقبلة في الجزائر، وهي رئاسيات قسّمت الجزائريين بين داع لها ومشارك فيها وفريق آخر معارض لها وداع لعدم المشاركة فيها لعدم استيفائها شروط ضمان نزاهتها ونظافتها وشفافيتها. ومع توالي جُمُعات الحراك الذي بلغ شهره التاسع، يجهّز الكلّ نفسه للتعامل مع الموعد المقبل على خلفية صراع حام يشهده الإعلام البديل، كون الإعلام العمومي والخاص موصدة أبوابه إلا على الآراء التي ترى جدوى لتلك الرئاسيات، وتسير في ركابها. تلك أجواء الرئاسيات المقبلة التي اختارت السلطة لها شعار "نحن نختار"، يتضمّن محور صدقية الاقتراع برمّته، حيث يشير إلى الناخب "نحن"، أي جموع الهيئة الانتخابية، حوالي 23 مليون جزائري (ة) إضافة إلى الكلمة الأخرى "نختار"، وهي القاسم المشترك بين الفصيلين المتصارعين بشأن هذه الانتخابات، حيث يريد الداعون إليها نعتها بالرئاسيات الحرّة التي ضُمنت بسلطة وقانون كفيلين، كلاهما، بمنحها تلك المصداقية، في حين أنّ رافضيها ينظرون إلى تلك السلطة والقانون بأنهما لا يضمنان تلك النزاهة والشفافية، لأنّ السلطة لم يتمّ اختيار أعضائها، وطنيا ومحلّيا (مندوبيات المحافظات والبلديات) بكلّ حرية. كما أنّ القانون الخاص بالاقتراع تمّ إقراره بالمصادقة عليه، في ظروفٍ اتّسمت بالتسرّع من الرئاسة المؤقتة، البرلمان بغرفتيه إضافة إلى نشره، للعمل به في الجريدة الرسمية، في أقلّ من أسبوع، وهو رقم قياسي عالمي، بامتياز، بالنسبة لقانون مصيري. وفي بلد يعاني، في العادة، من بطء شديد في اتّخاذ القرارات في قضايا أكثر حيوية وأكبر فيما يخصّ مصير الجزائريين وعلى الأصعدة كافة. 
عند النظر بعمق في الشعار، يمكن القول إنّ من صمّمه يعي جيّداً معنى الجمع بين الناخبين وحيوية عملية الانتخاب، المتمثّلة في الاختيار لهذا المرشّح أو ذاك، لأنّه بذلك سيعمل على استفزاز الجميع، المؤيّدين للاقتـراع والرافضين له، على حدّ سواء. بالنسبة للمؤيّدين للاقتراع، فإنّ الأمر لا يعدو كونه اقتناعا بأنّ العملية، مسارا وإجرائيا، يتطلّب، لتجسيدها، على أرض الواقع، الانخراط فيها بقوّة لأنّ ذلك في صالح البلاد ولأنه، أي الانتخاب الرئاسي، بوصلة استراتيجية يجب السير فيها حتما، وبصورة جماعية أو توافقية، وفق لغة السلطة.
أمّا الرافضون للانتخاب، بشكله الذي يُراد له أن يجري في ظلّه، تشريعا، وتنظيما ومسارا، فانّ مجرد الاستمرار في ذلك المسار، بدون حوار، وتوافق أو تفاوض بشأن تلك الانتخابات، 
باعتبارها آلية من آليات تغييرية كثيرة تنهي عصر الاستبداد، نهائيا، هو خروج عن منطق التغيير الذي انطلق الحراك، في بداياته الأولى، لتجسيده، ورافقته السلطة فيه لأنّها من فرضت تطبيق المادة 102 من الدستور التي تنصّ على إبعاد/ إقالة الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، وكون ذلك مسار ينطلق بالخطوة الأولى لمسار التغيير الكلّي للنظام ينتهي باقتلاع جذور الفساد، النهب للمال العام والعصابة كلّها.
يبدو، بالنتيجة، أن الشّعار "نحن نختار" على المحك، ويحتاج إلى أكثر من دليل واقعي ليكون لسان حال المؤيدين على أكثر من صعيد، ومنها، في المنطلق، طبيعة من ستقبل سلطة الانتخابات ملفّاتهم، وهم، للذكر، الراغب في الترشّح، الوزير الأول السابق، عبد المجيد تبّون، إضافة إلى وزيرين سابقين عملا في عهدات الرئيس السابق الأربع وهما بن قرينة وساحلي من دون أن ننسى زعيم طلائع الحريات، الوزير الأول السابق، أيضا، علي بن فليس.
أمّا إذا قبلت سلطة الانتخابات ملفّات هؤلاء، إضافة إلى ملفاتٍ أخرى، وفق الشروط المطلوبة قانونا لذلك، فإن الرهان هو على الحملة الانتخابية، كيف ستجري، وبأي أدوات وأين؟ وذلك على خلفية الظروف الاستثنائية التي سيكون على هؤلاء المترشّحين التعامل معها في ظلّ الرفض الشعبي الواسع لهم، لبعضهم أو للانتخابات شكلا ومضمونا.
وبما أنّ الانتخابات في الجزائر، دائما ما تكون موجّهةً ومعلومة النتائج، مسبقا، في حضور مرشّح السلطة، فإنّ الرهان الآخر هو وجوب إقناع المؤيّدين والرافضين للانتخابات، جميعهم، بأنّ هذه الانتخابات ستكون مختلفة عن شبيهاتها في العقود الماضية. وفي هذه الحالة، وبخاصة مع عدم علمنا بالمقاربة التي جعلت الأمين العام الجديد لحزبٍ متحالفٍ مع السلطة ووزير أول سابق يجمعون توقيعاتهم من دون حتى التنقل خارج العاصمة أو، على الأقل، لم يشاهدوا خارجها، ولو لمرّة منذ إعلان رغبتهم في الترشح، فان السؤال هو: كيف يمكن إقناع الجزائريين بأنّ الانتخابات التي تجري ببقايا من عمل مع الرئيس السابق ستكون نزيهة، نظيفة وشفافة، في حين أنّها لن تُفرز إلا فائزا من بين هؤلاء أو، كما يقول بعض الرافضين، النظام يتجدّد من خلالهم و كأنك يا بوزيد ما غزيت... أعني، هنا، الحراك، بعد تعـب وكدّ لقرابة تسعة أشهر.
على الجانب الآخر، جانب الرافضين للانتخابات، المعضلة الأكبر هي البحث عن الحلّ بعد تعنّت السلطة في مقاربتها للمسار دونما هامش للآليات الأخرى المقترحة قبل الوصول، في نهاية المطاف، إلى الرئاسيات. هناك أكثر من إشكالية بالنسبة لهؤلاء، لعلّ أهمها على الإطلاق، أنّ المسار الانتخابي، إذا جرى، كما تريده السلطة، في موعده المُحدّد، سيبقيهم على الهامش ويعمّق الهوّة مع السلطة لأن الاستجابة الوحيدة لتحدّي الانتخابات هو ما بعد الرئاسيات، تنظيما وعملا، هو التفكير في مقاربة المعارضة لمشروعية الرئيس المنتخب واعتبار أنّ وصوله إلى قصر المرادية (مقرّ الرئاسة الجزائرية) غير شرعي مع تداعيات كلّ ذلك على الحراك، وتغيير النظام وغيرها من مسائل تابعة للنظام، بنيته ومؤسّساته ونخبه.
من ناحية ثانية، هناك قضيّة الموقوفين وكيف يمكن مقاربة مسألة الإفراج عنهم في إطار لعبة 
ضغط بين السلطة، من جهة، والحراك، والمجتمع المدني والطبقة السياسية الرافضة للانتخابات، من جهة أخرى، والتي يمكن أن تشكّل جسرا تعبر من خلاله خطوات ما بعد الرئاسيات لأنّ الأزمة لا يمكن أن تبقى من دون حلّ. وقد تكون الانتخابات أيضا جسرا لتسويةٍ تاريخية، ما زالت فرصة التوصل إليها قائمة، لتكون الرئاسيات انتقالية، أي أن يكون الرئيس القادم مقدّمة أو توطئة سياسية لمسار تغييري ترسم خطاه، وفق ما تحدده أدبيات التحوّل الديمقراطي، خريطة طريق تُعتمد بعد حوار بين السلطة والمعارضة، وتتضمّن تعديلا للدستور، وتصوراً مستقبلياً لشكل النظام السياسي، إضافة إلى التفكير، على المستوى المحلي، في النموذج الاقتصادي لجزائر المستقبل بعيدا عن الريع النفطي. وعلى المستوى الجواري، هناك فرصة لإعادة بعث الاتحاد المغاربي مظلة المشروع الأكبر: مشروع تبوّء مكانة القوة الإقليمية للكيان التكاملي المغاربي في غرب المتوسـط والمنطقة الساحلية الصحراوية.
هل من الممكن، من الآن، التفكير في أنّ الشعار "نحن نختار" له ما بعده، إذا تمّ فهمه في إطار الرهانات التي تمّ الحديث عنها، أم أنّ مصمّميه وضعوه من دون التفكير في مغزى محتواه وتبعات كلمتيه، الهيئة الناخـبة، والتي ألفت العزوف، باعتبارها ثقافةً سياسيةً تعبر عن الرفض للسلطة والاختيار، وهي رهان ذلك العزوف لأنّ مناطه الثقة وهي مفقودة، أو لنقلها صراحة، لم تجتمع لها معطيات الرفع من قيمتها في إطار الفعل السياسي التشاركي في العملية السياسية بحجم الرئاسيات المصيرية لبلد مثل الجزائر؟
يبقى السؤال محيرا ولا إجابة له إلا في إطار رؤى مؤيّدي الانتخابات ورافضيها، وهم جزائريون كلّهم، تنتظرهم رهانات كبيرة لا يمكن أن تكون الرئاسيات بالوجوه التي قد يُعلن عن قبول ملفاتها، هي ثمار كل هذا الحراك، وكل ما حمله من آمال أو هي الإجابة أو الاستجابة الوحيدة الممكنة والمتاحة، في الوقت الحالي. نحن نختار، نعم، ولكن في ظروف أفضل، ضمانات أجود وتوافق أكبر، ومن دون ذلك، لا ترقى الرئاسيات إلى المرغوب، وقد تعمّق الهوّة بين الجزائريين.