الحراك العالمي ضد العنصرية: شعوب غائبة

16 يونيو 2020
الصورة
(1)
تجاوبت شعوب في العالم، في غضبة عارمة للمسلك العنصري البغيض الذي راح ضحيته المواطن الأميركي ذو الأصول الأفريقية، خنقاً بركبة شرطي أميركي أبيض. لم تمضِ ساعات إلا وانتفضت لندن وباريس وبرلين وغيرها. ظللنا نتابع بتغطيات مباشرة على مختلف الفضائيات هذا الحراك الغاضب، يدين المسلك العنصري، وينادي بإجراءاتٍ أكثر حزما للحد من هذا التغول المريع على حق الإنسان في الحياة.
(2)
ظلت مقولة إن العالم صار قرية كونية بعد العولمة، تترسّخ يوما بعد يوم. وما وباء كورونا الذي اكتسح العالم إلا هجوم كاسح لا يميز بين بلد وبلد، أو بين شعب وشعب، ولا يفرّق بين فقير وغني، أو بين أبيض وأسود. التغوّل على حق الإنسان في الحياة واضطهاده بسبب لونه لهو أبشع أنواع التمييز العنصري. والتمييز العنصري ليس عقيدة سياسية تتبعها حكومة أو تتبناها هيئات أو كيانات رسمية، فالعقائد والمواثيق الدولية تحرّم كل ما يحط من قيمة الإنسان. ولكن إذا اتصل هذا التمييز بمسلك شخصي، وذهنية نفسية معينة عند مجموعة معينة، يصبح الأمر ظاهرة تتصل بالثقافة والتربية وصناعة الإعلام وصياغة الصور عن الآخر المختلف. مثل هذه السلوكيات المعيبة قد لا يصرّح بها علانية، وقد تصنّف ضمن ما نطلق عليه "المسكوت عنه".
(3)
لعلّ أكثر المتابعين لاحظوا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المأهولة بأخلاطٍ من 
شعوبٍ عربية وعربية أفريقية وعربية آسيوية، لم نرَ لها حراكاً متعاطفاً مع الحراك الغاضب ضد المسلك العنصري البغيض، شبيهاً بالذي انتظم في مدن أميركية وأوروبية عديدة، إثر مقتل جورج فلويد. لكأنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تعرف ذلك النوع من التمييز، وذلك من خطل القول، إذ هنالك تمييز مرصود لمجتمعات فيها الأبيض والأسمر والأسود، ولكن هي من الملفات التي تسكت عنها الأنظمة، وأيضاً قد تتناساها الشعوب أو تتجاهلها عمدا.
قد يدّعي بعضُهم أنّ شعوب هذه المنطقة وذلك الإقليم هُم من تمّ تدجينهم تحت أنظمة شمولية، فلا تجدهم يتجاوبون أو يتعاطفون بعفوية، بمثلما تعاطفت شعوب في عدة مدن أوروبية وأميركية مع ضحية الجريمة البغيضة، لكأنّ بعض شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي انتفضتْ في مواسم ربيعها في السنوات الأخيرة، وتطلعتْ إلى استعادة بعض حقوقها المهدرة في الحرية وحقّ التعبير، غير معنية بجرائم التمييز العنصري، مثل قتل المواطن الأميركي بركبةِ شرطيّ أبيض، فاهتز الضمير العالمي.. ولنكن أكثر واقعية، فلا نغمض أعيننا عن بعض ما نلحظه من سلوكياتٍ عند بعض مجموعات شعوبنا في تلك المنطقة، لا تتسم باحترام الآخر، المختلف ثقافةً أو سحنةً أو لونا. يمتد مثل هذا السلوك فترى آثاره في التمييز في فرص العمل، وفي فرص التعليم، وفي مختلف مجالات الإعلام من التمييز العنصري غير المقبول.
(4)
التغافل عن رصد بعض ظواهر التمييز والعنف العنصرييَن، وكأننا لا نراها ولم نسمع بها، ثم نتحايل لإنكارها، يصبح سياسة تحيلنا إلى توصيفها أموراً مسكوتاً عنها، أو يصير نفاقاً مستترا. وقد يقود ضعف تعاطف شعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع الحراك العالمي الغاضب ضد التمييز والعنف العنصري إلى تهمة التواطؤ، خصوصا حين نرى بعض شعارات الحراك المرفوعة تنادي إنّ من لا يدين العنف العنصري فهو "متواطئ". ويحزنني أن أرى شرقنا الأوسط وشمالنا الأفريقي مما يظن بعضهم أن شعوبه ضمن المتواطئين، لا المناهضين للتمييز العنصري.
(5)
على شعوب منطقتنا في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا أن تعلن موقفا مناهضا للتمييز والعنف العنصري البغيضين بأعلى صوت. إنكارهما يعد تواطؤا وخذلانا لإرادة تقدير النفس الإنسانية. ليس الأمر من هموم الحكومات وحدها، بل على الشعوب أن يعلو صوتها استنكارا وتناديا إلى احترام القيم الإنسانية في عالم صار بالفعل قرية متناهية الصغر. تضافر الجهد الدولي في الحرب المستعرة ضد وباء كورونا لا بد أن يرافقه تعاون عالمي لاجتثاث التمييز والعنف العنصري البغيض. النعامة لا تواجه ما يتهدّدها وتدفن رأسها في الرمال، هل نكون مثلها؟

دلالات