الحراك الجزائري وكورونا

17 مارس 2020
الصورة

من مظاهرات الجمعة 56 للحراك الجزائري في العاصمة (13/3/2020/Getty)

نزل ناشطو الحراك الجزائري الرافض خطط الرئيس عبد المجيد تبون، في إعادة صياغة دستور جديد للبلاد وإدخال إصلاحات سياسية، إلى شوارع الجزائر العاصمة في جمعة الحراك الـ56، على الرغم من توصيات الحكومة بحظر التجمعات، ودعوتها إلى إرجاء التظاهرات إلى حين السيطرة على تفشي فيروس كورونا. لم يولِ "الحراكيون" إرشادات وزارة الصحة انتباها، ولم ينفع معهم إعلان منظمة الصحة العالمية تحول الوباء إلى جائحة اجتاحت العالم، وتتطلب تضافر جهود الدول جميعها، لإعلان حربٍ حقيقية على هذا الكائن المجهري الذي غزا الدنيا، وأقفل حدود دولها، وأوقف تجارتها وأعمالها، أغلق موانئها، وأقفل أجواءها، وأسواقها وأعلن حالة الطوارئ، في زوايا الأرض الأربع، أجلس الناس في بيوتهم، وعطّل صلوات الجماعة في بعض البلدان الإسلامية، وأغلق كنائس دول أخرى ودور عبادتها.
لم ينفع كل هذا لدى قادة الحراك في الجزائر، ولم يكترثوا للدعوة إلى تأجيل خروجهم في الشوارع واختلاط بعضهم ببعض. حجتهم في ذلك أن النظام يتذرّع بفيروس كورونا لثنيهم عن التظاهر، وهم الذين كان في نيتهم تمديد احتجاجاتهم إلى باقي أيام الأسبوع الأخرى، وعدم إبقائها محصورة في يومي الثلاثاء والجمعة. حاولوا الخروج يوم السبت في ثاني أسبوع من مارس/ آذار الحالي، ولكنهم قوبلوا بجبهة صدّ صلبة، من قوات الأمن، ومن السلطات التي 
رفضت خروج الاحتجاجات إلى أيام الأسبوع الأخرى، خشية تعطيل مصالح الناس اليومية، ومخافة تحول الحراك اليومي إلى عصيانٍ مدنيٍّ ترفضه غالبية الشعب الجزائري.
يحاجج بعض قادة الحراك بأن مصدر فيروس كورونا من الخارج، وليس من داخل الوطن، وأن على السلطات غلق كل أماكن التجمعات حيث يلتقي الملايين، قبل المناداة بتوقيف الحراك. قد تكون لدعوتهم إلى غلق المرافق العامة أهمية قصوى، يشاركهم فيها دعاة إعلان حالة الطوارئ في البلاد، كغلق المنافذ البرية والبحرية والجوية وإغلاق المقاهي، النقل العمومي، وميترو الأنفاق والترامواي والقطارات، محطات المسافرين، البازارات والأسواق المغلقة، الأسواق الأسبوعية الشعبية وأسواق المواشي. لتضاف إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من تعطيل للمدارس والجامعات، وتقليص للرحلات الجوية من الخارج، وخصوصا من أوروبا، وتعليقها مع فرنسا تحديدا. ولكن هل من المعقول تلبية رغبتهم التي تردّدت في مواقع إلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي، في إغلاق السجون وتسريح المحبوسين فيها، وغلق الثكنات العسكرية ومنح عطلات للجند فيها؟ دعوات سريالية، أو خيالية على أبعد تصور، فلم نسمع عن دعوات مثلها في بقية بلدان 
المعمورة، إذ لا يعقل أن يطلب أحدٌ غلق المؤسسات العسكرية لبلده، ففي ذلك تسليم أمن البلد إلى المجهول.
ثم ما الضير وأهل الحراك يدعون السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة، في مواجهة فيروس كورونا، البدء بإعطاء القدوة في ذلك، بتأجيل مسيرات الحراك إلى حين انجلاء هذه الجائحة التي قصمت ظهر العالم من أقصاه إلى أقصاه، أم هي المكابرة التي تدفع صاحبها إلى ركوب موج الخطر إلى مداه، من دون الالتفات إلى نتائجه التي لا تؤدي إلا إلى غرق المركب بما حمل؟
لم يطلب أحد من الحراك توقيف مساراته، ولا تعطيل مسيراته، فضغط الحراك (خصوصا ممن لا يحملون أجندات أيديولوجية، أو أجنبية)، بوجوده المستمر منذ أكثر من سنة في الشارع، هو ضمان لعدم نكوص النظام عن تعهداته، في تلبية رغبات الجزائريين الذين يرغبون في تغيير حقيقي، يعيشون من خلاله راهن العالم وتحولاته، لا مجرّد تبديلات في الأدوار بين أزلامه، عودنا عليها النظام في سنوات ماضية، لا طائل من ورائها إلا المراوحة في المكان، والتي كبّدت الخزينة العامة خسائر بالمليارات جرّاء الفساد الذي استشرى في جسد الدولة.
ظهر رئيس الحكومة الجزائرية، عبد العزيز جراد، في تصريحاته أخيرا، مهادنا أهل الحراك، طالبا منهم التعقل، لا التوقف، وتغليب المصلحة الوطنية والإنسانية، بتأجيل خروجهم إلى الشوارع إلى حين. جوبهت دعوته بالرد العنيف، والألفاظ الجارحة أحيانا، وبالدعوة إلى رحيل 
النظام، قبل فيروس كورونا. تتعمق الأزمة أكثر، فحبل الثقة ما زال غائبا عن قاموس العلاقات بين الحكام والناس في الجزائر، أو قد يبدو واهنا في أحسن حالاته، فالشارع العام أيضا منقسم، بعضه يأخذ احتياطاته اللازمة، وأكثره عددا ما زال يأخذ خطر فيروس كورونا مأخذ الهزل والاستهتار، بل وصل الأمر ببعضهم للَّمز والتنابز بالألقاب، والسخرية، إذا هم قابلوا أحدا، وعلى وجهه كمامة. لا يأخذ هؤلاء الظروف الاستثنائية الحالية مأخذ الجد، لا يلتزمون بتعليمات وزارة الصحة العامة، ولا يغيرون سلوكهم الاجتماعي، من لقاءات، ومصافحات، وعناق، وولائم، وأعراس، وغيرها من الدعوات والحفلات. جمهور، في غالبيته، لا يعبأ بأعداد المصابين التي ترتفع كل يوم، بل إن عدد المتوفين من المصابين يُعد من أعلى الأرقام، إذا أخذنا في الحسبان، نسبة وتناسبا، عدد المحجور عليهم، وعدد من توفوا.
يضاف إلى هذه العفوية، والقدرية، المذمومة في مثل هذه الحالات، تأخر الإعلام العمومي، والخاص في توعية الناس بمخاطر فيروس كورونا، ونقصان المعدّات والأجهزة لدى المستشفيات، والمصحات، التي هي في حال يرثى لها، فقطاع الصحة في الجزائر يعيش أزمة حقيقية، فلم تستطع الحكومات المتعاقبة بناء منظومة صحية متكاملة، تستطيع معالجة الأمراض العادية والمستعصية، وهو ما دفع المرضى إلى اللجوء إلى الخارج لمداواة أنفسهم، بدل انتظار الموت في طابور قوائم المواعيد التي توزعها المستشفيات على المرضى، لعدم توفر أماكن لهم في أجنحتها المثقلة أصلا بتراكم عدد المراجعين.
وضع دفع أطباء أكفاء كثيرين إلى مغادرة الوطن نحو بلدان تقدّرهم، وتزن أعمالهم وجهودهم، بميزان الاعتراف المادي والمعنوي، يضاف إلى ذلك انحسار البحث العلمي إلى أدنى مستوياته. وقد خاطب أخصائي إسباني في علم الأوبئة المسؤولين في بلاده غاضباً: "تمنحون لاعب كرة القدم مليون يورو، بينما لا يتلقى الباحث في البيولوجيا إلا 2500 يورو راتباً.. إذهبوا إلى رونالدو ليجد لكم علاجاً لفيروس كورونا"، يحدث هذا في أوروبا، فما بالك بالأوضاع المزرية في الجزائر؟